منجب وبنجلون: عندما تفرض الحقيقة نفسها خلف أسوار المعرض

منجب وبنجلون: عندما تفرض الحقيقة نفسها خلف أسوار المعرض

عبد الرحيم التوراني

        من مقتضيات الإنصاف ومواثيق النزاهة الفكرية أننا كما لا نغض الطرف عن الخطأ حين يقع، يجب ألا نتجاهل التصويب حين يتحقق. غير أن الواقع لا سيما في فضاءات التواصل الاجتماعي، يكشف عن فئة من الناس تتشبث بما خطّته أيمانها بقداسة توهم صاحبها بأنه “لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”.. وهو عناد يعمي عن الحقائق ويحول دون المراجعة.

من هذا المنطلق نجد أنفسنا أمام حالة تستحق القراءة، تتعلق بالموقف الذي عبر عنه الكاتب الطاهر بنجلون تجاه قضية المؤرخ والحقوقي المعطي منجب.

لقد شنَّ الطاهر بنجلون هجوما شرسا على المعطي منجب، متذرعا بجهل تام بشخصه وكتاباته، وكان الأحرى به أن يقر أيضا بجهله بتفاصيل محْنته الحقوقية ومعاناته الممتدة مع السلطة….

لكن يبدو أن المنبر الذي يكتب فيه الطاهر بنجلون، والذي يشي اسمه بالقدرة الفائقة على الدوران والقفز بين الضفاف، قد زجّ به في أتون “استكتاب وظيفي” تصاغ مواقفه تحت الطلب، ليكون مجرد مخلب قط في صراع لا ناقة له فيه ولا جمل، سوى الانصياع لهوى “أصحاب الحال” والانسجام مع أجندات نشر تقتات على الصدام الموجه.

إلا أن فصلا جديدا من الدراما الحقوقية كتبت فصوله في معرض الكتاب.. حين منع المعطي منجب من ولوج المعرض رغم توجهه إليه بنية لقاء بنجلون ومناقشته فيما كتبه ضده…

كان هذا المنع فرصة سانحة لأصوات التشهير أو مَن يصطلح عليهم بـ”العياشة” وأمثالهم المقنَّعين، الذين سارعوا لاختلاق الأكاذيب، زاعمين أن منجب حاول دخول المعرض من باب الخروج، وهي مزاعم لم تكن سوى “دخولا وخروجا في الكلام” بتعبير المغاربة الدارج، للتعمية عن الجوهر الحقوقي للمنع.

لكن الطاهر بنجلون الذي قد نختلف مع تحولاته الأخيرة، يظل ابنا لنشأة يسارية وذاكرة حقوقية لا تُمحى، فهو الذي ذاق مرارة سنوات الرصاص واختار المنفى الفرنسي فرارا من القمع المخزني آنذاك. ومن هناك سجل مواقف مشرفة نصرة للقضية الفلسطينية، لعل أبرزها ديوانه “حديث الجمل” المهدى إلى المناضل الفلسطيني الشهيد محمود الهمشري، والذي نقله إلى العربية الأديب محمد برادة، ناهيك عن مقالاته الرصينة في الصحافة الفرنسية التي كانت صوتا للمقهورين.

يبدو أن جذور تلك الذاكرة الحقوقية استيقظت في داخل الطاهر بنجلون، فدفعت به إلى التراجع عن هجومه السابق. ففي تصريح أمام رواد المعرض، أعلن صراحة وقوفه ضد التضييق الذي يطال المؤرخ والحقوقي المعطي منجب.. منتقدا منعه من السفر للقاء بزوجته وابنته، ومعتبرا أن مثل هذه الممارسات تسيء لصورة المغرب. والأهم من ذلك هو تنديده الصريح بممارسات “البوليس السياسي” التي رآها مناقضة لتوجهات البلاد ولإرادة العاهل المغربي.

إننا إذ نضع هذا التصريح في خانة أدب الاعتذار أو شبه الاعتذار، نرى أن الحقائق التي تجلت أمام الطاهر بنجلون كانت تقتضي اعتذارا أكثر دقة ووضوحا.. غير أن هذه المراجعة في حد ذاتها خطوة شجاعة. وهو ما احتفى به المعطي منجب نفسه، حين كتب تدوينة أشاد فيها بـ”شجاعة ونزاهة” بنجلون في مراجعة موقفه، واقتبس من كلامه الغاضب ضد الأمن:

تقوم الشرطة بأفعال لا ينبغي أن تقوم بها. لماذا يُمنع (منجب) من مغادرة البلاد حتى ولو كان معارضاً؟.. إنه مواطن مغربي مُنع من رؤية زوجته وابنته؛ نقطة إلى السطر. ماذا فعل؟ هل قتل أحداً؟ هل ألقى قنبلة على القصر الملكي؟!

لقد قَبِل منجب هذا التراجع بروح إنسانية، مؤكدا أن الخطأ صفة بشرية، رغم ما ألحقته التصريحات السابقة من أذى نفسي بليغ به وبعائلته، خاصة وأن بعض أقاربه كانوا من مريدي أدب بنجلون القديم، ذلك الأدب الذي كان يسكن خنادق الحرية قبل أن تغريه كراسي النخبة.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!