ميزة عناصر الشعر وتعدد موضوعاته وتنوع أبعاده في ديوان “من منبع النهر”
عبد النبي بزاز
“من منبع النهر” ديوان شعري للشاعر المغربي نصر الدين بوشقيف، كُتِبَتْ نصوصه بين (1980 و1990)، وهي نصوص تتضمن مقاطع قصيرة مرقمة، وما يميزها هو غزارة الموضوعات، وتعدد “التيمات”، ورغم طابعها النثري فإنها لم تخل من إيقاع انتظمت عبره هذه النصوص، وأيضا عناصر بلاغية توزعت على بعض مقاطعه.
فقد اختتمت جمل من مقاطعه بنفس الروي كما في: “حتى ذلك الذي يتوسد بالحجر / أن لا أنسى أنه قبل كل شيء / هو أحسن البشر.” ص21، الذي هو الراء (الحجر والبشر)، والحاء كروي أيضا: “وأنا أعرف أنك تراني ثابتا رغم الرياح / أخفي حزني إذا لاح.” ص26، وتكرار نفس الحرف من نفس العبارة كالصاد والتاء في: “صبرا صارت قفصا / شتيلا صارت قفصا” ص90، والكاف في قوله: “نحمل هزيمتنا على أكتافنا كالأكفان” ص96، مما يضفي على جمل المقطع تناغما داخليا يكسر الرتابة النثرية ويمنحها إيقاعا نوعيا.
وعلى المستوى البلاغي استعمل التتشبيه غير مسبوق بأداة: “أنا نهر لا يعرف الجفاف” ص20، ومقترنا بها: “أنا مثل وردة تحت السماء”، في استخدام الأداة “مثل”، أو الكاف كما في: “كغيمة تمطر في اتجاه المعاكس.” ص68، والطباق وما يشكله من تقابل وتضاد في: “يرى فيها العاشق وجهه صباح مساء…” ص25، وجناس: “لا النهار نهارا / ولا الليل ليلا” ص34. وعنصر الاستعارة الذي ورد في العديد من نصوص المجموعة كما في قول الشاعر: “حين تربط بحبال الأمل قبل النوم محيطك…” ص37، بحيث استعار للأمل حبالا يقيد بها المحيط، والوجوه للنجوم التي يتم توزيع القبلات عليها: “وينثر قبلاته على وجوه النجوم…” ص38، وتَعَوّد الهواء على الصمت، وقدرته على تجاوز البشر في ذلك: “كان الهواء قد اعتاد الصمت / أكثر من البشر.” ص62، ويغدو للحياة كتف تلمسها الأيدي: “وضعت يدي على كتف الحياة” ص78، واستعارة البكاء للأشجار، والدمع للدخان: “بكت الأشجار من دمع الدخان” ص94، ووصف القمع بالصراحة والابتسامة معتذرا عما صدر منه بشكل مرن ولين عبر أسلوب استعاري مجازي: “كان القمع صريحا، / هنا يبتسم القمع / ويعتذر بلطف.” ص150.
وتوقه للرحيل كرد فعل لسلوك الآخرين، وما يفتقر إليه من حب حقيقي لا يغوص في الأعماق، ويستجلي خباياها: “سأرحل / لأن بعضهم لم يتركوا لي متسعا لأبقى / هم أحبوا فقط ظلي / لا وجعي.” ص6، وهو حب لا يرتبط بالجوهر والأصل، بل يكتفي بالظل، ولا يدرك حجم الألم وعمقه، مع تحديد هوية الرحيل قبل الانخراط فيه بصمت: “الرحيل حالة وجودية / خطى تتباعد / شيء مني ينكمش / قبل أن أرحل في صمت” ص6.
وموضوع الغربة في تقاطعه مع الهجرة، حيث يتضاعف الإحساس بين ابتعاد عن الوطن، وما يطفح به من صعوبات تَمَوْقُع واندماج داخل خارطة موطن جديد تسوده نظرة رفض وتهميش وتضييق: “ليس كل غريب موضع ترحيب… / يُرَاقَب في المترو، / يُسْأل في الطابور، / وتُرْفض وثائقه / بصمت بيروقراطي بارد / الغربة فعلا تشبه الرفض.” ص145، وتحديد ماهيتها القائمة على نظرة تفتقر لأي حس اجتماعي أو إنساني، تستحضر فيها اللهجة، واللون، والجنسية: “كل ما فيك يُخْتبَر / لهجتك، / لونك، / جنسيتك…” ص156، بل حتى الحلم يغدو ترفا لا يسمح به: “الغربة طريق طويل، / يعلمك أن الحلم رفاهية…” ص156، والحزن أيضا يستلزم اختيار سبل إظهاره، وتصريفه تفاديا لأي فهم خاطئ قد تنجم عنه عواقب وتداعيات غير محمودة: “وحتى حزنك يساء فهمه…” ص156.
فتتعدد طرق مقاربة موضوع الغربة، ابتداء من تحديد مفهومها: “الغربة لا تصنع غرباء / بل تعري / ما هو غريب فينا.” ص16، لأنها تجربة تفضح وتكشف سلوكات ذات مرجعية مكتسبة يستعصي التخلص من رواسبها، واستبدالها بتغيير الرؤية للمجتمع الجديد، وما يستدعيه من فطنة في التصرف، واستيعاب وتمثل طبيعة العلاقات داخل بيئة مختلفة ومغايرة تستنكر وتستغرب، بل وترفض أي سلوك لا يتماشى ومنظومة الحياة فيها. وما يعانيه الغريب من افتقاد لأجواء أَلِفها داخل وطنه ليعيش معزولا في غرفة تفتقر لدفء الحياة، وشرارة مشاعر تتفتق عن رغبات شوق تستشرف آفاقا تختزل محطات حلم وأمل ما يفتأ ينمو ويشمخ: “هنا / لا يجد الغريب لا رائحة التربة / ولا ظلال الوطن / فقط غرفة مؤقتة للسكن.” ص58، فتنزوي كل الأماني والتطلعات التي راكمها في ركن يخيم عليه الغم والسكون داخل حيز ضيق ومحدود، وهو ما يؤكده في قوله: “أنا حاضر / دون مكان للدفء.” ص59، فيرسم، شعريا، مواصفات غربة المهاجر، وكيف يُنْظَر إليه: “مجهول في المرايا / لاجئ في القوانين / غريب في أحداق المارين.” ص60، لتتضاعف تداعيات الغربة عبر مختلف الأشكال والمظاهر فيبقى المصير معلقا على حبال الانتطار: “أنا الغريب في المنفى أنتظر المصير… / أنا فقط من تركت ورائي الحنين / حدائق زهور وياسمين.” ص77، فتمعن صور الحنين، لوطن غادره، في التفتح والإزهار داخل تجاويف ذاكرته، وألياف فؤاده. ورغم ما خلفته الغربة من آثار عميقة في نفسه وعقله وقلبه لكنها لم تفلح في طمس عشقه الراسخ لأرضه ووطنه الذي تغلغل في ثنايا ذاكرته ووجدانه وغدا عصيا على الاجتثاث والاستئصال: “الغربة / أكلتك / قسمت ضلوعك / جزأت دماغك / حنطت قلبك / بعثرت أحلامك… / لكنها لم تستطع / أن تقتل حبك / لأرضك / أن تغير روحك / ذاكرتك / ولا إنسانيتك…” ص116.
موضوعات تتوالى، بشكل مطرد، كموضوع البحث، والذي حُدِّد في اقتفاء أثر المعنى بدل المكان، والسعي إلى استشراف آفاقه، وخوض غمار امتداداته، لينتقل للبحث عن الذات داخل مجتمع تتعدد خلفيات رؤيته وتتنوع مما يستوجب الاستعداد والتأهب لمجابهة كل أساليب الاختراق، والتطاول التي لا تراعي الأعراف الاجتماعية، والنفسية، والإنسانية للآخر: “لم أعد أبحث عن خارطة، صرت أبحث عن ذاتي.” ص10.
وموضوع المنفى الذي ورد في العديد من مقاطع الديوان ابتداء من أولها: “المنفى سيعلمني كيف أكون / بلا ضجيج / كيف أنجو بالصمت.” ص9، ودوره، أي المنفى، في تشكيل كينونته وهويته المتمثلة في اختيار الصمت كملاذ ينأى به عن أي جلبة أو ضوضاء تمس ذاته، أو تسيء إليها، ورغم ذلك فهو لا ينفي شخصيته أو يلغيها ولكن يسعى لإعادة بنائها، وإن بوتيرة أبطأ حتى تغدو أكثر صمودا وثباتا في عالم يعج بالصدف، والمفاجآت، فهذا المنفى يعجز كذلك في فك ارتباطه بحب وطنه الذي يغمر قلبه، ويشيع في رحاب نفسه مثل ما عبر عن ذلك: “للمرة العاشرة / أستيقظ في المنفى / والوطن لا يزال نائما في قلبي.” ص84، ومزجه بالغربة في تقاطع وتماه: “وكل خطوة في المنفى / كانت صدى لنداء لم يُجب. / ظننت أن الغربة صمت، / لكنها كانت صراخا لا يُسْمَع، وتمزقا لا يُرى.” ص120، في إحساس مرير بالغربة تتسع دائرته، وتتنامى تداعياته داخل محيط المنفى الذي تظل الأسئلة فيه معلقة، والأحلام مؤجلة، فيتجاوز المنفى حدود المكان إلى إحساس ذي عبء ثقيل ينوء بحمله وتحمل أوزاره: “منفاي ليس مكان فقط / بل شعور دائم بأنك عبء.” ص158، ويتولد المنفى عن منفى في إهاب حياة محدودة تتفاقم آثارها المربكة، ويتضخم وقعها المدجج بألوان الألم والضنى.
لينتقل إلى موضوع الهجرة وطريقها، وما يتعرض له المهاجر من تجاهل لهويته بكل مكوناتها: “أتيت من خلف البحار / إلى أرض أصبحت تجهل اسمي / أحلامي / لغتي…” ص81، وتقاسمه نفس الهموم والمعاناة مع مهاجر جزائري عبّر هو الآخر عما يميز حياة المهجر من خصوصيات؛ حياة رغم ما توفره من حقوق، فهي لا تخلو من قساوة تتجسد في طريقة التعامل، وطبيعة الجو: “للمرة الثانية / ألتقي بنفس المهاجر الجزائري الذي يردد / ـ هنا لا خوف ولا قهر ولا موت / لكن هنا برد أقسى من الرصاص. / الحياة هنا ليست وردية / حتى لو تكلمت كل اللغات الأجنبية / والحياة دائما أجواءها شتوية.” ص114. وما يعيشه المهاجرون من ظروف مزرية، في طرق معاملة لا تخلو من جفاء، واحتقار، ومقت قد يصل إلى التصفية الجسدية، ونوع الأعمال التي توكل إليهم والتي تكون أحيانا منفرة ومقرفة: “هكذا رأيت المهاجرين / يموتون في أزقة باريز المعشوقة / يسقطون جثة هامدة / أمام أبواب البورديل / رأيتهم يكنسون أقذار أمستردام / بروكسل وكل شوارع فرنسا… / بأم عيني رأيتهم كالعبيد في المعامل… / أنني رأيتهم يحترقون شوقا / يتمزقون في كل لحظة / في بيت أصغر من الزنزانة… / وبوجوه شاحبة / وعيون مغرورقة بالدموع…” ص118.
ثم عرج على تصوير مأساة الشعب الفلسطيني بالوقوف عند مجزرة صبرا وشاتيلا، وما عرفته من تقتيل، وتنكيل أرعن بالنساء، والأطفال، والشيوخ…: “صبرا صارت قفصا / شتيلا صارت قفصا… / وصارت الأغاني رصاصا / بعد الذبح.” ص90، فما يتغنى به أهالي فلسطين تحول إلى مآسي. صور الموت التي تكررت في بيروت أيضا: “في بيروت الإنسان مات بلا وداع…” ص95، في تقاطع مع موقف العرب الموسوم بالخيانة والخذلان: “لكنهم قتلوا / لا على يد عدو / بل على يد أنفسنا / نحرنا المعنى / ورقصنا على جثتهم باسم العروبة.” ص97، وهو تواطؤ مكشوف لما يحمله من تقاعس وصمت، وتَقَبّل للهزيمة وتطبيع وتعايش معها: “نحمل هزيمتنا على أكتافنا كالأكفان.” ص96، وتغاضي العالم عما يقترفه الصهاينة من ظلم وتنكيل في حق شعب استبيحت أرضه، وسُلبت حقوقه في العيش حرا مستقلا: “بل لأن العالم قرر / أن يغض الطرف عن الأطفال…” ص108، عالم يركن لحياد جائر، وتواطؤ مكشوف خصوصا في قضية إرهاب ممنهج لا يتورع في الفتك بأمهات يحملن أطفالهن الرُّضع: “لم يرحموا أما تركض برضيعها… / وأطلقوا النار على رحمها / فمات الجنين قبل أن يولد / وماتت معه / صلاة للرحمة.” ص110، بل لم يتورعوا عن الإجهاز على الأجنة داخل رحم الأمهات الحوامل، ودون تمييز كذلك بين شيخ ومعاق: “شيخ كان يتكئ على ظله / قالوا إنه جاسوس / قبل أن يكسروا عكازه / ويسحبوا جثته الباردة / بين ضحكات الجنود… / رجل معوق لم يكن يملك قدما ليهرب / ولا يدا ليحمل حتى حجارة… / قبل أن يركلوه حتى اختنق…” ص111.
نفس الوضع المأساوي يطال بلدا عربيا آخر هو العراق؛ حيث يُقتل الأطفال عن طريق القصف الجائر دون أي اعتبار، أو رادع أخلاقي أو إنساني: “بغداد تبكي، ولا أحد يسمع / فالطائرات أعلى من مستوى الرحمة / سقط الأطفال / وسقط العالم معهم.” ص357، فتتعدد صور الموت، وتتنوع مظاهره التي تبعث مشاعر الألم والوجع في النفوس والقلوب: “تحت كل شجرة شهيد / وتحت كل غيمة صرخة / كيف لا تمطر السماء دما / بعد كل هذا الوجع؟” ص368، فارتفع عدد الشهداء في صفوف الأطفال إلى نصف مليون: “نصف مليون طفل كان حلما / فجعلتموه عددا في تقارير باردة.” ص373، لتغدو بغداد مدينة منكوبة استوطنها الموت الذي حصد أرواح بريئة لأطفال في عمر الزهور: “بغداد مدينة بلا طفولة / نهشها الموت حتى الجذور” ص374، مأساة تعجز القصائد عن تصوير كل فصولها وتفاصيلها، في تحولها إلى حرب هوجاء، وآلة إبادة عمياء لا تبقي ولا تذر: “أكثر من مليونين عراقي / كلمة لا تتسع لها القصائد / كيف لحرب واحدة / أن تبتلع شعبا كاملا؟” ص387، فصور العدوان الغاشم على فلسطين والعراق يكشف ما تعيشه الوحدة العربية من هشاشة وتشرذم يُعمّق جراح نكساتها، ويضعف كل إمكانياتها، ومقدرات تكتلها وتضامنها أمام تزايد أطماع الخصوم في النيل من وحدتها، واختراق كل قلاعها وحصونها، واستباحة أراضيها، والتنكيل بشعوبها.
ولم تغفل النصوص الجانب الاجتماعي في تصويرها بعض مظاهر المطالبة بالحقوق من توفير وسائل العيش الضرورية من خبز: “الجو صيفي / والإضراب من أجل الرغيف / هو ميزان الحرارة في هذا اليوم الثاني / بالبيضاء” ص45، بمدينة عمالية من قيمة وحجم الدار البيضاء، وما يحمله العطش، وكوخ القصدير من دلالات ترمز لضنك العيش، ومظاهر العوز والحاجة: “الأزقة تتكلم بلغة العطش / تغني بصوت أكواخ القصدير…” ص46، فتبرز صور القمع، وأشكال الردع في تجنيد رجال الأمن والجنود بدباباتهم وأسلحتهم الثقيلة منها، وفرض حظر التجول: “رجال الأمن عسكر ودبابات / وحظر التجوال لا زال مستمرا في الشوارع” ص47، بانخراط فئات مختلفة في الحركة الاحتجاجية؛ من شباب ومتقاعدين الذين ووجهوا بإطلاق الرصاص، وقنابل الغاز المسيل للدموع مما أسفر عن حرائق وقتلى في صفوف المحتجين، ورجال الأمن، والجنود، ورجال الإطفاء، وهو ما أفرزته أحداث الدار البيضاء سنة 1981.
وتطرقت النصوص كذلك إلى الشعور بالحنين للوطن، وحضن الأم بعيدا عن أجواء الغربة، وما يتولد عنها من اغتراب، وافتقار لدفء البلاد، وحرارة أجوائها التي تنضح بمشاعر غبطة وعشق يسري في النفوس، ويشيع في الحنايا والضلوع: “كي أعود إلى حضن أمي / إلى ربوعي / أن أبتعد عن الغربة… / ما كنت أهوى الفراق…” ص83.
ومن المواضيع الأخرى التي انضافت إلى متن الديوان موضوع الحب الذي تماهى والحرية التي تستوطن قرارة القلوب، وتربض في أليافها: “الحب لا يشبه الحرية / بل هو الحرية / التي تسكن قلبا.” ص292، والإبداع، وما يزخر به من قيمة فنية تخوله مضاهاة وسائل المقاومة وأسلحتها في الكفاح والنضال، وليس ترفا زائدا: “لأن الإبداع / فعل مقاومة، / لا رفاهية.” ص309، وتقاطعه مع عنصر الخلق والابتكار: “وها أنا. أخلق الآن من المنفى / فضاء للإبداع / باللون وبالكلمات…” ص312، فيصبح المنفى مسرحا وأداة للإبداع رسما وشعرا.
واللجوء إلى الكتابة كخيار لحماية الذات من التصدع، والانزلاق نحو دركات التهميش والإقصاء: “أكتب كي لا أتآكل / في صمت التهميش.” ص251، باعتبارها، أي الكتابة، ابتلاء وقدر تقاوم جائحات الاندثار والتلاشي، وتضيء عتمات الالتباس، وحلكة غياهبه بنور الكلمات وإشعاعها، في تناوب مع الرسم الذي يحل بديلا لاستعصاء الكلمات: “حين أفقد القدرة على التعبير، / أرسم.” ص276، بل يزاوج بين الشعر والرسم حين تلفه حالات الضيق والقنوط: “كلما اختنقت / فتحت نافذة على اللوحة / أو القصيدة…” ص281، وتماهيا مع الكتابة يحضر الفن في نوع الرسم والتشكيل لتصريف ما يستشعره من معاناة بشكل أنسب، وأعمق، وأصدق: “حين لا أستطيع أن أشرح ألمي، / أرسمه.” ص283، فتغدو اللوحة تجسيدا أرحب لمشاعر ضيق وكرب يجيش بها الصدر والوجدان.
وفي عودة لتحديد قيمة الكتابة التي لا تنحصر في إطارها الأدبي بل تتعداه كوسيلة للصمود في قلب العواصف والأنواء عبر الكلمة والاستعارة: “الكتابة / ليست فعلا أدبيا، / بل خيمة في العاصفة / وكل كلمة هي مأوى، / وكل استعارة / هي مفتاح.” ص314، وما يرمز له المفتاح الذي شبهت به الاستعارة من أداة للفتح، والانفتاح على عوالم غنية ولا محدودة، واعتبار الفن منبع صدق ووثوقية: “الفن مرآتي التي لا تكذب…” ص335، والشعر رمزا تعبيريا راقيا، لا تشوب صفاءه ونقاءه أي شائبة، أو درن. كما أن هناك انزياحا على مستوى الأسلوب في بعض العبارات والتعابير كما في قوله: “أطل من داخلي / ولا أحد يراني…” ص233، وهو استعمال غير شائع، ومألوف؛ يطل منه الشخص على ذاته من ذاته! وأيضا قوله: “لست ضد لغتهم / لكنني فقدتني فيها” ص272، فبدل “فقدت نفسي فيها” استخدم “فقدتني”، وهو تعبير مختلف ومغاير.
ولا يمكننا إلا أن نقر بأننا حاولنا الإحاطة بأهم عناصر الديوان الجمالية والإيقاعية، وموضوعاته التي تميزت بالغزارة والتوالد مما يصعب معه تحديد أنواعها، وأبعادها بشكل شامل ومستفيض، مع تأكيدنا لما يميزها من تقاطع وتماه يمنحها تداخلا وتواشجا في المعاني والدلالات يستعصي فك خيوطها، واستشراف آفاقها المترامية، وامتداداتها المتعددة.”
* من منبع النهر (ديـوان شعري) نصر الدين بوشقيف ــ سلسلة جذمور القصيدة ـ باريز 2025.
