أبو العزم.. سيرة نضال بدأت في السرية وانتهت في محراب اللغة
عبد الرحيم التوراني
ببالغ الأسى والفخر بمسار استثنائي نودع اليوم القامة الأكاديمية والنضالية السامقة، الدكتور عبد الغني أبو العزم (مواليد 12 أبريل 1941)، الذي لم يكن مجرد لغوي فذ، بل كان مثقفا عضويا جسّر الهوة بين صرامة البحث العلمي وعنفوان الالتزام المبدئي.
يرحل المناضل الصلب الذي خبر دروب العمل السري ضمن منظمة 23 مارس الماركسية اللينينية، وصاغ مع رفاقه بيان الغضب في مغرب سنوات الرصاص.. قاده التزامه اليومي إلى تجرع مرارة المنفى، حيث حوّل منافيه الباريسية وغيرها إلى مختبرات فكرية ومنصات للنضال الحقوقي، قبل أن يواصل مساره السياسي ضمن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي عقب الحصول على المشروعية.
بدأت رحلته المعرفية من مراكش، تلميذا من بين أساتذته عبد السلام ياسين قبل تحول الأخير للدعوة، ثم كلية الآداب بفاس، لينطلق بعدها في أفق عالمي.. فحصل على الماجستير من جامعة السوربون في الفكر الإسلامي، ودكتوراه الدولة من جامعة الحسن الثاني في المعجميات. هذا التكوين الرصين مكنه من تولي مسؤولية وحدة البحث والتكوين في علوم اللغة العربية والمعجميات، ورئاسة مركز التواصل والبحث الثقافي والجمعية المغربية للدراسات المعجمية.
لم تكن روايتاه “الضريح” و”الضريح الآخر” مجرد استرجاع للماضي، بل كانت مكاشفة أدبية نال عنها جائزة المغرب للكتاب عام 1996. أرّخ فيهما لمعاناته الإنسانية والاعتقال والمنفى، بأسلوب يجمع بين شجن الروح وصرامة التوثيق، مبرهنا على موهبته في كتابة الرواية والقصة، كما في مجموعته “ظلال البيت القديم”.
خاض أبو العزم معركة تحديث اللغة من منطلق إيمانه بأن اللغة هي حصن السيادة الوطنية. برع في المعجميات وطرق المعالجة الآلية للغة العربية، مخلدا اسمه عبر درر المؤلفات:
“معجم الغني” و”المعجم العربي الحديث”، و”المنهج والنص”: مدخل للتحليل الإحصائي اللغوي للنصوص، و”المعجم اللغوي التاريخي”: آخر صرخة علمية له في منهجه ومصدره.
إسهاماته في الترجمة والتحقيق، مثل تحقيق “أعز ما يطلب” للمهدي بن تومرت، وترجمة “ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب”.
***
في الذاكرة الثقافية المغربية يظل اسم الراحل عبد الغني أبو العزم مرتبطا باللغة والمعاجم، لكن وجهه الآخر كمقاوم معرفي تجلى في مغامرة أكاديمية اتخذت طابع العمل السري في بداية الثمانينيات.. كانت تلك الحقبة تتسم بتمحيص رقابي شديد، خاصة تجاه المؤلفات التي تقارب بنية السلطة في المغرب، وفي مقدمتها دراسة الباحث الأمريكي جون واتربوري: “أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية”.
عندما قرر عبد الغني أبو العزم بالتعاون مع الباحثين عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، نقل هذا الكتاب العمدة إلى اللغة العربية، كانوا يدركون أن أسماءهم على الغلاف قد تعني تضييقا أمنيا لا هوادة فيه.. ولإخراج هذا العمل إلى الضوء دون الاصطدام المباشر مع أجهزة المخابرات المغربية آنذاك، حيكت خطة ذكية للتضليل.. تم اختيار “دار الوحدة” في بيروت (دار النشر التي اختفت لاحقا من الساحة) لتكون منطلق الصدور. وحذفت أسماء المترجمين المغاربة الحقيقيين، واستُبدلت بأسماء لبنانية على غلاف الطبعة الأولى.
كان الهدف إيهام الرقابة بأن الترجمة عمل خارجي بحت، كونه يشرح ميكانيزمات النخبة والولاءات في المغرب بجرأة لم يكن مسموحاً بها محلياً.
ظلت الهوية الحقيقية للمترجمين سرا مكتوما لسنوات، إلى أن حل العهد الجديد وانفتحت هوامش الحرية. عندها بادر عبد الغني أبو العزم بشجاعته المعهودة إلى تصحيح التاريخ، حيث أقدم على إعادة نشر طبعة مغربية للكتاب، واضعا عليها لأول مرة الأسماء الحقيقية: أبو العزم السبتي والفلق.
لم تكن تلك الخطوة مجرد استرداد لحق أدبي، بل كانت إعلانا عن انتصار المثقف العضوي الذي آمن بأن المعرفة سلطة، وأن تهريب الحقيقة في سنوات الرصاص كان يتطلب أحيانا استعارة أسماء الآخرين ليبقى صوت الحقيقة مغربيا بامتياز.
رحل الدكتور عبد الغني أبو العزم تاركا خلفه درسا بليغا في الاستمرارية.. كيف يظل المثقف وفيا لجذوره الماركسية الأولى، ومدافعا شرسا عن لغته العربية من داخل جمعية الدراسات المعجمية والجمعية المغربية لحماية اللغة العربية.
تميزت شخصية الفقيد رحمه الله بسجية طيبة مجبولة على محبة الآخرين، وامتلك ملكة بارزة في فنون التواصل وبناء الجسور.. كما عرف بصبره الجميل وجلده سواء كان ذلك في حيزه الخاص مع المقربين والأصدقاء، أو في حقله المهني مع الطلاب، أو في تفاعلاته اليومية مع سائر أفراد المجتمع.
نم قرير العين أيها الرفيق والعلاّمة، فقد تركت لنا “الغني” في اللغة، والأغنى في المواقف والذاكرة.
