الخروج من العباءة الروسية: من أوكرانيا إلى أرمينيا
د. زياد منصور
يقال إن الأوكرانيين هم الذين لم يعودوا يرغبون في العيش إلى جانب روسيا ومع الروس، وإنهم أرادوا القطيعة النهائية مع الماضي السوفييتي، ولذلك اختاروا الاندماج مع أوروبا. وكأن دخول الفضاء الأوروبي كان كفيلاً بأن يجعل أوكرانيا تعيش تلقائياً مثل ألمانيا أو فرنسا.
ويذهب بعضهم إلى لوم روسيا، مدّعين أنها منعت أوكرانيا من التوجه نحو أوروبا، رغم أن الأخيرة كانت، بحسب رأيهم، تنتظرها هناك حياة مزدهرة ومستوى معيشي مرتفع ونجاح اقتصادي كبير.
للوهلة الأولى يبدو هذا الطرح منطقياً. فأوروبا تتمتع بالفعل بمستويات معيشية مرتفعة، ومدن جميلة، وأجور جيدة، ونظم اجتماعية متطورة. ومن الطبيعي أن يرغب أي شعب في العيش بمثل هذه الظروف.
غير أن هناك مشكلة واحدة: لا يمكن لأي دولة أن تتحول ببساطة إلى ألمانيا أو سويسرا. فلو كان الأمر بهذه السهولة، لكانت بلغاريا ورومانيا قد لحقتا منذ زمن طويل بأغنى دول أوروبا بعد سنوات عضويتهما في الاتحاد الأوروبي. إلا أنهما ما زالتا كما هما- بلغاريا ورومانيا -بكل ما لهما من خصوصيات ومشكلات.
وما لم يرغب كثيرون في فهمه هو أن المصلحة الاقتصادية تكمن غالباً في عدم حرق الجسور، بل في الاستفادة من جميع الفرص المتاحة، سواء من خلال التعاون مع أوروبا أو مع روسيا ودول الفضاء السوفييتي السابق.
لماذا كانت أوكرانيا أقوى مع روسيا؟
السبب بسيط. فقد كانت روسيا وأوكرانيا لعقود طويلة جزءاً من دولة واحدة، وخلال تلك الفترة تشكلت بينهما بنية تحتية موحدة، وشبكات لوجستية مشتركة، وسلاسل إنتاج مترابطة، وأسواق موحدة، ومعايير تقنية متقاربة، وروابط عمالية وثيقة.
وكانت العديد من المؤسسات الأوكرانية تعمل ضمن هذا الإطار الاقتصادي المشترك، بما في ذلك صناعات الطيران والمحركات والمعادن والآلات والقطاع الفضائي، التي نشأت كلها باعتبارها أجزاء من منظومة اقتصادية واحدة.
كما استفادت أوكرانيا من مصادر طاقة رخيصة، وسوق عمل موحدة، وغياب الحواجز اللغوية، وقواعد عمل مألوفة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي ورثت إمكانات صناعية ضخمة، إلا أن جزءاً كبيراً منها لم يُستثمر كما ينبغي. وبدلاً من تحديث الاقتصاد وتطوير الإنتاج، انشغل كثير من السياسيين بالصراع على الموارد المالية وتحقيق المكاسب الشخصية.
ودون شك، فإنَّ أن جزءاً مهماً من هذا الإرث كان يمكن الحفاظ عليه والاستفادة منه لو جرى تعميق التكامل الاقتصادي مع روسيا ودول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. فالاقتصاد السوفييتي بُني على أساس الترابط الوثيق بين الجمهوريات المختلفة، بحيث كان فك هذه الروابط يؤدي بالضرورة إلى خسائر اقتصادية لجميع الأطراف، ولا سيما الاقتصادات الأصغر حجماً والأكثر اعتماداً على الأسواق الخارجية والتعاون الإنتاجي.
ومن أجل إقناع السكان بقبول هذا الانفصال، كان لا بد من إقناعهم بأن حياتهم ستصبح أفضل بكثير بعده، وأن هناك أسواقاً جديدة ستعوض فوراً جميع الروابط الاقتصادية السابقة وتؤدي إلى ازدهار سريع. غير أن الواقع، كان أكثر تعقيداً بكثير.
ورغم مرور عقود كم الزمن، فإن التطلُّع إلى أوروبا، لم يؤدِّ إلى تحول أي من دول أوروبا الشرقية إلى «ألمانيا جديدة»، حتى دول البلطيق التي اندمجت منذ فترة طويلة في الفضاء الأوروبي ما زالت تواجه مشكلات ديموغرافية وهجرة سكانية واعتماداً على الأسواق الخارجية.
لماذا يُثار الحديث الآن عن أرمينيا؟
في هذا السياق، هنا تُطرح قضيّة أساسية وتتمثل في أنه لا يمكن لدولة ما أن تستفيد في الوقت نفسه من مزايا اتحاد اقتصادي معين بينما تسعى إلى الانضمام إلى اتحاد اقتصادي آخر. ومن هذا المنطلق فإن العمليات التي شهدتها أوكرانيا يجري اليوم تكرارها بنسختها السوداء في أرمينيا.
اليوم يُقدَّم للمجتمع الأرمني، خطاب يركز على الآفاق الأوروبية الرحبة، على مستويات المعيشة المرتفعة والازدهار المستقبلي، في حين يقل الحديث بدرجة أقل عن كلفة هذا الخيار. فإذا خرجت أرمينيا من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي فقد تفقد جزءاً مهماً من المزايا الاقتصادية التي تتمتع بها حالياً، مثل سهولة وانسيابية التجارة وحرية الحركة وانخفاض تكاليف النقل، كما قد تتغير شروط هجرة العمالة.
هناك تقديرات طُرحت في الأوساط الخبيرة تفيد بأن خسائر الاقتصاد الأرمني قد تصل إلى نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، مع التأكيد على أن حجم الخسائر المحتملة يوضح أن الأمر لا يتعلق بخطوة رمزية، بل بخيار اقتصادي استراتيجي.
كما أن تسهيل انتقال المواطنين إلى أوروبا قد يكون مفيداً لبعض الأفراد، لكنه يطرح تساؤلات حول جدواه بالنسبة للدولة نفسها، هنا تبرز تجارب عدد من دول أوروبا الشرقية التي واجهت مشكلات نتيجة هجرة أعداد كبيرة من الشباب والقوى العاملة.
لذلك فإنّ أرمينيا تقف اليوم أمام خيار واضح: إما الحفاظ على مزايا عضويتها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، أو المضي في مسار الاندماج الأوروبي مع تحمل ما قد يترتب على ذلك من مخاطر وتكاليف.
كيف تشكلت النزعات المؤيدة لأوروبا؟
دون شك فإن هذه العملية لم تبدأ بالأمس، بل تعود إلى العقود التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، عندما نشطت في أوكرانيا مؤسسات غربية مختلفة، من صناديق تمويل وبرامج تعليمية ومنظمات مجتمع مدني ومشاريع إعلامية، عملت على ترسيخ رؤية تربط أوروبا بالمستقبل والتنمية، بينما تربط روسيا بالماضي والعوائق التي تحول دون النجاح.
ومع مرور الوقت، ترسخت لدى قطاعات من الرأي العام قناعة بأن جميع مشكلات البلاد مرتبطة بروسيا، وأن قطع العلاقات معها سيؤدي تلقائياً إلى الازدهار. غير أن الأحداث أظهرت، أن الواقع أكثر تعقيداً بكثير.
الجالية الأرمنيَّة في روسيا وأهميَّتها الدِّيموغرافيَّة والاقتصاديَّة
تُعدّ الجالية الأرمنيَّة في روسيا أكبر تجمّع للأرمن خارج أرمينيا، إذ تشير الإحصاءات الرَّسميَّة إلى وجود ما بين مليون ومليون ومئتي ألف أرمني تقريبًا، في حين ترفع بعض التَّقديرات غير الرَّسميَّة العدد إلى ما بين مليوني وثلاثة ملايين شخص عند احتساب العمَّال المهاجرين والمقيمين غير الدَّائمين وأبناء الأجيال اللاحقة. ويتركَّز الأرمن بصورة خاصَّة في موسكو وسانت بطرسبورغ وإقليم كراسنودار ومدن جنوب روسيا وشمال القوقاز. وتمثّل هذه الجالية عنصرًا مهمًّا في العلاقات بين البلدين، سواء من النَّاحية الاقتصاديَّة أو الاجتماعيَّة، كما تُشكّل روسيا الوجهة الرَّئيسة للعمَّال الأرمن في الخارج وأحد أهم مصادر التَّحويلات الماليَّة إلى أرمينيا. لذلك فإنَّ أيَّ تدهور جوهري في العلاقات الرُّوسيَّة–الأرمنيَّة يثير تساؤلات حول أوضاع الجالية الأرمنيَّة ومستقبل امتيازاتها المرتبطة بالإقامة والعمل داخل روسيا.
انعكاسات التَّوتر الرُّوسي–الأرمني واحتمالات الضَّغط الاقتصادي
لا توجد حتّى الآن مؤشّرات على وجود سياسة روسيَّة تستهدف الأرمن بوصفهم جماعة قوميَّة، غير أنّ استمرار التَّباعد السِّياسي بين موسكو ويريفان قد يدفع السُّلطات الرُّوسيَّة إلى تشديد إجراءات الهجرة والعمل والإقامة، ولا سيَّما بحقّ المقيمين بصورة غير نظاميَّة. وفي حال اتُّخذت إجراءات واسعة لترحيل العمَّال الأرمن غير الشَّرعيين، فإنَّ الاقتصاد الأرمني قد يتأثّر بصورة ملموسة نتيجة تراجع التَّحويلات الماليَّة الآتية من روسيا، وارتفاع معدَّلات البطالة، وانخفاض القدرة الشِّرائيَّة والاستهلاك الدَّاخلي، فضلًا عن ازدياد الضُّغوط على الماليَّة العامَّة واحتياطات العملات الأجنبيَّة. ومع ذلك، فإنَّ مثل هذه الخطوات قد تفرض بدورها أعباءً على الاقتصاد الرُّوسي، نظرًا للدَّور الَّذي تؤدّيه العمالة الأرمنيَّة في عدد من القطاعات الاقتصاديَّة. ومن ثمَّ، تبقى ورقة الهجرة والعمالة إحدى أكثر أدوات الضَّغط حساسيَّة في العلاقات الرُّوسيَّة–الأرمنيَّة، لما لها من تأثير مباشر في الاقتصاد والمجتمع على جانبي العلاقة.
فقدان الامتيازات والأسعار المدعومة على الغاز والنفط
من المعروف، أن أرمينيا تستفيد منذ سنوات من علاقتها الخاصة بروسيا في مجال الطاقة. فروسيا تزود أرمينيا بالغاز الطبيعي عبر شركة غازبروم بأسعار تفضيلية نسبياً مقارنة بالأسعار العالمية أو الأوروبية، كما تؤمن جزءاً مهماً من احتياجاتها من المشتقات النفطية والوقود النووي لمحطة ميتسامور للطاقة النووية. ويُعدّ هذا العامل أحد أسباب حرص الحكومات الأرمنية المتعاقبة على تجنب القطيعة الكاملة مع موسكو، لأن أي ارتفاع كبير في أسعار الطاقة سينعكس مباشرة على الصناعة والنقل والأسعار الداخلية.
وبالتالي السياسة الأرمنية ذات الوجهين الأبيض والأسود والتي تتبعها مع روسيا تبدو غير واضحة. فالتقارب مع الولايات المتحدة والغرب، يبدو أكثر تعقيداً من مجرد «الاستفادة على حساب روسيا». فمن الناحية السياسية والأمنية، تحاول أرمينيا ومنذ حرب ناغورني كاراباخ الأخيرة إلى تنويع شركائها وعدم الاعتماد الكامل على روسيا بحجة أو من حجة، ولذلك عززت تعاونها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا.
باعتقاد أرمينيا، فإن هذه السياسة قد تؤمن دعماً دبلوماسياً أكبر في المؤسسات الدولية، ومساعدات مالية وبرامج تنموية غربية، إضافة إلى فرص أوسع للاستثمار والتعاون التكنولوجي، وتوفر هامشاً أوسع للمناورة السياسية خارج الفضاء الروسي.
وقد سقط من حسابات أرمينيا أنه في المقابل، لا تستطيع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي في المدى المنظور أن يحلا محل روسيا بالكامل في عدة مجالات، منها الطاقة، والتجارة، وتحويلات العمالة الأرمنية في روسيا، والبنية التحتية الاقتصادية المرتبطة بالاتحاد الاقتصادي الأوراسي والأهم من كل ذلك الوجود الاقتصادي والاجتماعي للجالية الأرمنية الكبيرة في روسيا.
لذلك فإن التحدي الذي يواجه أرمينيا اليوم ليس الاختيار بين «الربح من أمريكا» أو «الربح من روسيا»، بل محاولة تحقيق توازن بين الطرفين. غير أن موسكو تنظر بقلق إلى أي تقارب أرمني مع الغرب إذا تحول إلى مسار استراتيجي يؤدي في النهاية إلى الخروج من الاتحاد الاقتصادي الأوراسي أو تقليص النفوذ الروسي في جنوب القوقاز.
ومن الناحية الاقتصادية البحتة، فإن خسارة الامتيازات المرتبطة بالسوق الروسية والطاقة الرخيصة وتحويلات العمالة قد تكون مكلفة جداً لأرمينيا على المدى القصير والمتوسط، بينما تبقى المكاسب المحتملة من الشراكة الغربية رهناً بقدرة الغرب على تقديم بدائل اقتصادية وأمنية حقيقية وليس مجرد دعم سياسي. ولهذا السبب يدور الجدل الداخلي الأرمني اليوم حول سؤال أساسي: هل تستطيع أرمينيا تعميق علاقاتها مع الغرب دون أن تخسر المزايا التي توفرها لها روسيا؟ وهذا هو جوهر الأزمة الحالية بين موسكو ويريفان.
التوتر الروسي–الأرمني وأثره في مكانة أذربيجان ضمن أولويات السياسة الروسية
أدّى التوتر المتزايد في العلاقات بين روسيا وأرمينيا خلال السنوات الأخيرة إلى إعادة تشكيل جزء من الحسابات الاستراتيجية الروسية في منطقة جنوب القوقاز. فبعد أن كانت أرمينيا تُعدّ الحليف الأقرب لموسكو في المنطقة، بدأت القيادة الأرمنية، ولا سيّما في عهد نيكول باشينيان، تنتهج سياسة تقوم على تنويع الشراكات الخارجية وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وقد تزايد هذا التوجّه بصورة ملحوظة عقب حرب ناغورني كاراباخ الأخيرة عام 2023، عندما اتهمت يريفان روسيا والمؤسسات الأمنية التابعة لها بعدم توفير الحماية الكافية للمصالح الأرمنية، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى الثقة بين الجانبين.
وفي المقابل، بدأت أذربيجان تكتسب أهمية متزايدة في الحسابات الروسية. فقد أصبحت، بعد استعادة السيطرة الكاملة على إقليم ناغورني كاراباخ، الدولة الأكثر تأثيراً في موازين القوى الإقليمية في جنوب القوقاز. كما تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى موسكو بسبب موقعها الجغرافي ودورها في مشروعات النقل الدولية، ولا سيّما ممر «الشمال–الجنوب»، فضلًا عن مكانتها بوصفها دولة منتجة ومصدّرة للطاقة. ومن ثمّ، فإنّ أي تراجع في مستوى التنسيق مع أرمينيا يدفع روسيا بصورة طبيعية إلى تعزيز تعاونها مع باكو للحفاظ على نفوذها ومصالحها في المنطقة.
ومع ذلك، لا يعني هذا التحوّل أنّ موسكو تتجه إلى استبدال أرمينيا بأذربيجان أو التخلّي عن نفوذها التقليدي في يريفان. فما تزال روسيا تحتفظ بمصالح استراتيجية مهمة في أرمينيا، تشمل القاعدة العسكرية الروسية في غيومري، والعلاقات الاقتصادية الواسعة، وعضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، إضافة إلى وجود جالية أرمنية كبيرة في روسيا تُقدَّر، وفق بعض التقديرات، بما بين مليوني وثلاثة ملايين شخص. كما تستفيد أرمينيا من أسعار تفضيلية للطاقة الروسية، ولا سيّما الغاز الطبيعي، فضلًا عن اعتمادها على الوقود النووي الروسي اللازم لتشغيل محطة ميتسامور للطاقة النووية، التي تُعدّ أحد أهم مصادر إنتاج الكهرباء في البلاد.
ومن هنا، تبدو السياسة الروسية الراهنة أقرب إلى إعادة موازنة علاقاتها الإقليمية منها إلى إجراء تحوّل جذري في تحالفاتها. غير أنّ استمرار التباعد بين موسكو ويريفان قد يؤدي إلى منح أذربيجان وزناً أكبر داخل أولويات السياسة الروسية في جنوب القوقاز، ولا سيّما إذا اقترن ذلك بخطوات أرمنية إضافية نحو الاندماج مع الاتحاد الأوروبي أو تقليص الارتباط بالمؤسسات التي تقودها روسيا. وفي هذه الحالة، قد تلجأ موسكو إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادية، مثل ملف الطاقة أو العمالة المهاجرة أو الامتيازات التجارية داخل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، للحفاظ على نفوذها التقليدي في أرمينيا ومنع انتقالها الكامل إلى الفضاء الغربي.
في المحصلة، من المؤمل أن تتخذ أرمينيا قرارها استناداً إلى مصالحها الاقتصادية الوطنية قبل أي شيء آخر، لا إلى الشعارات الجذابة أو الوعود العاطفية، فالاقتصاد تحكمه الأرقام والحقائق والوقائع، وما على أي دولة سوى أن توازن بين ما يمكن أن تكسبه وما قد تخسره من خياراتها الاستراتيجية.
