سؤال الترجمة بالمغرب: وساطة معرفية أم مجرد أداة لغوية؟
شامة اليعقوبي
باتت المعرفة اليوم أمام تحديات جديدة في زمن التحولات المعرفية والتكنولوجية، مما يجعل الحاجة ملحة إلى امتلاك أدوات الوساطة بين اللغات والثقافات. وقد كانت الترجمة دائما جسرا سحريا لبناء شبكات التواصل بين العقول واللغات والثقافات. لذلك، يُعدّ الكتاب الصادر عن الهيئة الأكاديمية العليا للترجمة بأكاديمية المملكة المغربية، بعنوان “تعليم الترجمة وتعلّمها في المغرب: بين الاستراتيجيات المعرفية والمؤسسية والسياسات التربوية”، من إنجاز وتأليف عبد الفتاح الحجمري وسعيد الحنصالي وعبد الحق منصف، عملا مهما وضروريا؛ لأنه يقدم قراءة متأنية لواقع الترجمة في المغرب وقضاياها، متجاوزا القراءة التقنية المتسرعة أو المقاربة البيداغوجية الفضفاضة، نحو تقرير تركيبي موضوعي يطمح إلى الإحاطة بملف الترجمة في المغرب من زواياه المختلفة، رابطا بين المعرفي والمؤسسي والتربوي، وبين التاريخي والراهن والاستشرافي.
وتتجلى أهمية هذا العمل في ما بذله مؤلفوه من رصد وتمحيص وتركيب للأسئلة، ووصلٍ للقضايا بعضها ببعض، وبناء رؤية واسعة تجعل الترجمة موضوعا وطنيا يتجاوز حدود التخصص الأكاديمي. وينطلق هذا التصور من اعتبار الترجمة أكثر من مجرد أداة لنقل المعنى من لغة إلى أخرى؛ إذ هي ممارسة ثقافية، ووساطة معرفية، وآلية من آليات إنتاج الانفتاح، وشرط من شروط الولوج إلى العلوم، وتداول الأفكار، وبناء الكفايات.
من هذه الزاوية، يكتسب الكتاب راهنيته وقيمته. فالمغرب، مثل كثير من المجتمعات التي تعيش تعددا لغويا وثقافيا، يجد نفسه اليوم أمام أسئلة جديدة: كيف ندرّس اللغات؟ كيف نربط التكوين بالحاجات المعرفية والتنموية؟ كيف نهيئ المدرسة والجامعة لتخريج كفاءات قادرة على التعامل مع عالم متعدد اللغات والوسائط؟ وأين تقع الترجمة داخل هذا كله؟
يضع الكتاب هذه الأسئلة في الواجهة، عبر مقاربة تحاول قراءة تعليم الترجمة ضمن سياقات أوسع تشمل السياسة اللغوية، وإصلاح التعليم، والتحولات التي فرضها مجتمع المعرفة والعالم الرقمي. واللافت في هذا التقرير أيضا أنه يعيد الاعتبار إلى الترجمة بوصفها قضية حضارية مرتبطة بصعود الحضارات، وانتقال المعارف، واتساع دوائر الحوار بين الشعوب. فحين تزدهر الترجمة، يزدهر معها التعليم والبحث والانفتاح الثقافي؛ وحين تضعف، ينكمش أفق المجتمع وتضيق سبل تفاعله مع العالم. ومن هنا تأتي قوة هذا الكتاب: إنه يعيد وضع الترجمة في مكانها الطبيعي، أي في صميم مشروع بناء الإنسان القادر على الفهم والتأويل والمواكبة والإبداع.
ويمكن حصر بعض نقط القوة التي يعكسها هذا الكتاب، إضافة إلى كونه أول تقرير تركيبي دقيق عن وضعية تعليم الترجمة وتعلّمها بالمغرب، اعتمادا على معطيات دقيقة وتحليل محايث، في ما يلي:
- تفكيك شبكة من القضايا المتداخلة، والربط بين تعليم الترجمة والسياسة اللغوية داخل المنظومة التعليمية، مع استحضار التعدد اللغوي في المجتمع المغربي، ومكانة العربية والأمازيغية واللغات الأجنبية، والتوازنات الدقيقة التي تحكم المدرسة والجامعة وسوق الشغل.
- اعتبار الترجمة بعدا تنمويا واضحا، والتعامل معها باعتبارها جزءا من تأهيل الرأسمال البشري، وعنصرا رئيسا من البنيات التحتية غير المرئية لأي مشروع تحديثي جاد.
- الانفتاح على أفق استشرافي في ضوء التحولات الراهنة، والدعوة إلى إعادة التفكير في موقع الترجمة داخل السياسات العمومية الخاصة بالتربية والثقافة والبحث العلمي.
لقد نجح كتاب “تعليم الترجمة وتعلّمها في المغرب: بين الاستراتيجيات المعرفية والمؤسسية والسياسات التربوية” في تحويل الترجمة إلى سؤال يخص المجتمع بكل مؤسساته، لأنه يتحدث عنها بوصفها أفقا من آفاق بناء المعرفة، وصناعة الانفتاح، وتطوير المدرسة، وتوسيع قدرة المغرب على المشاركة الواعية في عالم سريع التحول.
