المرأة المغاربية في معارك التحرير الوطني
المختار العنقا الإدريسي
1 – السياق التاريخي للاستعمار المغاربي وتحول أدوار النساء
لا يمكن لنا فهم حضور المرأة المغاربية في معارك التحرير الوطني دون التوقف عند السياق التاريخي الذي أسهم في اعادة تشكيل المجتمع برمته تحت ضغط الاستعمار. فالتحولات التي مسّت أدوار النساء لم تكن نتيجة أي تطور اجتماعي تدريجي أو خطاب اصلاحي معزول، بل كانت نتيجة استجابة مباشرة لوضعية استعمارية عنيفة فَرَضَت على المجتمع المغاربي حالة تعبئة شاملة، وأدخلت جميع فئاته – رجالا ونساء – في معارك وجودية مفتوحة. ويرى جميع المهتمين بالكتابة التاريخية، أن الاستعمار الأوربي في البلدان المغاربية، منذ القرن التاسع عشر، مَثَّل حدثا قاطعا في التاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة، اذ لم يقتصر أثره على السيطرة العسكرية والاقتصادية فحسب، بل طال البنيات الثقافية وأنماط العيش والعلاقات الأسرية والرمزية. وفي خضم هذا الاضطراب البنيوي، بدأت مواقع النساء تتحرك خارج حدودها التقليدية، ويتحول معها المجال المنزلي – نفسه – الى فضاء للمقاومة، وتصير المرأة “حارسة للذاكرة والوطن” بعد أن كانت مجرد “حارسة للبيت”، مهتمة بالأسرة… التربية… الاقتصاد المنزلي. وهكذا تحول الفضاء الاجتماعي كله الى ساحات للمواجهة، فغدت البيوت ملجأ للمقاومة، والحقول مخابئ للسلاح، واستخدم اللباس التقليدي للتمويه. وبذلك يكون الاستعمار قد أنتج، من حيث لا يقصد، نوعا من اعادة توزيع الأدوار داخل المجتمع، وفتح الباب أمام فاعلية نسائية غير مسبوقة.
ويتضح من خلال هذا السياق التاريخي أن بروز المرأة المغاربية كفاعلة في معارك التحرير، لم يكن عرضيا أو استثنائيا، بل جاء نتيجة منطقية لمجموعة من التحولات البنيوية التي فرضها الاستعمار والمقاومة معا. فأعادت المقاومة تشكيل المجتمع المغاربي، ودفعت النساء الى تجاوز الأدوار التقليدية، فانتقلن من المجال الخاص الى الفضاء الوطني، ومن الصمت الى المشاركة، ومن الهامش الى قلب الفعل وجوهره.
ورغم وحدة التجربة الاستعمارية، فإن طبيعة مشاركة النساء اختلفت باختلاف السياقات:
* لقد امتزج العمل السياسي السري المغربي بالمقاومة المسلحة المحلية، فبرزت أدوار الاسناد والتنظيم والتوقيع على المبادرات الوطنية.
* فرض الاستعمار الاستيطاني العنيف وحرب التحرير، انخراطا سياسيا مباشرا في العمل الفدائي للنساء الجزائريات.
* غَلبَ الطابع التنظيمي والنقابي والتعبوي المرتبط بالمقاومة، مع حضور نسائي تونسي وازن في المجالين المدني والسياسي.
* في ظل المقاومة ضد الاحتلال الايطالي أنيتطت بالنساء الليبيات أدوار الدعم والامداد في بيئة صحراوية قاسية.
وقد نخلص في النهاية الى القول بأن مشاركة المرأة المغاربية لم تكن نسخة مكررة بين بلد واخر – كما سنرى في تناولنا للبورتريهات النضالية التي سنتوقف عندها لاحقا – ، بل كانت استجابة مرنة للسياق التاريخي والسياسي:
* عندما غلب العمل السياسي السري، برز التنظيم (المغرب).
* عندما وُجدت الحرب الشاملة، برز السلاح (الجزائر).
* عندما غلب الاصلاح المدني، برز العمل الجمعوي (تونس).
* عندما سادت المقاومة القبلية، برز الاسناد المجتمعي(ليبيا).
لكن القاسم المشترك بينها جميعا هو:
【 تحول المرأة من عنصر منزلي خاص الى فاعل وطني عام 】.
