ماذا لو فازت أحزاب اليسار المغربي بالأغلبية؟

ماذا لو فازت أحزاب اليسار المغربي بالأغلبية؟

عبد الرحيم التوراني

    ماذا لو فازت أحزاب اليسار المغربي بالأغلبية؟

– ماذا لو…؟ 

الإجابة بسيطة، جاهزة ومتوقعة.. سيطبّق الدستور بحذافيره، وسيعيّن الملك رئيسا للحكومة من الحزب اليساري الذي تصدّر الانتخابات.. و…

– مهلا.. مهلا… توقف يا رفيق!

قبل الرد على هذا السؤال الميتافيزيقي، حري بنا أولا تحديد الأحزاب التي تستحق فعلا صفة اليسار. والترتيب هنا يأتي وفق شجرة النسب والميلاد: حزب التقدم والاشتراكية، الحزب الاشتراكي الموحد، وحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي. أما حزب النهج الديمقراطي العمالي فيجلس على التل، يرفض المشاركة في اللعبة الانتخابية برمتها لأسباب مبدئية مرجعية وتاريخية.

ولن ننسى أو بالأحرى لن نذكر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد شطب نفسه من منظومة اليسار منذ سنوات، وتحديدا ونهائيا منذ اعتلاء إدريس لشكر سدة الكتابة الأولى… للأسف الشديد تحول الاتحاد من زعامة الحركة الوطنية واليسار إلى حزب مخزني خالص وبزيادة شْوية. وها نحن نتابع اليوم السي إدريس يواصل مهمته الوظيفية التي اتضحت جليا في سيناريو البلوكاج ضد عبد الإله بنكيران عام 2016، السيناريو الذي أتى به عزيز أخنوش ونفذه الفيدور لشكر بكل بلطجة سياسية. فكل هجوماته الراهنة ضد فوزي لقجع ليست سوى غارات لحساب أخنوش وحزب الأحرار، طمعا في حقائب وامتيازات موعودة كما تتردد الأخبار.

سبب طرح هذه الفرضية السوريالية، فوز اليسار بالأغلبية.. يعود إلى الندوة الصحفية التي عقدها تحالف اليسار صباح اليوم الثلاثاء 8 شتنبر 2026، بأحد فنادق العاصمة الاقتصادية، لعرض برنامجه الانتخابي (2026-2031) تحت شعار “الكرامة أولا”. حيث وجه أحد الصحفيين سؤالا مفخخا: (من أي الحزبين المتحالفين سيكون رئيس الحكومة المقبل إذا فاز التحالف بالأغلبية؟ من الاشتراكي الموحد أم من الفيدرالية؟).

حقيقة هالني كيف اندفع السيد عبد السلام لعزيز (أمين عام حزب فيدرالية اليسار…!) في الإجابة، وكأن الطريق إلى السرايا الحكومية سالكة ومفروشة بالورود.. وهو ما جعل صديقا يجلس بجانبي يهمس بمرارة: “إننا نلج باب الخيال العلمي أسِّي الرفيق!”.

لقد مرّ زمن كان فيه الزعيم الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد يترنم بتصريحه الشهير: (المقاعد لا تهمنا)، لأنه كان يدرك جيدا أن المخزن يزور النتائج عارا جهارا. أيامها كانت وزارة الداخلية تمارس التزوير البدائي الصاعق، بملء الصناديق الخشبية مقدما ببطاقات المرشح المحظوظ، أو بخطف الصناديق وتبديلها في عتمة الليل. اليوم تحول السباق الانتخابي إلى طاولة قمار، ولهذا نرى هذا التهافت المحموم على أصحاب الشكارة والتحول السريع للمتنقلين بين الأحزاب.

غير أن التطور التكنولوجي جاء لخدمة رعاة التزوير، لتسهيل مأموريتهم وإضفاء اللمسة الرقمية عليها، وإن ظلت الممارسات التقليدية في حشد التجمعات عبر تسهيل التنقل للحشود في كاميونات كالمواشي والأغنام وإعداد الموائد الممدودة، وشراء الأصوات بالزرقلاف (200 درهم) كما هي لم يتغير منها شيء. هي تقريبا نفس الأساليب التي ابتكرها أحمد رضا اكديرة أيام “الفديك”، ونفسها التي مارسها حزب الأحرار أيام أحمد عصمان، ثم نقلها عنه المعطي بوعبيد يوم أسسوا له الاتحاد الدستوري.. وصولا إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي أطلقه فؤاد علي الهمة. والتاريخ هنا كما يقول ماركس يكرر نفسه في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة. ولن ننسى بالطبع “مسيرة ولد زروال” بالدار البيضاء عام 2016، التي حشد لها قبيل الاقتراع برعاية قيادة التراكتور، وصارت أضحوكة تسيء لأدبيات السياسة الوطنية.

***

نعود إذن إلى مسرح الخيال العلمي: فوز تحالف اليسار بالأغلبية!

بعد تعيين رئيس الحكومة ستنطلق رحلة البحث عن حلفاء تشكيل الحكومة، وطبعا سيكون الخيار الأول والبديهي هو حزب علي يعتة (التقدم والاشتراكية). أما أحزاب الوسط فلا وجود لها في هذه الحسبة، فحزب الاستقلال، خاصة بعد اندماجه الكلي في تجربة التحالف مع الأحرار والتراكتور، كشف عن وجهه العاري كحزب مخزني مخزز لا يختلف عن باقي القطيع.

هنا يستدرك جمال العسري (الأمين العام للاشتراكي الموحد) ليؤكد أن تاريخ الانتخابات بالمغرب هو مسلسل طويل وممتد من التزوير، وأن أحدا لا يحمل أوهاما بأن هذه المرة ستكون استثناء، (لكن الواجب يقتضي منا التمسك بالأمل).

***

تأخذني الذكرى بعيدا.. إلى 10 ماي 1981، يوم فاز مرشح اليسار فرانسوا ميتران برئاسة فرنسا. كان فوزا مدويا تجاوز جغرافيا باريس ليوجه صداه إلى العالم، وإلى زنقة الأمير عبد القادر بالدار البيضاء، على مقربة من المقر القديم للمجازر البلدية، حيث احتفلنا في هيئة تحرير جريدة “المحرر” بذلك النصر العظيم، وكأننا فرنسيون قادمون من مقاطعات ما وراء البحار.. وفي غمرة نشوتنا غفلنا أننا كنا نرقص على حافة الهاوية، وعلى مسافة خطوتين فقط من ساطور المنع النهائي ويوم الشدة في انتفاضة 20 يونيو 1981.

صعود اليسار في فرنسا تطلب عقودا من النضال الشاق والجهود المنظمة. ونحن في المغرب لدينا الزمن الطويل الذي مضى، ولدينا التضحيات الجسام التي قدمها اليسار من لحمه ودمه.. سجنا وتعذيبا وإعدامات واختفاء قسريا. لكن الجهود خفتت وانتصر المخزن، كما قال أحد الرفاق، بنتيجة كاسحة: سبعة لزيرو! ولا أدري لِمَ اختار الرقم 7 تحديدا، ولماذا ترك لليسار الرقم الزيرو؟

يعود عبد السلام لعزيز ليستدرك في رد آخر: إن مهمة اليسار في هذه المحطة وما بعدها هي تحريك المياه الراكدة، والجهر بأن مغربا آخر ممكن، مغرب لا يفر منه أبناؤه في قوارب الموت، ولا يرتع فيه الفساد والفاسدون وتجار المخدرات ورعاة الاتجار بالبشر.

الكرامة أولا: من أجل مغرب ديمقراطي، منتج وعادل.. دولة الحق والقانون، اقتصاد الإنتاج والسيادة، مجتمع الكرامة والمساواة”.. هذا ما كتب على غلاف البرنامج الطموح لتحالف اليسار. 

وإذا ما تجاوزنا البعد الأخلاقي والنزعة الرومانسية لشعار “الكرامة أولا”، فإن السؤال البنيوي الذي يفرض نفسه هو: كيف السبيل إلى تنفيذه على أرض الواقع؟ المسالك الحزبية وعرة، وقطاع الطرق السياسي مدججون بأعتى الأسلحة، والمد العالمي يقوده اليمين المتطرف بزعامة الإمبراطور المجنون دونالد ترامب!

لعل في شعار  حزب التقدم والاشتراكية: “نزعمو كاملين” حبل نجاة أو بعض الإجابة.. أي لنتجرأ جميعا! لكن ضد من بالضبط علينا أن “نزعم” لنحقق الفوز والمبتغى..؟!

ضد غول الفساد؟ أم حيطان القهر والاستبداد؟.. وتتمة الكلام كما تعلم في رأسك!

يقوم صديقي المناضل والمعتقل السياسي السابق، ومشاعر الحسرة تحاصره على ما فات وما هو حاضر وما هو آت، يستعجل الانصراف وهو يجيب عن نظراتي الحائرة متأسفا: “راه مابقى قد ما فات.. ومابقى وقت للعمر” (لم يعد في العمر متسع). ثم يسرع نحو دورة المياه ليتخفف من وجع البروستاتا.

ترى.. هل اليسار المغربي مصاب هو الآخر بداء البروستاتا، أم بفقر الدم والسكري؟ وهل تقتضي الضرورة إجراء الفحوصات في المختبر، أم تشريحا جثمانيا مفصليا وحاسما؟

إن حضور الشباب باهت وتقريبا شبه معدوم، وقد اعتادت عين المرء على رؤية الرؤوس الممتلئة شيبا في كل فعاليات اليسار.. فأين هي شبيبة “جيل زد” Gen Z؟ جيل الزلازل والزوابع .. أم أن حرف “Z” هنا لا يشير إلا إلى الرقم زيرو (Zero)؟!

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!