من الروشة إلى عين الدياب.. كلنا في العري واحد

من الروشة إلى عين الدياب.. كلنا في العري واحد

عبد الرحيم التوراني 

            وصلني الأحد الأخير عبر تطبيق ميسنجر، من صديق في العاصمة اللبنانية بيروت، مقطع فيديو هزّ منصات التواصل الاجتماعي وتقاسمه الآلاف… اللقطة الأولى تبدو سوريالية.. امرأة شابّة فارعة الطول تقف على كورنيش الروشة الشهير، وفي لقطة أخرى تتكئ ببرود غريب على درابزين الشاطئ وتدخن سيجارة، وفي ثالثة تجلس على كرسي إسمنتي، لكنها كانت عارية تماما… “كما خلقتنا يا ربنا”، بلا خيط ستر.

مشهد يفيض بالصدمة، سرعان ما تتسارع وتيرته حين يتقدم مارة، تدفعهم غريزة الستر أو الفضول الحشري لتغطية جسدها، ليتحول المشهد فجأة إلى دراما عنيفة، إذ يندفع أحد الأشخاص موجها إليها صفعة قوية على وجهها، وليرتفع في الخلفية صراخ مستنكر: “أوعى تمد يديك عليها!”، فيجيبه المعتدي بفظاظة وجياحة: “اخرس“!.

***

ما أن شاع الفيديو حتى انفجرت منصات التواصل بأخبار متضاربة وخلط بالوقائع. وتحت المنشورات انهمرت التعليقات كمرآة كاشفة لوعي جماعي مأزوم.. فمنهم من علق بمرارة:

 “مجتمع لا يتحرك لأجل إبادة، لكن تهزه رؤية امرأة عارية.

 ومنهم من قذف قراءات جاهزة:

 “شكلها إثيوبية جننوها أصحاب البيت.

 بينما كتب الشاعر والإعلامي جوزيف عيساوي على فيسبوك:

جنّنو الناس… طبعا موجوعة ومحتاجة عناية، بس مين بيحمي الناس من جنون الحرب، ونهب المصارف، وأحزاب طوايف مَرجعها برّا؟“.

التقط المتابعون تفاصيل مؤلمة كوجود “إسورة مستشفى” بلاستيكية في معصمها، مما يرجح فرضية المعاناة النفسية الحادة، فعلّق أحدهم بأسى:

 “مريضة مسكينة… يوجد ناس يتصرفون بدون إرادتهم“.

 واستنكر آخرون مشهد الضرب: “مؤلم جداً أن يبلغ التوحش البشري هذا الحد”، لتنتهي الردود بالدعاء السائد: “نسأل الله الستر والعفاف“.

في المقابل، قفزت تعليقات لتلخص الفلسفة السوسيولوجية للحدث:

بتعرّيها اليوم قامت بتعرية وطن بأكمله وأهله الذين يمارسون التكاذب والنفاق ألف مرة في اليوم“.

 لقد تحول الجسد العاري من عورة أنثوية إلى مجسّم فادح يعكس عورات مجتمع ينهشه النفاق.

***

حين أزحتُ قشرة الشائعات تبينتُ الخلفية الحقيقية، فالحادثة لم تكن استعراضا عشوائيا، بل خطوة احتجاجية واعية وموجهة بدقة ضد أحد القضاة. لقد كشفت التقارير أن الفتاة (ر. ع.) تقدمت بسلسلة من الشكاوى بشأن تهديدات ومضايقات خطيرة تتعرض لها، دون أن تلقى شكواها أي استجابة من المنظومة القضائية. وأمام جدار الصمت وتقاعس العدالة، لم تجد سوى جسدها سلاحا أخيرا وصادما لجلب الانتباه إلى مظلمتها.

هنا انقسم الشارع اللبناني بين تيار الاستنكار الذي ركّز على ما سمي بخدش الحياء العام، وتيار التعاطف الذي رأى في المشهد صرخة يأس تحول فيها الجسد إلى بيان سياسي يرمز إلى تعري العدالة نفسها وسقوط أقنعة المؤسسات. وفتح ذلك نقاشا أعمق حول الانحياز الجندري، إذ يُعتقل الجسد المحتج فورا، بينما يتم التغاضي عن رجال يتجولون عراة الصدور في الشوارع ووسائل النقل.

المثقفون انتقدوا هذه الازدواجية، فالمجتمع ذاته الذي يصاب بالذعر لمرأى امرأة عارية احتجاجا أو مرضا، هو الذي يستهلك العري نفسه ويسلّعه يوميا في الإعلانات والفيديو كليبات لغايات الربح الرأسمالي. إنهم يقبلون الجسد المستباح تجاريا، ويقمعونه إذا ما اسْتعمل كأداة تعبيرية.

***

في رد سريع كتبته لصديقي البيروتي، أخبرته أن هذا الأمر يتكرر في مدننا المغربية أيضا وللجنسين معا. واستعدت حدثا قديما لصحفي مغربي مشهور في ستينيات القرن الماضي، تعرى بالكامل في شارع محمد الخامس بالرباط أمام فندق “باليما”، احتجاجا على “سرقة” زوجته من طرف أحد النافذين الكبار في البلاد…، لقد اختار عري الجسد ليكشف عري العدالة المكسوة بالزيف.

كما استحضرت كلام الشاعر اللبناني بول شاوول حين قال لي بمرارة إن اللبنانيين يعانون من اضطرابات تراكمت بفعل حروب تجاوزت نصف قرن. والمفارقة أن المغرب لم يعش تلك الحروب المسلحة، ومع ذلك تتكرر فيه حوادث التعري.

 هذا يقودنا إلى قناعة أشد قسوة: إن مجتمعاتنا عاجزة عن إنتاج بشر أسوياء بالكامل بفعل حروب أخرى غير مرئية، حروب الفقر البنيوي والقهر الاجتماعي والكبت، والاضطهاد اليومي الذي يطحن الروح ويدفع البسطاء لفقدان صوابهم، ليكون التعرّي هو الملاذ الأخير لإعلان السقوط الكامل وسقوط “الآخر” في وحشيته.

بل إن الذاكرة الشعبية تحفظ التعرّي كأداة احتجاجية بدائية، ففي صراعات الأحياء القديمة، وكما نقول بالدارجة المغربية في لحظات (المعايرة والمدابزة الحامية)، كانت النساء يلجأن في لحظات العجز البلاغي إلى تعرية مؤخراتهن كإهانة قصوى وصرخة احتجاج أخيرة بعد أن ضاقت لغة الكلام و”تْقاضاو السوايع.

***

لا يمكننا تفكيك المشهد دون استحضار تجلياته العولمية الحديثة عبر حركة “فيمن” النسوية التي اعتمدت منذ 2008 أسلوب الاحتجاج عاري الصدر كاستراتيجية نضالية صدمية لزعزعة السلطة الأبوية، معتبرة الجسد منصة للبيان السياسي.

في هذا السياق يعلق الباحث السوسيولوجي رشيد عيسى مؤكدا تقاطع فعل فتاة بيروت جوهريا مع أدبيات “فيمن” في نقاط بنيوية:

“أولا: استخدام الجسد كمنصة بيان عدلي ونزعه من سياق المتعة أو الوصاية إلى سلاح لإيصال رسالة عجزت عنها أوراق المحاكم.

ثانيا: الاعتماد على عنصر الصدمة المباغتة في مكان حيوي ككورنيش الروشة لضمان وصول الصرخة ومواجهة السلطة حتميا.

ثالثا: توجيه السهام نحو المؤسسات القمعية، ممثلة بشخص القاضي المتقاعس، وهي رمزية تلخص مواجهة الضحية الضعيفة مع سلطة المطرقة والقانون العاجز.

ويختم رشيد عيسى تعليقه: “لقد كشفت عارية بيروت أن خوف المجتمع من غياب القماش الذي يستر الجسد، يفوق بكثير خوفه من غياب العدالة التي تستر كرامة الإنسان. عري الجسد عارض عابر.. أما العري الحقيقي الفاضح فهو عري مجتمعاتنا من الإنسانية ومن العدل ومن القدرة على الرحمة“.

***

في غمرة هذا الخوف ربما بدأتُ اليوم أفهم بعمق تلك العبارة الأثيرية التي لا تفارق لسان المغاربة: “الله يستر”. هذه العبارة العجيبة تتحرك في مساحات متناقضة، فهي تارة تضرع صادق ودعاء نقي يطلب الحماية الإلهية، وتارة أخرى ، وهي المرات الكثيرة وللأسف ، تتحول إلى سلاح رمزي مغلف بالتهكم.. “كَنقْمعو بها” كل من يخرج عن السرب أو يفقد صوابه، فنقول ببرود: “مْسيكين، الله يستر.. تْسطّى”، أو “مشى فيها، الله يسترنا”… جعلنا منها وسيلة للدفاع عن طمأنينتنا الزائفة، فبدل أن نلتفت إلى أسباب القهر الذي يطحن روح المحتج، نكتفي بالإشارة إليه بأصابعنا قائلين: “الله يستر!”، لنغلق النوافذ ونقول “أنا مال مالي”، تاركين الضحية عارية والوطن غارقاً في نفاقه المعجون بألف قناع.

***

ويطير بي السؤال من ضفاف المتوسط في بيروت إلى أمواج الأطلسي في الدار البيضاء: كيف كان سيكون المشهد لو أن تلك الفتاة وقفت عارية بسيجارتها وإسورتها البلاستيكية على رصيف كورنيش عين الدياب؟

الجواب يأتيك سريعا من غياهب الوعي المشترك: أكيد ستحدث نفس ردود الفعل الحرفية بـ “الكربون”. سيتجمهر الناس في ثوان، تتدخل غريزة “الستر” ممزوجة بالفضول الحشري القاتل، سيمد أحدهم “فوقية” أو “كاش مايو” ليتلقف جسدها، بينما سينبري (حامي حمى الأخلاق) ليوجه إليها صفعة أو ركلة يبرر بها مركب النقص لديه، متهماً إياها بخدش الحياء العام و”السيبة... وفي العالم الافتراضي، ستختنق المجموعات البيضاوية على “الواتساب” بالفيلم الصدمة، وتشتعل صفحات “الفيسبوك” المغربية بذات الروائح الكريهة من التناقض: تيار يطالب برجمها حية بتهمة الفساد معلقا: “الله يستر.. السيبة هادي!”، وتيار حقوقي يبحث عن المظلمة أو المرض النفسي خلف الإسورة. ستخرج التعليقات المألوفة لتقول: “شي مسكونة سكنها الجن أو ضربها عفريت”… بينما سيلتفت المثقفون ليقولوا بحسرة: “تعرت فعرّت نفاق مجتمع يستهلك الجسد خفية في العلب الليلية المجاورة لعين الدياب، ويقيمه حداً في واجهة الشارع“!.

المفارقة أننا سنعيد إنتاج نفس المونتاج الإنساني المشروخ، فالمجتمع الذي يغلق عينيه عن قهر النساء وعن موت العدالة، وعن طحن البسطاء يوميا بالحكرة والغلاء، سيستشيط غضبا لأن قماشة الستر سقطت عن جسد امرأة. إنها الحقيقة المرة التي تؤكد أن الحدود الجغرافية تذوب أمام بنية القهر.. “كلنا في الهم شرق”، وعري بيروت هو عري الدار البيضاء، والوجع الذي صرخ على كورنيش الروشة هو ذاته الذي يختنق في رئة عين الدياب، لتظل العبارة الملاذ: “الله يسترنا فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!