لن ينجو أحد… حين يصبح الصمت شراكة في الاستهداف

لن ينجو أحد… حين يصبح الصمت شراكة في الاستهداف

عقيل وساف

           لم يعد من الممكن التعامل مع ما يجري في العراق والمنطقة بوصفه مجرد تصعيد أمني متقطع أو سلسلة من الحوادث التي يمكن احتواؤها ببيانات رسمية باردة ولغة دبلوماسية مستهلكة. نحن أمام طور جديد من الصراع، طور لم تعد فيه الجغرافيا وحدها هي ساحة المعركة، بل باتت الإرادة السياسية، والهوية العقائدية، والوعي الشعبي، والسيادة الوطنية، كلها أهدافًا مباشرة لنيران مشروع إقليمي ودولي مفتوح لا يتوقف عند حدود الاغتيال ولا ينتهي عند حدود الردع التقليدي. ما يجري اليوم هو حرب استنزاف مركبة، تُدار بالنار حينًا، وبالخوف حينًا، وبالتضليل حينًا، وبالصمت الرسمي في كثير من الأحيان.

استهداف قادة المقاومة في العراق لم يعد حدثًا استثنائيًا، بل تحول إلى نمط متكرر، يكاد يُراد له أن يصبح مألوفًا في الوعي العام، وكأن المطلوب من العراقيين أن يتعايشوا مع فكرة أن قياداتهم تُصاد وتُغتال وتُستهدف، ثم يُطلب منهم أن يبتلعوا الصدمة بصمت، أو يكتفوا ببيانات نعي مرتبكة لا تسمي القاتل، ولا تشير إلى المجرم، ولا تضع الجريمة في سياقها الحقيقي. وهنا تكمن الكارثة. لأن أخطر ما في الجريمة ليس فقط فعل الاغتيال، بل تحويلها إلى واقعة رمادية، منزوع عنها اسم الفاعل، منزوع عنها الغضب، منزوع عنها الموقف، وكأن الدم العراقي صار قابلاً للتدوير السياسي.

هذه الحالة من التردد ليست مجرد ضعف لغوي أو حسابات تكتيكية، بل هي خلل عميق في تعريف المعركة نفسها. حين يُستشهد القادة ولا يُسمى العدو، وحين تتحول الجريمة إلى خبر عابر، يصبح الصمت شريكًا موضوعيًا في الاستهداف، حتى لو لم يقصد ذلك. فالعدو لا يريد فقط أن يقتل، بل يريد أن يُقتل الضحية مرتين: مرة بالضربة، ومرة بمحو هوية القاتل من الخطاب العام. ولذلك فإن أخطر ما أصاب بعض البنى السياسية والإعلامية في هذا التوقيت هو التردد في إعلان الحقيقة بصوت واضح: هناك مشروع استهداف ممنهج، وهناك جهة معروفة تستفيد منه، وهناك من لا يزال يتعامل مع الدم بمنطق المراعاة السياسية بدل منطق المواجهة الوطنية.

وفي قلب هذا المشهد، تظهر العبارة الصادمة التي تختصر جوهر المرحلة: لن ينجو أحد. ليست هذه جملة انفعالية، ولا شعارًا تعبويًا عابرًا، بل توصيف صارم لمنطق المشروع المعادي. العدو لا يفرّق في النهاية بين من يقاومه ومن يصمت عنه، بين من يواجهه ومن يظن أن الحياد سيحميه، بين من يرفع السلاح ومن يختبئ خلف البيانات الباردة. التجربة أثبتت أن منطق الهيمنة لا يعترف بالمساحات الرمادية، وأن من يتوهم أنه يستطيع شراء الأمان بالصمت أو بالمجاملة أو بتخفيف اللهجة، إنما يؤجل لحظة الاستهداف ولا يلغيها. في منطق الحرب الجارية، الاستسلام ليس نجاة، بل تأجيل للهزيمة.

ما يحدث في العراق ليس معزولًا عن المسار الإقليمي الأوسع، بل هو جزء من خريطة اشتباك تتشكل منذ سنوات. العراق هنا ليس ساحة ثانوية، ولا مجرد ممر جغرافي، بل عقدة مركزية في مشروعين متصارعين: مشروع يريد تثبيت السيادة والردع ومنع ابتلاع المنطقة بالكامل، ومشروع آخر يريد تفكيك كل ما يُنتج المقاومة، بدءًا من القيادات، مرورًا بالبيئة الحاضنة، وانتهاءً بالبنية العقائدية والثقافية التي تجعل من الرفض خيارًا شعبيًا لا مجرد قرار عسكري. لذلك فإن الاغتيالات ليست تكتيكًا أمنيًا فقط، بل أداة لإعادة هندسة الوعي العام، ومحاولة لكسر المعنويات، ودفع الجمهور إلى الإحساس بأن لا جدوى من الصمود.

لكن ما يُغفل في كثير من القراءات هو أن هذه الحرب ليست حرب صواريخ فقط، بل حرب نفسية كاملة. ولهذا يكتسب البعد الروحي والعقائدي وزنه الحقيقي في لحظة كهذه. ليس عبثًا أن يُعاد التذكير بالصحيفة السجادية، ولا بدعاء الاستعاذة، ولا بمناجاة الشاكي، ولا بدعاء أبي حمزة الثمالي. هذه ليست مجرد استدعاءات وعظية أو روحية منفصلة عن الميدان، بل هي جزء من بنية الصمود نفسها. لأن من يفهم النفس، ويفهم كيف يُبنى الإنسان في لحظة الخوف، وكيف يُربى على الثبات في لحظة الانكسار، يدرك أن الحرب على الروح تسبق أحيانًا الحرب على الجسد. والعدو يعرف ذلك جيدًا. هو لا يكتفي بأن يضرب المواقع، بل يريد أن يضرب اليقين، ويُربك الوعي، ويزرع الشك، ويُشعر الناس أن الصمود عبء لا طاقة لهم به.

ولهذا فإن استحضار مدرسة الإمام زين العابدين في فهم النفس ليس خروجًا عن السياسة، بل دخول عميق إلى صلبها. لأن المعركة الكبرى تُحسم أحيانًا في داخل الإنسان قبل أن تُحسم على الأرض. وحين يُراد للناس أن ينهاروا نفسيًا قبل أن يُهزموا ميدانيًا، تصبح الأدعية، والوعي، والتربية، والذاكرة، كلها جزءًا من منظومة الردع. هذه هي النقطة التي تفشل فيها مشاريع الإخضاع عادة: هي تستطيع أن تُحدث خسائر، وأن تُوقع شهداء، وأن تُربك مؤقتًا، لكنها تفشل حين تصطدم ببيئة لا ترى الصدمة نهاية، بل بدايةً لاختبار جديد.

على المستوى الإقليمي، فإن المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو على الشاشات. الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لم يعودا يخوضان معركة محدودة، بل يحاولان فرض نموذج ردع شامل يعيد ترتيب المنطقة كلها. لكن ما يربك هذا المشروع هو أن الطرف المقابل لم يعد يتعامل بمنطق ردود الفعل التقليدية. إيران، مثلًا، لم تُظهر سلوكًا دفاعيًا مرتبكًا، بل ذهبت نحو توسيع الاشتباك وفق منطق قانوني وسياسي وعسكري محسوب، مستندة إلى قاعدة بالغة الأهمية في القانون الدولي، وهي المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تمنح الدولة المعتدى عليها حق الدفاع عن النفس، بل وتفتح الباب، في ظروف محددة، أمام الضربات الاستباقية حين يكون الخطر قائمًا ومباشرًا ومنطلقًا من قواعد معروفة.

وهنا تتغير قواعد اللعبة تمامًا. لأن أي قاعدة أمريكية تُستخدم كمنصة عدوان أو غرفة دعم لوجستي أو مركز قيادة للعمليات، تصبح، وفق هذا المنطق، هدفًا مشروعًا. وهذا ما يفسر الرعب الصامت في بعض عواصم المنطقة. فهذه العواصم التي استضافت القواعد الأجنبية لسنوات بوصفها ضمانة أمنية، بدأت تدرك أن القاعدة نفسها قد تتحول إلى عبء وجودي، وأن الحماية الموعودة قد تصبح سببًا مباشرًا في جرّها إلى قلب النار. ولهذا لم يعد الحديث عن مضيق هرمز، أو أمن الطاقة، أو سلاسل الإمداد، مجرد حديث اقتصادي، بل بات حديثًا عن هشاشة الكيانات التي بنت استقرارها على الوكالة الأمنية الغربية.

الأكثر دلالة في هذا السياق هو العجز الأمريكي عن تشكيل جبهة دولية صلبة بالسرعة التي كان يتوقعها. حين تتردد دول كبرى أو ترفض الانخراط، وحين تضطر واشنطن إلى طرق أبواب بعيدة بحثًا عن دعم، فهذا يعني أن الحرب لم تعد محسوبة كما أُريد لها أن تكون. الرعب من الكلفة، ومن اتساع الرد، ومن انكشاف المصالح الاقتصادية، ومن احتمالات الانزلاق إلى حرب أوسع، كل ذلك جعل الحلفاء أقل حماسة، وأكثر حذرًا، وأقل استعدادًا لدفع الفاتورة نيابة عن واشنطن وتل أبيب.

ولا يمكن فهم هذه اللحظة من دون العودة إلى سوريا. الحرب على سوريا لم تكن مجرد فصل سابق، بل كانت البوابة الأولى لهذا المسار كله. سوريا كانت عقدة الربط، وكانت الجسر، وكانت نقطة العبور التي لو سقطت لانهار جزء أساسي من توازن المنطقة. ولذلك فإن ما يجري اليوم ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لتلك الحرب، لكن بأدوات أكثر تعقيدًا وبتوقيت أكثر حساسية. من ظن أن إسقاط دمشق كان هدفًا داخليًا فقط، لم يفهم أن الجغرافيا السورية كانت وما تزال قلب الصراع على خطوط الإمداد، وعلى مستقبل محور كامل يمتد من طهران إلى بيروت.

وفي موازاة الحرب العسكرية، تتواصل الحرب الإعلامية بأقصى درجات الخداع. واحدة من أخطر أدوات هذه الحرب هي اللغة. حين يتكرر على الشاشات أن الصواريخ سقطت في مناطق مفتوحة، فغالبًا ما يكون المطلوب ليس نقل الحقيقة، بل دفنها. كثير من هذه المناطق المفتوحة ليست أراضي خالية كما يُراد للمشاهد أن يعتقد، بل مناطق عسكرية، قواعد، مطارات، منشآت حساسة، أو مواقع لا يسمح بالتصوير فيها أصلًا. وهكذا تتحول الجملة إلى شيفرة تضليل، هدفها امتصاص أثر الضربة، وتبريد الصدمة، وإبقاء الرأي العام داخل وهم السيطرة.

هذه ليست ملاحظة إعلامية هامشية، بل عنصر أساسي في الحرب النفسية. لأن الطرف الذي يتعرض للضرب يريد أن يبدو متماسكًا، ويريد أن يُخفي حجم الخسارة، ويريد أن يمنع خصمه من تحقيق أثر الردع المعنوي. ولهذا فإن الرقابة العسكرية، خصوصًا داخل الكيان، لا تسمح بكشف الكثير من الحقائق. وما يُحجب عن الشاشات أحيانًا أخطر بكثير مما يُعلن في العناوين العاجلة.

أما الرهان على ضرب الرأس، أو خلق فراغ قيادي، أو تصوير استشهاد القادة على أنه نهاية المشروع، فهو رهان ساذج تكرر كثيرًا وفشل كثيرًا. من لا يفهم طبيعة هذه البيئات، يظن أن القائد هو كل شيء، وأن غيابه يعني الانهيار. لكن الحقيقة أن هذه المدارس بُنيت أصلًا على فكرة الامتداد، لا على فكرة الفرد المعزول. نعم، القادة مهمون، ورحيلهم خسارة موجعة، لكن المشروع لا يتوقف عند شخص، ولا ينتهي باغتيال، ولا يُطوى باستشهاد. هذا وعي متجذر، وهذا تاريخ طويل، وهذه بيئات تربّت على أن الدم لا يُنهي الفكرة، بل يمدها بطاقة جديدة.

ولهذا فإن استحضار معادلة كربلاء، أو القول إن من أراد إنهاء هذا الخط كان يمكنه أن يفعل ذلك منذ قرون لو كان القتل وحده يكفي، ليس مجرد خطاب وجداني، بل قراءة في طبيعة الصراع. لو كان الاغتيال يكسر هذه البيئات، لكانت انكسرت منذ زمن بعيد. لكنها لا تُدار بمنطق الرعب الفردي، بل بمنطق الذاكرة الجمعية، والعقيدة، والرمزية، والاستعداد الدائم لتحويل الفاجعة إلى قوة تعبئة جديدة.

ومن هنا تكتسب التحذيرات من حدث مفبرك كبير خطورتها. الحديث عن إمكانية صناعة صدمة ضخمة، شبيهة بما استخدم تاريخيًا لتبرير حروب كبرى، ليس ضربًا من الخيال، بل قراءة لتاريخ طويل من الذرائع المصنوعة. حين يفشل الضغط المباشر، وحين تتعقد الحسابات، يصبح افتعال الحدث نفسه خيارًا واردًا. حدث كبير، ضخم، صادم، يُنسب فورًا إلى إيران أو إلى قوى المقاومة، ثم يُستخدم كغطاء أخلاقي وإعلامي وعسكري لفتح جولة أشد ضراوة. هذا الاحتمال وحده كافٍ لأن يفرض على الجميع أعلى درجات اليقظة، ليس فقط من العدو الظاهر، بل من شبكات الاختراق والعملاء والواجهات الناعمة التي تمهد للكارثة من الداخل.

في العراق تحديدًا، لا يعود السؤال: هل نحن في قلب المعركة؟ بل: لماذا لا يزال بعضنا يتصرف وكأن المعركة على الأبواب فقط؟ الحقيقة أن الأبواب كُسرت منذ زمن، وأن النار دخلت فعليًا، وأن من يظن أن الصمت الرسمي أو الحياد الخطابي سيُبقيه خارج دائرة الاستهداف، إنما يقرأ المرحلة بعين الماضي لا بعين الحاضر. العراق يُختبر اليوم في سيادته، وفي قدرته على تعريف عدوه، وفي شجاعة خطابه، وفي صدقية مؤسساته، وفي تماسك بيئته الشعبية.

وإذا كانت بعض القوى لا تزال تراهن على أن ضبط النبرة أو تخفيف اللغة أو تجنب المواجهة الكلامية سيمنحها هامش أمان، فإن الوقائع الميدانية تنسف هذا الوهم. العدو لا يقرأ الصمت بوصفه حكمة، بل يقرأه بوصفه قابلية للتمدد. ولا يرى التردد اتزانًا، بل يراه فراغًا. وكل فراغ في زمن الحرب يُملأ، إما بسيادة أصحاب الأرض، أو بأقدام من يريدون احتلال القرار قبل الأرض.

إن المرحلة القادمة ليست مرحلة توازن هش، بل مرحلة فرز قاسٍ. ستسقط فيها أوهام كثيرة: وهم الحياد، وهم الاستنكار اللفظي، وهم أن الخارج سيحمي من يقدّم له التنازلات، ووهم أن الدم يمكن أن يُنسى إذا خُففت اللهجة. ما يجري اليوم يثبت أن المعركة لم تعد تحتمل اللغة الرمادية، وأن من لا يملك شجاعة تسمية العدو، لن يملك شجاعة ردعه حين تتسع النار.

الخلاصة التي تفرض نفسها بلا مواربة هي أن المنطقة دخلت فعلًا زمن الاستهداف المفتوح. زمن لا تُمنح فيه السيادة على طبق دبلوماسي، ولا يُشترى فيه الأمان بالمجاملات، ولا تُحمى فيه الشعوب ببيانات الاستنكار المتكررة. ومن لا يريد أن يصدق هذه الحقيقة الآن، سيكتشف لاحقًا أن العبارة التي بدت للبعض قاسية كانت في حقيقتها أكثر العبارات دقة في توصيف المرحلة: في مشروع الهيمنة هذا، لن ينجو أحد… إلا من امتلك وضوح الموقف، وجرأة المواجهة، وصلابة الثبات.

شارك هذا الموضوع

عقيل وساف

كاتب وإعلامي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!