التنظيم الذاتي للصحافة واستعادة زمام المبادرة

التنظيم الذاتي للصحافة واستعادة زمام المبادرة

جمال المحافظ

         في 15 شتنبر 2026 تجرى انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين، بالمجلس الوطني للصحافة، وذلك بناء على  قرار اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة  أصدرته في 10 غشت 2026، بشأن تحضير وتنظيم انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين وانتداب ممثلي الناشرين .

ويبلغ عدد المترشحين في هذه الانتخابات التي تجرى وفق نمط الٌاقتراع الفردي في دورة واحدة 39 مترشحة ومترشحا، مرتبين بحسب تاريخ وتوقيت إيداع طلبات الترشيح. وكانت عملية إيداع التصريحات بالترشح لهذه الانتخابات قد انتهت في 28 غشت الماضي بعدما انطلقت في  24 من الشهر الماضي . كما نشرت اللجنة لائحة بأسماء الناخبين المسجلين في انتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين. وبشأن ممثلي الناشرين، حددت اللجنة المؤقتة أجل إيداع ملفات ترشح المنظمات المهنية للمشاركة في عملية الانتداب من فاتح إلى خامس شتنبر 2026.

رفض ومشاركة !!

 وتجرى انتخابات المجلس الوطني للصحافة التي تتزامن مع اجراء الانتخابات التشريعية في 23 شتنبر الجاري، وفق الشروط المنصوص عليها في القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة الذي صادق عليه البرلمان بالأغلبية، رغم المعارضة الواسعة التي لقيها من غالبية الهيئات النقابيّة الممثلة للصحافيين والناشرين والمنظمات الحقوقية وفاعلين سياسيين ومدنيين أجمعت على رفضها له، على الرغم من عدد منها قرر ” المشاركة المتحفظة والنضالية ” في  انتخابات المجلس والتي منها من وصفت المشاركة فيها بأنها ، ” معركة ميدانية متواصلة من داخل المؤسسة لقطع الطريق أمام محاولات الاختطاف والهيمنة وضمان استقلالية التنظيم الذاتي للمهنة “، كما  أعلنت النقابة الوطنية للصحافة المغربية  في بلاغ لمجلسها الفيدرالي. 

 وبغض النظر عن كافة هذه المواقف والآراء التي رافقت طرح وإقرار قانون إعادة تنظيم هذا المجلس، وما أثاره من جدل، فإنه  من المفيد استحضار في ظل استحقاقات  ” انتخاب وانتداب” أعضاء المجلس الوطني للصحافة في حلته الجديدة، تجربة ” الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير ” التي تعد إحدى أشكال التنظيم الذاتي المدني المستقل، الذي كان ثمرة مسار طويل من النقاش والتواصل.  

إحداث هذه الهيئة التي تأسست في 19 يوليوز 2002 بالرباط، شكل آنذاك، حدثا بارزا في تاريخ الصحافة والاعلام ليس فقط على المستوى الوطني المغربية بل عربيا وإفريقيا، وذلك بالنظر لأهميتها كإطار مستقل، يكون قادرا من جهة على المساهمة في تطوير الأداء المهني، والدفاع عن حرية التعبير في نفس الوقت، لأن أخلاقيات مهنة الصحافة وحرية التعبير وجهان لعملة واحدة ولا تناقض بينهما. 

ذاكرة الأخلاقيات

وشكل تأسيس هذا الإطار المدني الذي استلهم تجارب الدول الديمقراطية، مرحلة متطورة في مجال أخلاقيات المهنة، وتقدما نحو معالجة هذه المسألة باستقلالية وبطريقة أكثر نجاعة، وانطلاقا من تعهدات والتزامات الصحفيات والصحافيين، يعملون بأنفسهم على وضعها واحترامها في نفس الوقت، ودون إتاحة الفرصة لأطراف خارج المهنة، لإيجاد تبريرات وتوجهات تتناقض مع مبادئ حرية التعبير.

فتشكيل هذه الهيئة التي تتمثل وظيفتها الأساسية في رصد الاختلالات المهنية، وتقويم الأداء الصحافي، والتصدي التلقائي في نفس الوقت للانتهاكات التي تطال حرية الصحافة والتعبير، تطلب جهدا ووقتا طويلين ونقاشا عميقا ومسؤولا، بناء على طموح تأسيس إطار مستقل، يختاره الصحفيون المهنيون بطواعية، وينشدون بطواعية أن تمثل فيه الهيئات الحقوقية الأكثر حضورا ومصداقية لدى الرأي العام، باعتبار أن معالجة قضايا أخلاقيات الصحافة، مسؤولية مشتركة. 

حماية وتمنيع

وإجمالا فالهيئة كانت تتوفر على دورين رئيسيين: حمائي وجزائي، الأول يتمثل في حماية وتمنيع وتحصين الأداء المهني، فيما يتعلق الثاني (الجزائي)، برد الاعتبار للمستهدفين بكل تصرف قد يكون مخلا بأخلاقيات وآداب المهنة، مع تعهد الصحافيين، بناء على ذلك بمزاولة مهنتهم بكامل الدقة والموضوعية، والالتزام بحق الجمهور في الاطلاع على مختلف الأحداث والحقائق والآراء، بالمقابل ضمان حق الصحافة والصحافيين في الوصول الى مصادر الأخبار والحق في الحصول على المعلومات ومعالجتها بحرية، وتداولها وبثها بدون إكراه وعراقيل.

لقد استند عمل هذه الهيئة، على ميثاق للأخلاقيات الذي يستمد مقوماته من المبادئ الكونية لحقوق الإنسان، ومن بنود الدستور الذي ينص على حرية التعبير والرأي، ومن خلاله تجدد الصحافة إرادتها الراسخة والتزامها بمواصلة العمل من أجل تعزيز حرية الرأي والتعبير، وإقرار حق المواطن في إعلام تعددي حر ونزيه، قائم على قواعد احترافية عصرية

وإذا كان النظام الأساسي للهيئة وميثاقها، يؤكدان من جهة أخرى على أن الهيئة، ليست بديلا عن القضاء الذي لا يلغي ولا يحد من صلاحياتها، بوصفها إطارا مستقلا بذاته، فإن الهيئة، كانت غير تابعة لأية جهة سياسية أو حزبية، ولا لأية وصاية حكومية أو طرف من أي جهة كانت. وتتألف الهيئة الوطنية المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير، من 23 عضوا منهم شخصيات مستقلة وممثلون عن الهيئات الصحافية المهنية والمنظمات الحقوقية والثقافية والمجتمع المدني.

تنظيم واستقلالية

لقد كان من بين أسباب تعثر هذه الهيئة المستقلة التي ضمت شخصيات مستقلة، وصحافيات وصحافين وناشرين وممثلين عن المنظمات الحقوقية وهيئات من المجتمع المدني، طرح مشروع المجلس الوطني للصحافة سنة 2007. وعلى الرغم من التحولات التي عرفها المشهد الصحافي والإعلامي، فإن سؤال الاستقلالية والمصداقية بين هيئة اختارت – قبل دستور 2011 – أن تتشكل كاطار مدني، وبمبادرة وإرادة خالصة من المهنيين، في أحضان المجتمع المدني و مجلس وطني للصحافة، تأسس بموجب قانون، يظل مطروحا وبحدة، لضمان ممارسة الصحافة لرسالتها النبيلة في خدمة الصالح العام، مع احترام أخلاقيات المهنة وحرية الصحافة.

إن الأمر لا يقتصر على طرح إصلاح قانون المجلس الوطني للصحافة مستقبلا فقط، بل يتعين بصفة عامة العمل على إدخال اصلاح عميق على مدونة الصحافة والنشر برمتها، أي  قانون الصحافة والنشر العمود الفقري لهذه المدونة، والنظام الأساسي للصحافيين المهنيين والمجلس الوطني للصحافة.

ان انتخاب أعضاء جدد بالمجلس الوطني للصحافة، وبغض النظر عن كافة المواقف والآراء التي رافقت طرح وإقرار قانون إعادة تنظيم هذا المجلس، فإن المطلوب أن لا يقتصر مستقبلا على طرح إصلاح قانون المجلس فقط بل يتعين الترافع مستقبلا من أجل اصلاح مدونة الصحافة والنشر برمتها والتي تتضمن كلا من قانون الصحافة والنشر – العمود الفقري للمنظومة ) والنظام الأساسي للصحافيين المهنيين والمجلس الوطني للصحافة.

أفق جديد

إن من شأن تحيين المطالب والآراء التي عبرت عنها المنظمات المهنية والحقوقية والعديد من الفاعلين والخبراء في مجال الصحافة والنشر، خلال المسار الذي قطعه القانون رقم 09.26 ،مع الاستفادة  من مقترحات وتوصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بهذا الشأن.

وعلى الرغم من بعض التباينات في الآراء والمواقف خلال مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، يظل رهان الاستقلالية والمصداقية مطروحا، ليس فقط بالنسبة للصحافة والصحافيين ولكن لدى المجتمع وعن صورة البلد في مجال حرية التعبير والاعلام وفي مقدمتها حرية الصحافة كما هو متعارف عليها عالميا.
إن النقاش حول مجلس الصحافة يتعين أن يحوله كافة الفاعلين، بمختلف مستوياتهم إلى فرصة حقيقية يترفع فيها الجميع عن المصالح الآنية والذاتية من أجل فتح أفق جديد، يستند على نقاش عمومي هادئ حول قضايا الصحافة والإعلام، وكذلك مع البحث عن السبل الكفيلة باستعادة هذه القطاع الحيوي توهجه، والذي أضحى نتيجة المتغيرات التكنولوجية، سلطة أولى تفوق كافة السلطات مع العمل على تجاوز الخلافات والاتفاق على قواسم مشتركة تمكن من إعادة المصداقية المفقودة في قطاع يعاني أصلا من الهشاشة، وبتراجع في منسوب ثقة الرأي العام.

 كما أن الأمر، يتطلب فتح حوار مسؤول تشارك فيه كافة أطراف المشهد الإعلامي الوطني بدون اقصاء وتهميش، ويكون مناسبة لتطارح كل القضايا في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها وسائل الإعلام والتي يتطلب توفير بيئة حاضنة تتوفر فيها شروط الحرية الرئة التي تتنفّس بها الصحافة والإعلام.

شارك هذا الموضوع

جمال المحافظ

باحث متخصص في شؤون الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!