الاتحاد الاشتراكي.. الجثة التي ترفض الدفن!
عبد الرحيم التوراني
لم يكن حوار علي بوعبيد الأخير مع موقع “صوت المغرب” مجرد دردشة سياسية عابرة في فنجان رمضان، بل جاء ليكون بمثابة صرخة مدوية من داخل القلعة التي تهاوت حصونها، وشهادة وفاة رسمية مختومة بمداد المرارة، وموقعة من قلب البيت الاتحادي الأصيل.
حين يخرج نجل الراحل عبد الرحيم بوعبيد، الوريث البيولوجي والفكري لرمزية الصمود، ليقول بالفم الملآن إن “الاتحاد الاشتراكي قد انتهى”، فهو لا يمارس ترفا فكريا أو جلدا مجانيا للذات، بل يضع المشرط بدقة جرّاح خبير على موضع العفن السياسي الذي تجاوز في استشرائه كل مراحل العلاج بالمسكنات التنظيمية أو المساحيق الترميمية.
القنبلة التي فجرها علي بوعبيد تكمن في تشخيصه الجريء لتحول الحزب من “قوة شعبية” تقود التغيير، إلى كيان إداري هجين، يسعى لخدمة المخزن طواعية وبحماس منقطع النظير…
هنا يكمن جوهر المأساة المغربية.. فالتاريخ السياسي للمغرب علمنا أن الأحزاب الإدارية كانت دائما تُطبخ في طناجر وزارة الداخلية بقرار فوقي وتدخل جراحي مباشر، أما أن يتحول حزب “القوات الشعبية” بملء إرادته، وبـ “نضالية” قيادته الحالية إلى مؤسسة تتسابق لتقديم خدماتها المجانية للسلطة، فهذا هو الانحدار الذي لا قاع له، وهو ما وصفناه سابقا في عدد من المقالات، آخرها مقال: “من خنادق الشهداء إلى كرش الزعيم”. (https://assoual.com/الاتحاد-الاشتراكي-من-خنادق-الشهداء-إل/).
لقد غابت عن الحزب اليوم “تلك الرائحة” التي كانت تميزه وتعطيه مشروعيته في الشارع.. رائحة الاستقلالية والارتباط العضوي بهموم الطبقات الكادحة والمثقفين العضويين.
الاتحاد اليوم ليس فقط حزبا فاقدا للبوصلة السياسية، بل هو حزب فاقد للمعنى الوجودي. أصبح مجرد آلة انتخابية باردة، وتكميلية كما وصفه علي بوعبيد، آلة حزبية لا تبحث عن التموقع في الخريطة كشريك في صياغة المستقبل، بل كموظف مطيع ينتظر الترقية من لدن الإدارة، أو نظرة رضا تجود بها الدوائر العليا.
تأكيد علي بوعبيد على غياب رائحة الحزب العتيد يتقاطع بشكل مذهل مع القراءات التي ترى أن القيادة الحالية بزعامة إدريس لشكر، قد نجحت في تنفيذ مهمة تاريخية لم يكن باستطاعة أعتى القوى المخزنية تحقيقها مهما سخرت من أعوان ومخبرين وجواسيس… وهي مهمة تطهير الحزب من جيناته الرفضية.
لقد تم تجريف التربة الاتحادية من كل بذور المشاكسة السياسية أو النقد الذاتي، وذاب الجميع في كرش ومصارين الزعيم، الذي استطاع تحويل المؤسسة الحزبية العريقة إلى ملكية خاصة أو ضيعة شخصية، تُدار بعقلية الولاءات الضيقة والترضيات الفردية، بعيدا كل البعد عن عقلية الكتلة التاريخية التي كانت تؤطر الفكر الاتحادي…
لقد أصبح الحزب مخزنيا أكثر من المخزن نفسه.. يستبسل في تبرير التراجعات الحقوقية، ويصمت صمت القبور أمام الأزمات الاجتماعية الخانقة، ويدافع عن سياسات نيوليبرالية يندى لها جبين أي يساري يحترم نفسه، فقط ليثبت نضجه السياسي بالمعنى السلطوي الذي يختصر النضج في الانبطاح…
إن السلوك السياسي للقيادة الحالية لا يخرج عن دائرة الخدمة الطوعية.. فكيف يمكن تفسير اعتراض إدريس لشكر على ملتمس الرقابة وإفشاله لصالح حكومة عزيز أخنوش؟
إنها الوظيفة ذاتها التي برع فيها حين ساهم بقوة في نسج عملية “البلوكاج” الشهيرة ضد عبد الإله بنكيران في 2016، مسقطا توليته تشكيل الحكومة فداء لأجندات لا علاقة لها بمصلحة الوطن.
لقد بات لشكر باسم الاتحاد المذبوح، جاهزا لأداء أحط الأعمال السياسية وأنذلها ضد مصالح الشعب والطبقات المسحوقة، ومع ذلك يخرج علينا اليوم بنكتة سخيفة يسميها “التناوب الثالث”، حاملا حلم رئاسة الحكومة القادمة… إنه حلم لا يقدر على إضحاك أحد بقدر ما يبكيه.. إنه ذاك النوع من “الضحك كالبكاء” الذي وصفه المتنبي، حين تصبح المأساة من الغرابة بحيث لا تقابل إلا بابتسامة مريرة.
***
لم يقف علي بوعبيد عند الشأن الحزبي الداخلي، بل مد مشطره ليشرح السياسة الخارجية، معتبرا أن “منطق التثليث” (الصحراء- أمريكا- إسرائيل) يُدار في غرف معزولة بعيدا عن أي نقاش ديمقراطي مجتمعي.. وهنا يبرز تخلي الأحزاب الوطنية عن دورها في تأطير النقاشات الاستراتيجية الكبرى، مكتفية بدور الكومبارس الذي يصفق للقرارات بعد صدورها، فاقدة للقدرة على المبادرة أو حتى المساءلة، مما حوّل الفضاء السياسي إلى صحراء قاحلة من الأفكار والبدائل.
إن هذا الواقع يستدعي بإلحاح محاكمة أخلاقية قاسية لنخب انحدرت من المقدس النضالي إلى المدنس الريعي…
فماذا لو استجاب القدر لعنوان رواية الطاهر وطار، وقرر الشهداء العودة هذا الأسبوع؟
***
ماذا لو قرر المهدي بنبركة وعمر بنجلون وشهداء انتفاضات الخبز.. زيارة مقر العرعار بحي الرياض في الرباط، أو التجول في أزقة الدار البيضاء وممراتها التي خضبتها دماؤهم ذات يوم؟
سيتساءل المهدي بنبركة:
– كيف تحول الحزب الذي أسسته ليقود الجماهير نحو الانعتاق إلى مصلحة إدارية تنتظر الضوء الأخضر؟…
سيصدم المهدي وهو يرى أن “الاختيار الثوري” قد تم استبداله بـ “الاختيار الإداري”، وأن “الكتلة التاريخية” قد تبخرت لصالح تكتلات المصالح الميكروسكوبية.
أما عمر بنجلون.. الذي استشهد دفاعا عن “وضوح الإيديولوجيا” وصلابة الموقف، فربما سيموت مرة أخرى كمدا وغيظا… سيرى الحزب الذي أراده أداة للتغيير الاجتماعي يُشرعن سحق الطبقة المتوسطة، ويصمت عن إبادة الأحلام الشعبية.. سيسألهم بتقزز عن “خندق الشهداء” الذي تحول إلى “كرش الزعيم” المنتفخة بالامتيازات، وسينظر بقرف إلى الشعارات التي تُرفع في صالونات مخملية لا علاقة لها بمعاناة العمال في المعامل ولا الفلاحين في القرى.
إن موقف الشهداء سيكون هو الرفض المطلق… الرفض لـ “منطق التثليث” العابر لإرادة الشعب، والرفض لتحويل الحزب إلى شركة عائلية خاصة تُورث فيها المقاعد والولاءات. سيشعرون بأن أسماءهم وصورهم المعلقة على الجدران ليست تخليدا لذكراهم، بل هي رهينة تُستخدم لشرعنة حاضر بئيس ومشبوه.
لو عاد الشهداء لكان أول قرار يتخذونه هو إدانة هذا الكيان الذي لم يعد يشبههم في شيء… لكانوا أول من يطالب بإنزال صورهم من المقرات التي تُطبخ فيها الصفقات الإدارية النجسة…
ببساطة شديدة.. لو عاد الشهداء، لخجل الورثة من النظر في وجوههم، ولأدركوا أن المسافة بين الشهادة والانتهازية هي أبعد مما يمكن لجسر المصالحة المزعوم أن يقطعه.
إن الاتحاد الاشتراكي اليوم ليس إلا جثة هامدة، جثة تتعفن وتملأ الفضاء بروائح فضائحها الصادمة، جثة بلا روح يحاول البعض إيهامنا بأنها لا تزال تتنفس، بينما الحقيقة هي أن الوردة قد ذبلت تماما في الأحضان المخزنية، ولم يبق منها إلا أشواك تدمي قلوب الشرفاء.
