محورية السؤال وأبعاده المختلفة في رواية “ظل الطريق”

محورية السؤال وأبعاده المختلفة في رواية “ظل الطريق”

عبد النبي بزاز

        في رواية “ظل الطريق” للأديب والروائي الأردني يوسف أبو جيش، تهيمن بنية السؤال في امتداداتها على فصول الرواية التي تنتهي، في غالبها، بأسئلة مفتوحة على آفاق متعددة ومتنوعة. فمنذ البداية تواجهنا أسئلة مثل: “أحياناً يرغب في أن يسأل أحدهم: أين أجد نفسي؟” (ص 13)، في تجسيد للبحث عن موقع لذات تبحث عن نفسها وعن الحرية في عالم يحاصره، ويرغب في التموقع داخل وضع يقيه آفة الضياع والزوغان: “هل سيجد حريته في هذا العالم الذي يُفرض عليه؟ وهل يمكن أن يعيد اكتشاف نفسه في هذا الركن الذي يشعر فيه بالضياع أكثر من الانتماء؟” (ص 17).

هي أسئلة تتقاطع وتتعالق مع الغربة: “هل يمكن للغربة أن تفقد قسوتها إذا حاولنا التعايش معها؟ أم أنها ستظل جرحاً مفتوحاً مهما طال الزمن؟” (ص 14). كيف يمكن الحد من قساوة الغربة؟ وهل ذلك ممكن بفعل التكيف مع محيطها وتحمل تبعاتها؟ يبقى السؤال مفتوحاً على ما تسببه من آلام ومعاناة. وهل القراءة قمينة بإعادة تشييد وإرساء ما نسفته الغربة؟: “هل يمكن للكلمات أن تعيد بناء ما هدمته الغربة؟” (ص 22).

تتواصل الأسئلة في مختلف تجلياتها وتمظهراتها على المستوى العقدي الديني وارتباطاً بالإيمان، حين يسأل التلميذ أستاذ التربية الإسلامية: “ولكن يا أستاذ، كيف يكون الإيمان صادقاً إن لم يكن مشوباً بالأسئلة؟” (ص 96). وتطال الحرية، والهوية، والانتماء: “ومع كل تفاعل، شعر بتلك الوحدة التي تلازمه، كأن الآخرين لا يفهمون عمق الأسئلة التي يحاول أن يطرحها؛ أسئلة عن الدين، عن الحرية، عن الهوية” (ص 140).

لتطال الأسئلة مفاهيم وموضوعات متشعبة ومتداخلة من غربة وقلق: “هل يمكن للإنسان أن يجد الطمأنينة في غربة تحمل معها القلق والأسئلة المفتوحة؟ أم أن الطمأنينة الحقيقية تُبنى في أعماق الروح، رغم العواصف الخارجية؟” (ص 156)، عبر أسئلة تفاضل بين الانخراط في صلب الغربة، أو الغوص في أعماق الروح بحثاً عن استقرار نفسي يصمد أمام كل مؤثرات المحيط الخارجي. هذه الأسئلة التي تخص المستقبل، والأمل، والحلم: “هل نحتاج فعلاً أن ننكسر ويُعاد تشكيلنا كي نصبح أقدر على مواجهة المستقبل؟ أم أن الأمل يُبنى من بقايا الحلم الذي لم يكتمل؟” (ص 237).

وفي تحديد كيفية مجابهة المستقبل، والتمسك بخيوط أمل نابع من حلم قيد التشكل، يغوص السارد في الدواخل التي تغدو مصدر قلق وتشويش: “كيف يمكن للإنسان أن يجد نفسه إذا كانت الضوضاء تأتي من داخله؟” (ص 246)، وما يستشعره من غربة صادرة عن إحساس روحي عصي على المقاومة، ليقر بحتمية السؤال الذي يراود كل الناس دون العثور على جواب مقنع وشاف يبدد كل الهواجس والتوجسات: “كل منا يحمل في داخله سؤالاً لا يجد له إجابة، وكل منا يسير في طريق يظن أنه يقوده إلى الأمان، بينما في الواقع نحن فقط نحاول أن نختبئ من خوف يلاحقنا” (ص 246).

ونظراً لامتدادات السؤال في فصول الرواية بمختلف أشكاله وتمظهراته، فقد اقتصرنا على بعض الأمثلة، لننتقل إلى موضوعات أخرى ارتبطت بالسارد مثل “المكتبة”، وما طبعت به وجدانه من أحاسيس وذهنه من أفكار وخواطر، وهو ما تمثل في أول فصل موسوم بـ “وداع المكتبة”: “يدرك أن فقدان مكتبته أشبه بفقدان المرآة التي كان يحدق فيها ليكتشف ذاته؛ في تلك المكتبة وجد عالماً خاصاً، جسراً يربطه بذاته. وعندما أغلق باب الغرفة على تلك الكتب قبل رحيله، شعر وكأنه يغلق باباً على جزء من قلبه…” (ص 9).

وإلى جانب ما تربطه بها من صلات فكرية ووشائج وجدانية، فهي تختزل تجارب وأحلاماً ظلت راسخة في فكره ومشاعره: “شعر أن المكتبة لم تكن مجرد رفوف مليئة بالكتب، بل كانت مثل غرفة سرية تحفظ تاريخاً مكتوباً بيده، تجارب عاشها، وأحلاماً تلمسها من خلال قراءاته” (ص 9). هو عشق يتقاطع مع ميولاته الوجدانية والفكرية لعالم الكتب: “في كل مرة، كان يجد نفسه متوقفاً أمام رفوف الكتب المتآكلة، وكأنها تناديه بشيء غامض… يجول بين الكتب بحثاً عن ذاته، عن خيط يكشف له ما ظل غامضاً في عقله” (ص 103).

في محطات وأماكن مختلفة يحركه هذا الإحساس الخفي بالمكتبة وعالم الكتب، ولا يفوت أي فرصة للاتصال بها والإبحار في عالمها مستحضراً العديد من الذكريات التي تختزنها الذاكرة: “في بسطات الكتب المتناثرة على جوانب الطريق، خاصة بسطة أبو السعيد، كانت الكتب ترقد على الأغطية البلاستيكية وكأنها تقاوم الزمن والمطر معاً. عناوينها القديمة المتهالكة كانت تروي قصص أجيال مرت من هنا، تبحث عن إجابات بين صفحات مضمخة برائحة الورق الرطب” (ص 173).

لينتقل بعد ذلك إلى “مكتبة الطليعة”: “بعد جولته المعتادة بين البسطات، توجه نحو مكتبة الطليعة، التي رغم قلة كتبها وعناوينها، كانت تشكل حاضنة في قاع المدينة لكل من يسعى وراء الثقافة والمعرفة” (ص 173). فالمكتبة كنز لا يمكن التفريط فيه أو التخلي عنه، يصاحبه ويحمله أينما حل وارتحل: “حمل تلك الكتب ككنز من الذكريات وانتقل إلى شقة صغيرة في الجبل…” (ص 216).

وعلاقة بحبه للمكتبة وما تزخر به من حمولات فكرية وحسية، يبرز موضوع “الكتابة” كبديل يبعده عن صخب المدينة وضوضائها بما يوفره من طقوس خاصة يستقيها من حقل الحروف والكلمات والمعاني: “ربما لم تمنحه المدينة مكاناً ينتمي إليه، لكن الكتب قد تفعل. ربما بالعودة إلى الكتابة، يستطيع أن يخلق عالماً خاصاً به، بعيداً عن الأبراج والرطوبة، عالماً ينبض بالكلمات التي يعرفها جيداً” (ص 22). حيث يعتبر حضورها ملاذاً لانتماء افتقده داخل أجواء مدينة أفقدته هويته: “في عزلته الأخيرة، أدرك أن الكتابة لم تعد مجرد هواية أو مشروع مؤجل، بل أصبحت طوق نجاته الوحيد. هي ليست مجرد كلمات تُنسج على الورق، بل معركة أزلية بين الروح والعالم، صراع مستمر بين ذات تبحث عن المعنى وحياة تمطرها بالأسئلة” (ص 117).

وتأكيداً للعلاقة الجدلية والتكاملية بين القراءة والكتابة، لم يفته التذكير بقيمتها: “القراءة كانت هي المفتاح الذي أعاده لذاته” (ص 119). دون إغفال ما يشوب عملية الكتابة أحياناً من تمنع واستعصاء: “حاول الكتابة، لكنه وجد الفشل رفيقاً في رحلته” (ص 224)، مع اختلاف الحالات والسياقات كما هو الحال أثناء كتابة رسالة إلى ابنه كنعان: “أخرج ورقة وقلماً وبدأ يكتب؛ الكلمات تتسرب ببطء وسط الصقيع، تبحث عن مخرج. الرسالة إلى كنعان بدأت تتشكل تلقائياً، تحمل شيئاً من روحه المتناثرة” (ص 228).

كما أنه لا بد من الإشارة إلى علاقة السارد بعائلته ووضعه داخلها؛ فهو يتوسط إخوته الذكور الستة، مع مدى تأثير غياب الأخت: “وُجد بين سبعة إخوة ذكور يتوسطهم، لا يحمل عبء البكر، ولا يتمتع برعاية الأصغر… ظل غياب الأخت يتبعه كظل لا يفارقه… الأخت لم تكن بالنسبة له مجرد فرد غائب، بل كالنور الذي يبدد ظلال الوحدة…” (ص 37). حلم وجود البنت داخل الأسرة حُرِم منه السارد لأنه لم يرزق بها في حياته الزوجية، وإن كان أطفاله رسموا ورسّخوا مكانة ثابتة في حياته عجزت قوة الظروف عن هزها: “ثم تذكر أطفاله النائمين في الغرفة المجاورة، وتذكر وجوههم البريئة… ربما كان عليه أن يبقى من أجلهم، أن يصنع لهم عالماً يستطيعون فيه أن يكونوا آمنين، حتى لو كان ذلك يعني أن يترك بعضاً من أحلامه ورغباته جانباً” (ص 246).

وهي رغبة والتزام تتقاسمه معه زوجته: “أما زوجته، فأصبحت ترى في سعادة الأطفال ما يبرر البقاء بالنسبة لها…” (ص 194)؛ أي البقاء في بلاد المهجر. كما جمعته علاقة متنوعة بالعديد من الأماكن، سواء في بلدته مثل السوق والحي الذي يقطنه، أو مدن بلدان أخرى كدمشق وبغداد.. وما عاش فيها من أحداث ظلت راسخة في نفسه ومخيلته؛ مثل سقوط بغداد وما خلفه ذلك في قلبه من جرح غائر: “بغداد سقطت؛ الكلمات لم تكن مجرد خبر، بل كانت كخنجر يغوص في القلب…” (ص 186).

وعبر الذكريات التي تخطر بباله عن مدينته القديمة: “استيفاء ذكريات الأيام الماضية حين كان يقود سيارته البسيطة عبر شوارع مدينتهم السابقة…” (ص 57)، وهو حنين لبلدته القديمة لا يستطيع التخلص منه: “يتوق لتلك اللحظات العفوية في بلده القديم…” (ص 12). ثم يخوض في وصف حياته في المدينة الجديدة التي حل بها: “الحياة التي يحياها هنا رتيبة، باردة، مجردة من الروح” (ص 18)، مقارنة مع الحياة في مدينته القديمة وما يغمرها من دفء: “تذكر مدينته القديمة حيث لكل زاوية نكهة مختلفة، ولكل شارع قصة” (ص 19). وما يطوق مدينة الإقامة الجديدة من نظام استهلاكي محكوم بإلزامات صارمة تفتقد لروح الحرية: “كلاهما أدرك أن حياتهم أصبحت جزءاً من نظام استهلاكي يحول البشر إلى أرقام، مستهلكين يتبعون أوامر غير مرئية تتعاقب فيها الإعلانات والمنتجات دون نهاية” (ص 57).

ومن الأمكنة التي ورد ذكرها في الرواية “البحر” الذي كان يتردد عليه متأملاً ومستوحياً: “البحر بالنسبة له يحمل تناقضات عديدة؛ أحياناً يبدو كأنه يمد له يده، يعده بالحرية، ثم في لحظة تالية يسحبها بعيداً… جلس في أكثر من مناسبة على الشاطئ، يشاهد الأمواج تضرب الساحل بانتظام، ولكن دون تغيير حقيقي، تكرر نفسها بلا هدف، كأنها تمثل حياته هنا. رائحة البحر تملأ أنفه، ومعها شيء من المرارة، كأنها تعلن عن الفقد الذي يسكنه…” (ص 13). وهو ما تكرر في مواقف عدة حيث يجد فيه متنفساً لما يسكنه من ضيق: “يظهر البحر في الأفق كملجأ وحيد، يتحول من جحيم النهار إلى فسحة من الأمل…” (ص 15)، كفضاء يخفف عنه ضغط المدينة: “شعر كأن كل شيء بدأ يتلاشى في حضرة البحر، كأنه يجد في هذا الامتداد الأزرق مساحة للهروب المؤقت من قسوة المدينة” (ص 65).

كما يستحضر الجانب الديني في سياق وضعه العائلي، متسائلاً: لو كانت للنبي يوسف أخت، هل كانت ستتواطأ مع إخوته أم تعارضهم؟: “حين يتذكر قصة يوسف، كان دائماً يتساءل في صمت: لو أن يوسف له أخت، هل كانت ستقف أمام جبروت إخوته حين ألقوه في الجب؟” (ص 29). بالإضافة إلى أسئلة أخرى عن ماهية الدين: “أين يكمن الدين الحقيقي؟ من يمثله؟ كيف يمكن للجميع أن يتحدثوا عن الله بطرق متناقضة ومع ذلك يعيشون في عداء دائم؟… لماذا يبدو الدين دائماً معركة بين الحلال والحرام؟… هل الله في هذه الأسئلة؟ هل يمكن لإيمانه أن يظل قائماً بينما تتأرجح أفكاره بين الشك واليقين؟” (ص 46).

وتتضمن الرواية كذلك موضوع الطلاق: “كذلك كان الزواج؛ استمر ثمانية أشهر فقط… بعد الطلاق، بدأ يشعر بشيء مختلف…” (ص 212). ثم زواجه الآخر من فتاة تقاسم معها عشق الأدب: “وجودها بجانبه أضاء له طريقاً ظل مظلماً لسنوات، ومنحه القدرة على مواجهة وجعه دون أن يشعر أنه يواجهه وحيداً. هل يبقى هذا الهدوء الذي وحدهما معاً هو الخاتمة التي طالما بحثا عنها؟ أم أن ذكريات الماضي ستظل تلاحقهما كلما اقتربا من فرصة جديدة؟” (ص 262).

وموضوع الهجرة الذي طالما أرقه: “عادت فكرة الهجرة إلى الغرب لتطارده كلما شعر بالضيق؛ تحمل في طياتها وعداً بالاستقرار من جهة، ومكاناً يكفل لك حرية التعبير وقدسية الكلمة، وبين فقدان الهوية من جهة أخرى…” (ص 238). فهي لا تمثل بديلاً ما دامت تفرض الفرار: “نظر إلى الأفق المظلم وهو يتمتم: الهجرة ليست حلاً… يعرف أن البقاء يعني المواجهة، وأنه من أجل أن يحافظ على ما تبقى من ذاته عليه أن يواجه هذه الحياة بكل صعوباتها دون أن يلجأ للهروب. يريد أن يجد طريقه للبقاء… أن يكون حاضراً لأبنائه، أن يبني لهم مكاناً يمكنهم أن يشعروا فيه بأنهم إليه ينتمون” (ص 241).

وفي سياق العلاقات، تظهر علاقة الراوي بجائحة “كورونا”: “العزلة التي فرضتها الجائحة جاءت مختلفة؛ ليست تلك العزلة التي نختارها، بل عزلة قسرية، حيث تتحكم التكنولوجيا في كل تفاصيل حياتهم. التكنولوجيا التي يُفترض أن تكون وسيلة للبقاء على اتصال، تحولت إلى سجن ناعم يغلق عليهم أبوابه الرقمية، يراقب تحركاتهم ويحدها” (ص 111). وهو ما يقود إلى طرح أسئلة حول تغيير نمط الحياة: “ينظر إلى الشارع ويتساءل في داخله: هل ستنتهي هذه العزلة بانتهاء الجائحة؟ أم أن العالم قد تغير إلى الأبد؟” (ص 112). وبالرغم من سهولة التكنولوجيا، إلا أنها سلبته مزاياه الإنسانية: “لكن رغم كل هذه السهولة، شعر بثقل غامض في روحه؛ التكنولوجيا التي سهلت حياته كانت تسرق منه لحظات تنبض بعمق إنساني” (ص 114). وطرح موضوع الهوية داخل ثنايا الرواية: “هل أنا أردني؟ أم فلسطيني؟ أو أردني من أصل فلسطيني يعيش في الشتات؟” (ص 37).

ختاماً، إن خيوط رواية “ظل الطريق” متعددة ومتشابكة من خلال علاقاتها وإيقاع تداخلها، مما يصعّب مهمة الإمساك بها وفرز مكوناتها. ونأمل من خلال ما قدمناه في هذه العجالة أن نكون قاربنا بعض مقوماتها السردية التي تتمحور حول “السؤال” الذي أرسى أسس الحكي وآفاقه، مما أكسبه حضوراً بارزاً في نسيج متنها الروائي.

___________________

المصدر: يوسف أبو جيش، ظل الطريق (رواية)، دار فضاءات للنشر، عمان، طبعة ثانية، 2026.

شارك هذا الموضوع

عبد النبي البزاز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!