فصل الكلام مابين القول والفعل عند بعض الأنام (3-5)

فصل الكلام مابين القول والفعل عند بعض الأنام (3-5)

المختار العنقا الإدريسي

حين ينفلت العقل من عَهْدِ القول وعِقَاله … تأمل في صدق المعنى وأقنعة السلوك.

              عتبة مدخلية

       إذا كان القناع يُخفي التناقض، والتبرير يعيد صياغته، فان المرحلة الأكثر دقّة وخطورة تبدأ حين لا يعود هذا التناقض موضوع اخفاء أو تبرير، بل يتحول – تدريجيا – إلى نمط مألوف في العيش، والى مهارة ضمنية يتقنها الانسان دون شعور منه بثقلها. وهنا لا يعود في حاجة إلى تبرير كل انزياح بين القول والفعل، لأنه يكون قد استبطن هذا الانفصال، وتعلم العيش معه بوصفه جزءا من “حسن التدبير” لا من خلل يستوجب الانتباه … التجاوز … التصحيح. وبين التبرير والتكيف، يحدث التحول الأعمق: من محاولة الالتفاف على التناقض لتفسيره… إلى التدرب على معايشته والتعايش معه. وهنا تتوالد الأسئلة وتصبح أكثر عمقا:

  *  متى يتحول التكيف من ضرورة مرحلية الى تنازل دائم؟

  *  متى يكف الإنسان عن مقاومة التناقض ليبدأ في التعايش معه؟

  *  متى ينتقل العقل من الدفاع  إلى التطبيع؟

  * متى يتحول ذاك الاستثناء إلى قاعدة؟

من هذه العتبة المدخلية نلج فضاء آخر، حيث لا يعود الأمر متعلقا بما نقول أو بما نُبرّر، بل بما نصبح عليه، حين نعتاد  على إخفاء التناقض ونمارسه باعتباره أمرا عاديا.

                   النافذة الثالثة

من التبرير إلى التكيف الاجتماعي … حين يُكافَأ التناقض ويتحول إلى أسلوب عيش

      حين يتجاوز الإنسان مرحلة إخفاء التناقض وتبريره، يدخل في  – صمت تدريجي – مرحلة أكثر التباسا، تعرف بمرحلة التكيف معه. فلا يعود الانفصال بين القول والفعل مصدر قلق حاد، بل يتحول إلى ممارسة مألوفة، وإلى مهارة ضمنية تتيح لصاحبها أن “يُحسن التدبير” في واقع لا يكافئ الصدق بقدر ما يكافئ المرونة. فلا ينظر إلى التناقض باعتباره حلا أخلاقيا، بل كاستجابة واقعية لبيئة مرَّكبة حيث يٌطلب منه أن يقول ما ينبغي أن يقال، وأن يفعل ما يجب أن يفعل، حتى وإن لم يلتق الاثنان. وهكذا تتشكل ذات مزدوجة تتقن العيش بين مستويين: أولهما الخطاب وثانيهما الممارسة. الشيء الذي نلمس بعض أبعاده في تحليلات عبد الله العروي، الذي يشير إلى أن الفرد، في سياقات تاريخية واجتماعية معينة، يجد نفسه موزعا بين منظومة قيم يتبناها، ومنظومة واقع يرضخ لشروطها. وفي هذه المسافة لا يتم حلُّ التناقض، بل يعاد تدبيره حتى يغدو جزءا من العقل العملي. [ نساير الواقع أكثر مما نغيّره، ونكيّف أفكارنا حتى لا نصطدم به ] . غير أن هذا التكيّف وإن بدا في ظاهره نوعا من الحكمة يحمل في عمقه خطرا صامتا: خطر التدرب على التنازل. فكل مرة يُقدّم الانسان انسجامه الداخلي قربانا لضرورات الخارج، يفقد معها جزءا من صلابته الأخلاقية، حتى دون أن يشعر. ومن هنا تتقاطع هذه الفكرة مع ما كان قد نبه إليه محمد عابد الجابري عندما دعا إلى ضرورة التمييز بين “العقل المُبَرِّر” و”العقل النقدي”. فالعقل الذي يكتفي بالتكيف دون مساءلة، يتحول إلى أداة انتاج الواقع لا إلى قوة لتغييره.

[ العقل الذي لا ينقد يعيد انتاج ماهو قائم]

فلا يعود الإنسان في صراع مع التناقض، بل يدخل في نوع من التواطؤ غير المعلن معه فيصبح عنده كل ما كان يثير القلق في البداية، أمرا عاديا ومبررا ضمنيا، مادام الجميع يفعل ذلك. ومن هنا يبرز البعد الثقافي والاجتماعي لذاك التكيف، حيث تتكون بيئة تُطَبِّع مع الانفصال بين القول والفعل، وتمنحه غطاء جماعيا. فلا يعود الفرد يشعر بثقله، لأن الجماعة نفسها أعادت تعريف المقبول. وقد عبر  عبد الكبير الخطيبي في سياق حديثه عن الازدواجية والتعددية في الهوية، عن  التوتر بين مانُعلنه وما نُخْفيه، معتبرا أن الإنسان قد يعيش في تعددية لا تكون دائما مصدر غنى، بل قد تتحول إلى تشظي اذا لم تُؤطر بوعي نقدي، ويقول: [ نحمل أكثر من وجه، لكن الخطر أن نفقد الوجه الذي يشبهنا وبالتالي فان أخطر ما في التكيف غير الواعي، هو أن لا يشعر الانسان بخسارته. فهو ينجح ظاهريا في تدبير واقعه، لكنه يفشل تدريجيا في الحفاظ على وحدته الداخلية. ومع الوقت يتعود الابتعاد عن أسئلة من قبيل:

        *  هل أنا منسجم؟

        * هل أنا قادر على الاستمرار؟

فيتحول التناقض من حالة عابرة إلى بنية مستقرة، ومن سؤال أخلاقي إلى مهارة اجتماعية. لكن أليس في هذا  “النجاح الظاهري” نوع من الخسارة العميقة؟ وأليس التكيف، حين يفقد حدوده شكلا ناعما من أشكال التخلي عن الذات؟

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!