وصية نوبير الأموي ودعم المحجوب بن الصديق: أسرار من مذكرات وزير التشغيل الأسبق

وصية نوبير الأموي ودعم المحجوب بن الصديق: أسرار من مذكرات وزير التشغيل الأسبق

في كواليس الحوار الاجتماعي.. حينما تلتقي أجيال النضال وبناء الدولة

تكتسي المذكرات السياسية أهمية بالغة في قراءة تاريخ الدول، فهي لا توثق القرارات الرسمية فحسب، بل تكشف عن كواليسها المحاطة بالدفء الإنساني والتوافقات الكبرى التي تُصنع بعيداً عن الأضواء. وفي هذا السياق، تأتي مذكرات الأستاذ جمال أغماني، وزير التشغيل والتكوين المهني الأسبق، المعنونة بـ “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس“، لتقدم لنا شهادة حية من موقع المسؤولية والوفاء التاريخي.

في هذه المقتطفات، يفتح لنا الكاتب نافذة على مرحلة دقيقة من تاريخ الحوار الاجتماعي في المغرب، مستحضراً لقاءين استثنائيين عقدهما في بداية مساره الحكومي في نونبر 2007 و2008. لقاءات لم تكن مجرد اجتماعات بروتوكولية، بل كانت امتداداً لروابط نضالية قديمة، وجمعت بين أجيال الشبيبة والعمل النقابي الأصيل.

تأخذنا المحطة الأولى إلى بيت الراحل المحجوب بن الصديق، مؤسس والزعيم التاريخي للاتحاد المغربي للشغل، حيث تتداخل تفاصيل الحركة النقابية منذ الاستقلال مع أزمة النخب الحالية، وينكشف فيها النقاب عن خلفيات الموقف المغربي من الاتفاقيات الدولية (خاصة الاتفاقية رقم 87).

وتنتقل بنا المحطة الثانية إلى بلدة “ثلاثاء الأولاد” بنواحي بن أحمد، في ضيافة الراحل محمد نوبير الأموي، مؤسس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث يمتزج كرم الضيافة بالوصايا الوطنية الصارمة، والنقاش الجريء حول ملفات شائكة كإصلاح الضمان الاجتماعي واختلالات التعاضديات.

بين عبارة بن الصديق الأبوية: “هذا ولدنا.. وجب أن نساعده وندعمه”، ووصية الأموي الحازمة: “العمل بجدية في المسؤولية…”، نكتشف في هذا النص كيف نجح جمال أغماني في تحويل الحوار الاجتماعي من مواجهة جافة بين الحكومة والنقابات، إلى مساحة للإنصات المتبادل وبناء التوافقات الوطنية، مستنداً إلى شرعيته النضالية السابقة في صفوف الشبيبة الاتحادية .

نترككم مع هذه الصفحات المشوقة من ذاكرة مغربية تنبض بالسياسة، والوطنية، والمروءة

مصالحة الماضي وبناء المستقبل: صفحات من الذاكرة النقابية المغربية

اللقاء مع المرحوم المحجوب بن الصديق

     كان الموعد الأول مع المرحوم المحجوب بن الصديق ببيته بالدار البيضاء بعد ظهر يوم 7 نونبر 2007، وصاحبني خلاله الصديق خالد المصلوحي الذي كان سيلتحق للعمل بالديوان. اللقاء دام عدة ساعات بحضور أعضاء من الأمانة العامة للاتحاد المغربي للشغل ممثلة بكل من السيد الميلودي موخاريق والسيد فاروق شاهير والسيد محمد بهنيس.

خلال هذا اللقاء استرجع معي المرحوم السي المجوب، تاريخ الحركة النقابية في عدد من تفاصيلها منذ الاستقلال. واعتبر الاجتماع بمنزله لحظة تربط مسار الأجيال، حيث احتضن هذا البيت، عدد لا يحصى من الاجتماعات مع عدد من الزعماء الوطنيين أمثال علال الفاسي والمهدي بنبركة وعبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد اليازغي …، مضيفا أن المغرب اليوم يعرف أزمة هوية وأزمة نخب سياسية و فكرية، وأن الأجيال الشابة اليوم مطالبة للمصالحة مع ماضيها وعدم التنكر لهويتها الوطنية الأصيلة ولقيم الشموخ والمروءة… متوقفا عند دور الطبقة العاملة خلال مراحل الكفاح الوطني للمطالبة بالاستقلال، وانخراطها فيما بعد في مرحلة البناء الوطني… كما أسهب في الحديث عن الاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية، وخاصة الاتفاقية رقم 87 والتي لم يصادق عليها المغرب، والتي تثير حرجا لنقابته وللمغرب اليوم، رغم أن التشريع المغربي وقبل صدور مدونة الشغل، تشريع يضمن الحرية النقابية. موضحا أن تحفظنا آنذاك، كان حول المبدأ الذي يخول قيادة الأجانب للتنظيمات النقابية باشتراط مبدأ الجنسية في ظهير 16 يوليوز 1957 بشأن تأسيس المنظمات النقابية، وكان يهدف أساسا إلى عدم إتاحة الفرصة للعناصر الأجنبية المستخدمة آنذاك في قطاع المناجم بالمنطقة الشرقية للتحكم في العمل النقابي، وأن جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله، كان يدرك خلفيات ذلك، أما الآن فيمكن إزالة هذا التحفظ، خاصة وأنه أصبح جد مستبعد بل مستحيل قيادة العمل النقابي من طرف الأجانب.

لاحظت خلال اللقاء وتبادل أطراف الحديث مع المرحوم المحجوب بن الصديق، سعادته وترحيبه بالزيارة، وفي نهاية اللقاء قام بالتوجه لأعضاء الأمانة العامة الحاضرين، بالقول ما مفاده “هذا ولدنا من أيام الشبيبة العاملة وجب أن نساعده وندعمه”، طالبا مني الرجوع له في أي وقت إذا ما اعترضني أي مشكل مع منظمته“.

من جانبي اطلعت المرحوم المحجوب، على قناعتي بتطوير الحوار الاجتماعي، وعلى مقاربتي لتحسين الدخل من خلال تقوية منافع الضمان الاجتماعي ووضع نظام للتعويض عن فقدان الشغل، وطرحت معه فكرة اصدار قانون للنقابات لتعزيز الحريات النقابية، يفتح المجال للتصديق على الاتفاقية رقم 87.216.  

اللقاء مع المرحوم محمد نوبير الأموي

     زرت المرحوم محمد نوبير الأموي ببيته بثلاثاء الأولاد نواحي بن أحمد مساء يوم 8 نونبر 2008، حيث حظيت باستقبال حار من طرفه بمعية الصديق حسن نجمي الذي رافقني في الزيارة، حيث أقام على شرفنا عشاء دسم كعادة الفقيد.

استمر اللقاء ساعات مطولة إلى صباح اليوم الموالي، استحضر فيها المرحوم الأموي العديد من قضايا الساعة آنذاك، على الصعيد السياسي والنقابي، وكانت وصيته التي كررها لي عدة مرات في تلك الليلة ب “العمل بجدية في المسؤولية التي قلدني بها جلالة الملك”. مؤكدا “أنه على الدولة والمجتمع والمنظمات الحقيقية، إنجاح التحدي المطروح على المغرب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ودعم توجهات الإصلاح التي أعلنها جلالة الملك“.

وفيما يتعلق بالحوار الاجتماعي توقف عند المكتسيات والثغرات منذ اتفاق فاتح غشت 1996، مؤكدا ما مفاده “أن المطلوب اليوم أن نقوم بوقفة جماعية تقييمية لفتح أوراش جديدة لحماية المشروع المجتمعي الجديد، الذي يضمن الكرامة للمواطنين كل المواطنين“.

من جانبي أثرت مع السي محمد رحمة الله عليه، أن اهتمامي سيتجه للبحث على تحسين الدخل من خلال التركيز على تحسين منافع الضمان الاجتماعي ومواصلة إصلاحه، وطرحت عليه تصوري لوضع نظام للتعويض عن فقدان الشغل، ووضع قانون للعمل النقابي بما يعزز الحريات النقابية، كما توقفت معه مطولا على موضوع الاختلالات التي تعاني منها التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، حيث سلمته نسخة من نتائج الإفتحاص الذي عرفته هذه التعاضدية، الذي يبرز الخروقات التي وقع فيها رئيسها، الذي كان محسوبا على الكونفدرالية. حيث قال لي المرحوم، أنه كان دوما متحفظا وينبه مناضلي الكونفدرالية بالابتعاد عن هذا المجال، إلى يوم قرروا الترشيح لقيادة هذه التعاضدية، وجاؤوا لاستشارته وكان من بينهم الصديق مصطفى شطاطبي مصحوبا بعدد من الكونفدراليين.

مر اللقاء مع المرحوم الأموي، في أجواء جد أخوية، يسرها أن معرفتي بالمرحوم السي محمد ترجع لعدة سنوات وتعززت أيام كنت مسؤولا في الشبيبة الاتحادية، وسبق أن جمعتني به عدة لقاءات وجلسات. بل ذات سنة كنت سألتحق بإدارة المكتب التنفيذي للكونفدرالية بالدار البيضاء، باقتراح وإلحاح من المرحوم السي محمد خلال جلسة جمعتني به مع الصديق محمد الساسي بالرباط.

كما اتفقت معه، أن يبقى بابي مفتوحا له، وبدوره أكد على أهمية هذه الزيارة وأنه يتعين الحفاظ على مثل هذه اللقاءات، متمنيا لي التوفيق في مهمتي.

* “مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس”، منشورات التوحيدي، الرباط، 2026

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!