اتحاد العمل النسائي يطلق “ميثاق المساواة وتكافؤ الفرص”
الدار البيضاء – السؤال الآن:
احتضنت القاعة الكبرى بأحد الفنادق بمدينة الدار البيضاء، صباح يوم الخميس 6 غشت الحالي، أشغال الندوة الصحفية التي نظمها اتحاد العمل النسائي لإطلاق وثيقته الترافعية الجديدة تحت عنوان: “ميثاق المساواة وتكافؤ الفرص وحكامة التدبير الحزبي”.
هو عنوان وإن بدا طويلا ومحملا بالدلالات والأبعاد المفهومية، إلا أنه يختزل في جوهره مسارا تاريخيا ونضاليا يمتد لقرابة أربعة عقود، حيث تعود بداية تشكل هذا الإطار الحقوقي المستقل إلى أواخر عام 1987، حينما انطلق بمبادرة من فعاليات يسارية وحقوقية بارزة، وتحديدا من صلب منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وبإلهام مباشر من التجربة الإعلامية لجريدة “8 مارس” النسائية.
شهدت مرحلة تأسيس اتحاد العمل النسائي استناد الجمعية إلى رؤية تهدف إلى حماية حقوق المرأة المغربية، ومناهضة التمييز بكافة أشكاله، ومكافحة العنف الموجه ضد النساء، والترافع المستمر من أجل إقرار المساواة الفعالية. وتولّت المناضلة الحقوقية البارزة لطيفة اجبابدي مهام الرئاسة عند الانطلاقة الأولى، لتبدأ الجمعية مسيرة طويلة عرفت تداول عدة قيادات نسائية على رئاستها، بدءا من اجبابدي، مرورا بنزهة العلوي وعائشة لخماس، وصولا إلى الرئيسة الحالية عائشة ألحيان.
ويأتي إطلاق هذا الميثاق في وقت يقترب فيه الاتحاد من إطفاء شمعته الأربعين العام المقبل، وهي محطة فارقة تمثل في الوجدان الإنساني والمؤسساتي مرحلة الرشد والاتزان ونضج التجربة.
يستحضر هذا الميثاق محطات تاريخية فارقة في سجل الاتحاد، وفي مقدمتها “حملة المليون توقيع” الشهيرة التي قادها اتحاد العمل النسائي في 1992، للمطالبة بتغيير مدونة الأحوال الشخصية، فضلا عن المبادرات المبتكرة وفي مقدمتها المحاكمات الرمزية التي دأب الاتحاد على تنظيمها سنويا منذ عام 1996، كآلية نضالية وحقوقية تسلط الضوء على مظاهر الحيف والتمييز والعنف المسلط على النساء، وتشكل أداة للترافع أمام السلطات التشريعية والتنفيذية لإصلاح القوانين وتطوير السياسات العمومية.
كما يحدث إطلاق الميثاق في توقيت سياسي دقيق، إذ يسبق بمسافة زمنية قصيرة المحطة الانتخابية المقبلة المزمع تنظيمها يوم الأربعاء 23 سبتمبر المقبل. ويسعى اتحاد العمل النسائي من خلال هذه الوثيقة إلى وضع الهيئات والقيادات الحزبية أمام مسؤولياتها التاريخية والسياسية، عبر تحسيسها بأهمية إنصاف النساء، وتجاوز التمكين الصوري إلى الدعم الفعلي لمرشحات الأحزاب، بما يضمن حضورهن المؤثر في مراكز القرار ومختلف المجالس المنتخبة.
ترأست الندوة الصحفية الرئيسة الحالية عائشة ألحيان، بمساعدة كل من شمس الضحى العلوي الإسماعيلي وزهرة وردي، فيما تكفلت الرئيسة السابقة عائشة لخماس بالمشاركة في الرد على بعض أسئلة الصحفيين والحاضرين والتفاعل مع المداخلات، في حين لم تتدخل الرئيسة المؤسسة لطيفة اجبابدي خلال مجريات اللقاء.
على المستوى التنظيمي، وعلى الرغم من أن البرنامج الموزع ضمن الملف الصحفي كان يشير إلى استمرار الأشغال حتى الساعة الثالثة بعد الزوال، إلا أن الندوة اختتمت أشغالها مبكرا في حدود الساعة الواحدة زوالا، رغم البداية المتأخرة لأعمالها.
وتمركزت المحاور الرئسية للميثاق حول ثلاثة مرتكزات أساسية، على رأسها ترسيخ قواعد الحكامة الجيدة داخل التنظيمات الحزبية، تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في توزيع الترشيحات والمسؤوليات، وتطوير الآليات الإجرائية للتدبير الداخلي للأحزاب بما يتلاءم مع المقتضيات الدستورية والمواثيق الدولية ذات الصلة.
من بين الحاضرات في الندوة: فاضمة إيزوران، حفيظة قابيل، نعمة السعدية، سناء ألحيان، حياة أومانجوج، بشرى السعيدي، مجيدة نرايس، أمينة شاوي، سلوى الدمناتي، جميلة أيوكو، هند مميز، وحنان رحاب.
***
سجلت الندوة حضور حوالي أربعين مشاركا ومشاركة، ينتمون إلى مجالات الفعل السياسي والجمعوي والإعلامي. غير أن التكافؤ العددي بين الجنسين كان غائبا بشكل ملحوظ داخل القاعة، حيث طغى العنصر النسوي بشكل شبه كامل على الحضور، مقابل مشاركة خجولة لم تتعدَ أربعة ذكور فقط، وهو ما عُد ملمحا يستدعي التوقف حول مدى تمثل مبدأ المناصفة والاهتمام بالقضايا النسائية داخل الوسط السياسي والإعلامي بشكل عام.
على مستوى التمثيل الجغرافي، لوحظ حضور لافت لفاعلات قادمات من أقاليم الجنوب، وتحديدا من جهتي “سوس ماسة” و”درعة تافيلالت”، إلى جانب مشاركات من أقاليم الحسيمة، والدار البيضاء والرباط.
أما على الصعيد السياسي الحزبي، فقد تميزت الندوة بمشاركة فاعلات يمتلكن تجارب انتخابية سابقة في البرلمان أو المجالس الجهوية، وبمشاركات ينتمين لأحزاب من أطياف مختلفة، أبرزها حزب التقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
في المقابل سجل غياب تام لتمثيليات حزبية وسياسية أخرى، وفي مقدمتها الحركة الشعبية وحزب العدالة والتنمية، فضلا عن تنظيمات أخرى كجماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إذ يعرف عن التنظيمين الأخيرين تاريخيا ومبدئيا دعوة مقاطعتهما للانتخابات، مما يفسر استبعاد اهتمامهما بميثاق انتخابي موجه للأحزاب المؤسساتية، ناهيك عن الانخراط في مناقشته أو توقيعه، بحكم طبيعة مواقفهما السياسية المعارضة من خارج المؤسسات.
***
شهدت الجلسة نقاشات متعددة المداخلات، عكست ثراء التجربة الميدانية للمشاركات، مما دفع المقررة شمس الضحى العلوي إلى اقتراح إعادة صياغة الميثاق وتطعيمه بأبرز الاقتراحات والتوصيات المنبثقة عن الندوة وإدراجها ضمن التقرير العام النهائي.
ومع ذلك لم تخل أجواء الندوة من تجاذبات ونقاشات مثيرة تعكس التباين بين الخطاب المرفوع والممارسة الميدانية. فقد استشهدت بعض المداخلات بمفاهيم الخطاب التقدمي والدفاع عن الحقوق والحريات، في وقت أثار فيه بعض الحاضرين تساؤلات وملاحظات نقدية حول السيرة السياسية والميدانية لبعض الفاعلات ومقدار ملاءمتها مع مبادئ حرية التعبير والتعددية، مستحضرين سوابق ومواقف شهدت محاولات للتضييق غير المحسوب على أنشطة حقوقية أُقيمت خارج الوطن. (ممارسات بلطجية التُقطت كافة تفاصيلها ومجرياتها بالصوت والصوت في مقاطع مصورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، بينها قنوات اليوتيوب).
كما استأثر موضوع “العنف الرقمي” الموجه ضد النساء الممارسات للسياسة داخل التنظيمات الحزبية باهتمام واسع خلال النقاشات. غير أن طرح هذا الموضوع يفتح الباب أمام تساؤلات مفاهيمية ونقدية حول حدود وتحديد مفهوم “العنف الرقمي”، حيث يثار التساؤل عما إذا كان الانتقاد السياسي الموجه لسياسيات أو شخصيات بارزة في المشهد الحزبي يعد شكلا من أشكال العنف الرقمي المستوجب للمناهضة، أم أنه يدخل في نطاق النقاش السياسي الطبيعي وحرية التعبير، خاصة وأن التقييمات والنقد الذاتي نفسه يمارس تجاه السياسيين الذكور دون أن يصنف في خانة العنف المبني على النوع.
إن هذا النقاش يستلزم التوقف عند مفهوم التضامن النسائي ومفهوم الجندر في المجال السياسي، ويطرح هنا تساؤل جوهري حول ما إذا كان التكتل والتضامن بين النساء المتحزبات ينبغي أن يتم على أساس النوع الاجتماعي وحده، بمعزل عن الانتماءات الإيديولوجية والخيارات المذهبية والسياسية، سواء كانت يمينية أو مخزنية أو يسارية أو ليبرالية.
في هذا السياق يرى جانب من الطروحات النقدية أن التضامن المطلق المبني على الجنس فقط يحتاج إلى مراجعة وتفكيك، بالنظر إلى أن الانتماء الجنسي لا يعني بالضرورة تبني قيم الحرية والعدالة الاجتماعية والتحديث. إذ قد تحمل بعض الفاعلات السياسيات رؤى محافظة أو مناهضة لمطالب الحقوق والديمقراطية، تماما كبعض نظرائهن من الذكور.
ويرسم هذا المعطى معالم مشهد سياسي تظهر فيه النساء، رغم توزيعهن عبر مختلف الهيئات الحزبية، وكأنهن يمثلن من داخل تلك التنظيمات حزبا أكبر حجما وتأثيرا من بقية الأحزاب، يمكن تسميته بـ”حزب الإناث”، حزب يتجاوز الفروق الإيديولوجية والبرامج السياسية لصالح التكتل الجندري والدفاع عن المكاسب الفئوية داخل المؤسسات المنتخبة.
وكما تتكرر الشكوى عادة من الاستغلال السياسي للمرأة داخل الأحزاب وتوظيف حضورها صوريا، تبرز في المقابل مفارقة أخرى تصبح فيها الفاعلة السياسية هي من تستغل التنظيمات الحزبية والسياسيين الذكور لصالح الجندر الذي تمثله ولخدمة مكاسب الموقع السياسي.
عموما.. تشكل هذه الندوة وميثاقها الصادر خطوة جديدة في مسار ترافعي طويل يخوضه اتحاد العمل النسائي، وهو يقف على أعتاب عامه الأربعين من النضال الحقوقي بالمغرب، مفاوضا من أجل تعزيز موقع المرأة في مراكز القرار السياسي وتطوير المنظومة الحزبية الوطنية.
