من صافرة “الكاف” إلى غيبوبة المونديال
عبد الرحمان الغندور
ها قد حلت “البركة” القارية أخيراً، وانتهت فصول الملحمة الكروية في ردهات المحاكم والمكاتب المكيفة، لتبدأ معها فصول ملهاة شعبية كبرى، يبدو أنها فُصّلت بعناية على مقاس ذاكرة السمك التي نتمتع بها.
الآن، وبمباركة من “الكاف”، سقطت الكأس في حضننا، وسقطت معها – يا للمصادفة – كل الهموم التي كانت تنهش نهاراتنا. فجأة، صار بإمكان المواطن الذي كان يرتجف أمام شاشة محطة الوقود، ويتحسس جيبه المثقوب عند بائع الخضر، أن ينام ملء جفونه، ليس لأن ثمن المحروقات انخفض أو لأن “غول” الغلاء قد روّض، بل لأن الكرة دخلت المرمى الإداري، ولأننا انتصرنا على “الأعداء” الوهميين في معركة تسييرية مصيرية.
إنه السحر الكروي الذي يحول الفساد إلى مجرد وجهة نظر، والنهب الممنهج إلى تفاصيل تافهة لا تستحق أن تعكر صفو “الاحتفاء العظيم”. سنمضي الآن أيامنا وليالينا في تحليل زوايا التسلل القانوني الذي منحنا الكأس، وسننشغل بتبادل التهاني الحارة بعودة “الابن الضال” إلى خزينة المملكة، بينما تستمر الخدمات الاجتماعية في غيبوبتها، وتواصل فواتير الماء والكهرباء تسلق الجبال في صمت مهيب. لن يهمّنا بعد اليوم أن ثمن “اللتر الواحد” قد يشتري وجبة كاملة في بلد آخر، فالمهم أن “الروح الوطنية” قد انتعشت بقطعة معدنية مستديرة، وأننا أثبتنا للعالم – أو هكذا نتوهم- أننا ملوك القارة في “التدبير” و”التأثير“.
هذه الملهاة الجديدة ليست مجرد احتفال عابر، بل هي “خطة استراتيجية” لملء الفراغ الذهني الممتد حتى صافرة البداية في ملاعب أمريكا وكندا والمكسيك. سنقتات على هذا النصر الصغير لننسى هزائمنا الكبيرة أمام مرارة الواقع، وسنتفنّن في صناعة خصوم افتراضيين ننتصر عليهم في منصات التواصل الاجتماعي، هرباً من مواجهة الخصم الحقيقي الذي يسرق لقمة العيش ويزور إرادة الإصلاح. وهكذا، تدور الرحى وتستمر “التخديرة” القارية مفعولها، ليبقى المواطن معلقاً بين حلم المونديال القادم وواقع “القفة” الفارغة، في انتظار نصر كروي آخر ينسيه، للمرة الألف، أن حياته خارج الملعب ليست أكثر من تسلل واضح لم يعلن عنه الحكم بعد.
