معركة المحامين دفاعاً عن الشرعية الدستورية
ذ. عبد اللطيف مشبال
استهلال
لعل من أبرز إيجابيات المعركة التي يخوضها المحامون دفاعاً عن استقلالية مهنتهم وكرامتهم، في مواجهة قانون ينظم مهنتهم صدر دون احترام للمبادئ التي تقوم عليها دولة القانون، كما ينص عليها الدستور، ووجوب إخضاعه للرقابة الدستورية الحقيقية، هو ما أفرزته أحداثها من تزايد اهتمام المواطن بقضايا حقوق الدفاع، وما للمحامي من دور مركزي في تحقيق العدالة وحفظ سيادة القانون؛ مثلما تمظهر، على سبيل المثال، من خلال تأسيس الجبهة المغربية للدفاع عن المحاماة، التي تكونت من طيف واسع من الأطراف المهنية والحقوقية والمدنية والحزبية، وكذا من خلال بيانات المنظمات الحقوقية الوازنة وبعض الأحزاب السياسية، ناهيك عن المشاركة القيّمة لأساتذة جامعيين أثروا النقاش بتعليقات وأبحاث.
ولا غرو في ذلك، متى كانت المحاماة جزءاً من أسرة القضاء، لا محيد عنها في إرساء صرح العدالة، لمشاركتها في أداء هذه المهام رفقة القاضي وممثل النيابة العامة، مثلما نصت عليه المادة 3 من القانون المنظم لمهنة المحاماة الملغى، بالقول: «إن المحاماة هي مهنة حرة مستقلة تشارك في تحقيق العدالة». غير أن القانون الجديد، وإمعاناً منه في تحجيم دور المحامي، استبدل في مادته الأولى كلمة «مشاركة» بعبارة «مساهمة المحاماة» في تحقيق المحاكمة العادلة، مع أن عبارة «مشاركة السلطة القضائية في تحقيق العدالة» أعلى شأناً من المساهمة، التي قد تفيد معنى الإسهام الكبير الأهمية أو القليل الأهمية.
إن واقع المعركة المشار إليها يثبت أنها، في واقع الأمر، معركة دفاع عن الأسس الجوهرية للدولة وبنائها الديمقراطي كدولة الحق والقانون، كما جاء في ديباجة دستور المملكة. فهي، بالتالي، دولة تعاقد مجتمعي ينهض على عدة قواعد، على رأسها قاعدة فصل السلط، التي يضمن الفصل الأول، في فقرته الثامنة، استقلالها. بل وإصراراً منه على إبراز هذه الاستقلالية، خصص الدستور باباً خاصاً للسلطة القضائية، حيث نص على استقلالها صراحة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية.
ويستمد القضاء هذه السلطة من أحكام الدستور الذي وافق عليه المواطنون بأغلبية ساحقة. ومن المفيد، في هذا الشأن، الإشارة إلى أنه ليس من قبيل الصدف أن يكون النقيب المرحوم إبراهيم السملالي من المشاركين في صنع الوثيقة الدستورية الحالية، وفي ذلك اعتراف واضح بأن مهنة المحاماة المتمتعة باستقلالية حقيقية رافد أساسي من روافد الحركة الحقوقية ببلادنا.
مظاهر المساس باستقلالية مهنة المحاماة
تجد مسوغات استقلالية مهنة المحامي في كونه جزءاً لا يتجزأ من السلطة القضائية، لأنه يتولى حق الدفاع، وهو أمر في غاية الأهمية أقره القانون كحق طبيعي للمواطن، لمصلحة العدالة نفسها التي لا تقوم إلا عند توفر دفاع حقيقي مستقل، مرفوع الرأس، يقارع النيابة العامة، الخصم في الدعوى العمومية، بقوة، دون أدنى خنوع أو تزلف، وفي منأى عن أي تخوف من القاضي تحت شتى المبررات، بخلاف منحى التضييق المعلن عنه في الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة 78 من قانون المهنة، اللتين ألغتا مقتضى المادة 58 من القانون، التي تنص على:
“للمحامي أن يسلك الطريقة التي يراها ناجعة، طبقاً لأصول المهنة، في الدفاع عن موكله.
لا يسأل عما يرد في مرافعاته الشفوية أو في مذكراته مما يستلزم حق الدفاع.
لا يمكن اعتقال المحامي بسبب ما قد ينسب له من قذف أو سب أو إهانة، من خلال أقوال أو كتابات صدرت عنه أثناء ممارسته المهنة أو بسببها. تحرر المحكمة محضراً بما قد يحدث من إخلال، وتحيله على النقيب، وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ ما قد يكون لازماً”.
فالفقرة الرابعة المشار إليها، التي تعتبر ذات طبيعة زجرية محضة، تقيد حصانة المحامي، سواء أثناء المرافعة أو من خلال مذكراته، إذ جاء فيها:
“تحرر المحكمة محضراً مستقلاً يتضمن بياناً مفصلاً بما قد يصدر من المحامي أثناء الجلسة من سب أو قذف أو إهانة أو أي فعل يخل بنظام الجلسة أو يعطل استمرار أشغالها، وتحيله إلى النقيب وإلى الوكيل العام للملك المختصين لاتخاذ المتعين قانوناً”.
كما تضمنت الفقرتان الخامسة والسادسة من المادة نفسها مقتضيات إجرائية وموضوعية تمس بحصانة الدفاع والحرية التي يتعين أن يتمتع بها خلال ممارسته لمهامه، وتقييداً جائراً لاستقلالية الدفاع.
إن قانون مهنة المحاماة اتخذ نهجاً مخالفاً لمبادئ استقلال مهنة المحاماة، في مدلول المعايير الكونية التي تؤطرها، واتسم بميسم تدخل الإدارة، ممثلة في السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، في عدة مجالات تهم مسيرة المحامي، كما يبدو جلياً بالرجوع إلى المواد 8 و11 و18 و23 و25 و28 و35 و39 و40 من القانون، التي أذنت لتلك السلطة بالتدخل في أمور السير العادي لمهنة المحاماة، التي تستقل بها ذاتياً.
ومثلما هو الحال في المادة 8 منه، التي تضمنت بدعة حقيقية، مثل تبليغ الوزارة المذكورة بمحضر أداء اليمين من طرف المحامي المتمرن، وما نصت عليه المادة 11 من القانون بخصوص تولي السلطة المكلفة بالعدل تنظيم مباراة ولوج معهد تكوين المحامين، بقرار يحدد نظام وكيفية إجراء المباراة، وكيفية قضاء فترة التكوين، وتكوين المحامي، ونظام الاختبارات وامتحان نهاية التمرين، التي جعلها من اختصاص الإدارة المكلفة بالعدل.
تجدر الإشارة إلى أن فرنسا تتوفر حالياً على 15 مدرسة لتكوين المحامين، تشرف عليها مجالس هيئات المحامين في 15 دائرة قضائية لمحاكم الاستئناف، ويتولى المجلس الوطني لهذه الهيئات شؤون تنظيمها المالي، بما معناه تكريس استقلالية تامة عن سلطة وزارة العدل، بخلاف منحى القانون الجديد للمحاماة الذي جعل معهد تكوين المحامين خاضعاً للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، في خرق للقواعد الكونية الناظمة لمهنة المحاماة، التي تحث على جعل مهنة المحاماة مستقلة وخاضعة لتنظيمها الذاتي. كما أن المادة 18 من القانون المذكور جعلت أمر تحديد واجبات الانخراط في هيئات المحامين من اختصاص الإدارة نفسها، وما جاء في المادة 19 من المشروع بخصوص تبليغ قرار تسجيل المحامي في الجدول إلى وزارة العدل، وهي مقتضيات بدون معنى، فيما عدا الإسراف في المساس باستقلالية مهنة المحاماة التي تخضع لتنظيم ذاتي منذ أن تم سن أول تشريع لها ببلادنا. وليس هذا فحسب، بل فرضت المادة 25 من القانون على مجلس هيئة المحامين توجيه جدول المحامين المحصور في متم شهر مارس من كل سنة، في صيغة ورقية، إلى السلطة المكلفة بالعدل، لتمكينها من نشره سنوياً في موقعها الإلكتروني.
فالثابت، إذن، من هذا الزخم الهائل من مواد قانون مهنة المحاماة، حجم تدخل الإدارة المكلفة بالعدل في مسيرة المحامي المهنية، ابتداءً من مشاركته في امتحان ولوج المهنة، مروراً بباقي مراحل حياة المحامي، مما يعني، في المحصلة، تشكل سلطة تقديرية في جسم المحاماة، مثلما هو واضح بالملموس بالرجوع إلى المادة 35 من القانون نفسه، التي تمنح لوزير العدل سلطة منح ترخيص لمكتب محاماة أجنبي لممارسة مهنة المحاماة، مما يعتبر تدخلاً صريحاً في الأمور المهنية، ومساً بمضمون المواثيق الدولية التي نظمت المعايير المتعلقة بمبادئ حماية استقلال المحاماة، المنصوص عليها في وثيقة الأمم المتحدة رقم 3، المتخذة من اللجنة المعنية بحقوق الإنسان بجنيف بتاريخ 15/08/1997، التي تنص على وجوب ضمان حماية استقلال المحامين وشرف وكرامة مهنتهم، نظراً لدورهم كشركاء في إقامة العدل.
ونذكر من جملة تلك الضمانات، خصوصاً، ما ورد في الفقرة الثالثة منها، التي جاء فيها بصريح العبارة أن الحكومات تكفل للمحامين ما يلي:
“القدرة على أداء جميع وظائفهم المهنية بدون تخمين أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير لائق”، مما يحق معه اعتبار مواد القانون المذكور بمثابة تدخل مرفوض للسلطة التنفيذية في شؤون المحاماة المستقلة ذاتياً، وعدم احترام للمعايير الدولية المعتمدة من طرف المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة، المنعقد بهافانا سنة 1990، التي تنص «على وجوب كفالة الحكومات مساعدة الهيئات المهنية للمحامين التي تستهدف تكوين المحامين على حماية حرياتهم الأساسية والتحسيس بدورهم.”
الأمر الذي يدل على انتهاك القانون المنظم لمهنة المحاماة لأحكام الدستور التي وردت في ديباجته، ونصت على التزام الدولة بحماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة.
والأخطر أيضاً هو ما جاء في القانون المذكور من صلاحية للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل في إصدار مراسيم تنظيمية تهم ميدان المحاماة مما يحق معه اعتبار مواد القانون المذكور بمثابة تدخل مرفوض للسلطة التنفيذية في شؤون المحاماة المستقلة ذاتياً، وعدم احترام للمعايير الدولية المعتمدة من طرف المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة، المنعقد بهافانا سنة 1990، التي تنص «على وجوب كفالة الحكومات مساعدة الهيئات المهنية للمحامين التي تستهدف تكوين المحامين على حماية حرياتهم الأساسية والتحسيس بدورهم”.
فهذا المقتضى يعتبر المدخل للإجهاز على استقلالية المحامي، ويذكرني بما سبق لوزير العدل الحالي أن فعله من استغلال لمقتضى المادة 12 من قانون التحكيم، التي نصت على أن «الأشخاص الذاتيين الذين يقومون، اعتيادياً أو في إطار المهنة، بمهام المحكم، إما بصورة منفردة أو من خلال شخص اعتباري، أن يكونوا مسجلين ضمن قائمة المحكمين.” وهو ما تم استغلاله من طرف الوزير الحالي للعدل حينما جعل من التحكيم مهنة بدل أن يكون مهمة، ضارباً بعرض الحائط أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها التحكيم، ومسَّ بالتالي بالسمعة الوازنة لمنظومة التحكيم، ولا سيما التحكيم التجاري الدولي، التي اكتسبتها بلادنا بفضل الاجتهاد القضائي الرفيع لمحاكمنا، وهو ما يتجلى بالرجوع إلى المرسوم التنظيمي الصادر بتاريخ 18/04/2024، عدد 1119.23.02، الذي أنشأ لجنة عُهد إليها بعدة اختصاصات، من ضمنها التشطيب على أي محكم مقيد في قائمة المحكمين التي وافقت على إدراجه فيها.
مبررات استقلال مهنة المحاماة
إن استقلالية مهنة المحاماة ضرورية لتحقيق العدالة، ويترتب عنها حتماً وجوب تمكينها من حق الإشراك في سن القانون المنظم لها. فالشراكة التي أشار إليها تصدير دستور المملكة، بمعنى تكريس مدلول دولة الحق والقانون، التي نمت بفضل تنظيمات المجتمع المدني، تتموضع فيها هيئات المحامين في موقع هام، لعبت من خلاله دوراً أساسياً في الأوراش الكبرى التي عرفتها بلادنا في نطاق السياق الدستوري الجديد، وتوجت بمصادقة مجلس النواب على القانون المتعلق بتحديد شروط وكيفيات ممارسة الحق في مجال التشريع، طبقاً لأحكام الفصل 14 من الدستور. الأمر الذي يعني أن الحكومة كانت ملزمة، في سياق التطورات الدستورية التي عرفتها بلادنا، بإشراك جمعية هيئات المحامين في عمليات إعداد القانون المتعلق بمهنة المحاماة، لأنه ينظم مهنتهم، وهم أدرى بشعابها، ما دام أن المحامي ينتمي إلى مهنة مستقلة، ومن ثم فإن إعداد القانون دون مراعاة ذلك يعد مخالفة لمبدأ الشراكة سالف الذكر، ويفسر إلى حد بعيد الانحرافات التي عرفها..
فقد سبق لبعض الشراح المغاربة أن تناولوا مسألة استقلالية مهنة المحاماة، نذكر منهم وزير العدل السابق، الأستاذ عمر عزيمان، الذي أشار في الصفحة 121 من أطروحته القيمة حول «المهنة الليبرالية بالمغرب» إلى أن «قرارات مجالس هيئات المحامين تخضع لنظام خاص واستثنائي، لأن المحامي يتمتع بصفة مساعد للقضاء، ومن ثم فإن مجلس الهيئة ظل بعيداً عن النظام الإداري، عملاً بمبدأ فصل السلط بين السلطتين الإدارية والقضائية.” كما سبق للزميل الأستاذ محمد الحريزي أن أشار في الصفحة 56 من أطروحته «المبادئ الأساسية لمسؤولية المحامي وفق قانون الالتزامات» إلى أن المحامي يخضع في ممارسته لمهنته لقواعد أخلاقية صارمة، تتجلى، على وجه الخصوص، في فحوى القسم الذي يؤديه، ويلزمه باحترام استقلاليته التي تمنع عليه بتاتاً الانصياع لأدنى تعليمات، وعلى حريته في إبداء، خلال مرافعاته الشفوية أو الكتابية، لجميع الوسائل الواقعية أو الأسباب القانونية دفاعاً عن موكله.
حظيت حقوق الدفاع بمكانة خاصة في قوانيننا وفي مرجعية دولية كاسحة، سواء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويتموضع قانون المحاماة في موقع مركزي من بين تلك الحقوق ذات القيمة الدستورية، التي تعتبر من المكنات المستمدة من طبيعة العلاقات الإنسانية، والتي لا يمكن للمشرع سوى الاعتراف بها بشكل يوازن بين حقوق الأفراد وحرياتهم وبين مصالح الدولة، مثلما هو واضح بالرجوع إلى الفصل 118/8، فقرة 1، من الدستور، الذي جاء فيه:
“حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.” وعليه، فإن حقوق الدفاع تعتبر ضمانة جوهرية لحق التقاضي لا تنفصل عنه، كما جاء في حكم المحكمة الدستورية الصادر بتاريخ 25/2025، بتاريخ 04/08/2025، المتعلق بقانون المسطرة المدنية، ومن المقرر عموماً أن استقلالية المحامين هي ضمانة حقيقية لحقوق الإنسان، وتعتبر محركاً لوجودها. وعلى أنه إذا كان الأمر كذلك، وكان استقلال السلطة القضائية مبرراً لتحقيق عدالة في نطاق توازن السلط واستقلالها، فإن مؤدى ذلك أن استقلالية جناحي العدالة سالفي الذكر متلازمان لإقامة العدل ولئن كانت المحاماة ليست سلطة من سلطات الدولة، بل تعين القضاء على أداء مهامه، فمن هنا وجب اعتبار أن استقلالية الجناحين المذكورين أمر بديهي لا محيد عنه لتحقيق تلك المهمة السامية.
ولا محل للخلاف في أن المحامي لن يستطيع الاضطلاع بدوره في سبيل إنارة القضاء لإصدار حكم عادل في النازلة المعروضة عليه، في ظل القانون الجديد للمهنة الذي قيد حريته واستقلاله، ولكون حق التقاضي الذي عُزل عنه حق الدفاع يظل بدون قيمة، ما دام أن إعماله يقف أمام جدران صامتة، حسب تعبير المحكمة المصرية الدستورية العليا في حكمها رقم 179 الصادر في 02/03/ 2013
ويجدر في هذا المقام التنويه بحكم المحكمة الدستورية الذي صرحت فيه بأن حقوق الدفاع والحق في التقاضي هما من الحقوق المتداخلة والمتشابكة، يصعب فك بعضها عن البعض، نظراً لوحدة الهدف الرامي إلى حماية حقوق المتقاضي، كما يستفاد من أحكام الفصلين 118 و120 من الدستور المتعلقين بحق التقاضي وحقوق الدفاع، بمعنى أنهما ينظمان حقاً من حقوق الإنسان (قرار رقم 817 بتاريخ 19/10/2011).
ولما كان الأمر كذلك، وكانت حقوق الإنسان تتميز بعدة خصائص، إذ تعتبر قيداً على سيادة الدولة، وذات صبغة موضوعية عالمية، وتتمتع بقوة إلزامية، وتمنح للفرد حقوقاً دولية بطريقة مباشرة، فلا يجوز أن تكون محل تصرفات قانونية من بيع وشراء وتوريث، ولها طبيعة شمولية غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن انتزاعها، حسبما جاء في القرار الصادر بتاريخ 13/05/2018 عن مجلس جنيف لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فإن مؤدى ذلك كله أن حقوق الإنسان تحتل حيزاً مركزياً في دولة القانون. ومن ثم، فإن المشرع المغربي ملزم بالاسترشاد بالحقوق والحريات المنصوص عليها دستورياً، حتى يكتسب فعلاً قانون المحاماة الشرعية الدستورية، بسبب المكانة المميزة التي تكتسبها القوانين المتعلقة بحقوق الدفاع والحق في التقاضي، المحصنة دستورياً، والتي لا يمكن للقانون المذكور أن يحظى بتلك الشرعية إلا عن طريق إخضاعه للرقابة المخولة للمحكمة الدستورية، سيما وأن النص قد أُحيل على الأخيرة لهذه الغاية من طرف رئيس مجلس النواب، علماً أن قرينة الدستورية افتقدها القانون الحالي إثر هذه الإحالة، من جهة، وحينما عمدت الحكومة إلى نشره بالجريدة الرسمية دون اكتراث بوجوب استكمال الإجراءات الكفيلة بتمكين المحكمة الدستورية من أداء دورها الرقابي السابق الذي أصبحت مطوقة به بفعل الإحالة المشار إليها، تحت طائلة فقدان الشرعية الدستورية من جهة أخرى..
فمؤدى ما سلف ذكره من عوار أحاط بإعداد ونشر القانون الحالي للمحاماة أن يجعله منعدماً من الشرعية الدستورية، التي تعني، حسب الفقه الدستوري الراجح، «تقيد السلطات بقواعد الدستور ولا تحيد عنها لكونها هي مصدرها ونشأتها، فإن خالفتها تفقد سبب نشأتها وقانونيتها بل، والأخطر من ذلك كله، أن الحكومة عمدت إلى نشر القانون المذكور مع أنه، من جهة أولى، فإن القضاء الدستوري لم يستكمل دوره في مراقبة مدى مطابقته لأحكام الدستور ومضامينه المتعاقد عليها، مع أنه، من جهة ثانية، يعتبر القضاء المذكور ضمانة كبرى لتكريس «دولة القانون» وحارساً للشرعية، فيمنع طغيان الاستبداد التشريعي، ومن جهة ثالثة وأخيرة، فإن هذا القضاء، الذي اعتبره البعض من الفقه الدستوري سلطة رابعة، يراقب بكل يقظة وحزم تحقيق مبدأ المشروعية، تحت طائلة التصريح بعدم دستورية القانون محل المراقبة المجهضة، أي قانون المحاماة.”
من المعلوم أن أهم الضمانات التي نص عليها الدستور عدم قابلية مراجعة الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور، وهو ما يعني، من باب التبعية، عدم جواز تضمين نص قانوني بحجم وثقل القانون سالف الذكر مراجعات هامة للمكتسبات التي كرسها القانون السابق للمهنة، حتى لا يقع المساس بالمبدأ الدستوري القائل بوجوب تكريس الحماية المستدامة للحقوق وهو ما يمنح للمعركة التي يخوضها المحامون قوة إضافية في دفاعهم عن الشرعية الدستورية، ومطلبهم الأساسي للإطاحة بتشريع مستبد، هو سحب القانون المذكور، الذي فرض هندسة قانونية محكمة تغل يد جبهة صامدة منذ عقود، تمارس دورها المعترف به قانوناً في الدفاع عن حقوق الإنسان، وذلك عبر إعادة ترسيمها.
