جمال العسري.. هل ينجح “الصوت المختلف” في إيقاظ الثقة السياسية لدى المغاربة؟
د. محمد لشقر
منذ أسابيع، بل منذ أشهر، تحتل الانتخابات التشريعية صدارة أجندة الأحزاب السياسية المغربية. وبعض هذه الأحزاب لا يبدو أنها تتذكر المواطنين إلا مع اقتراب المواعيد الانتخابية، وكأن السياسة، بالنسبة إليها، ليست سوى بضعة أسابيع من الحملات الانتخابية المتشابهة كل خمس سنوات.
حتى الآن، بدت لي هذه الحملة الانتخابية باهتة على نحو خاص. الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوعود نفسها، وفوق ذلك كله تلك اللغة الخشبية التي تنتهي إلى إبعاد المواطنين عن السياسة أكثر مما تقرّبهم من الشأن العام.
أما الأعيان، فكانوا يبحثون عن مواقع لهم داخل الأحزاب التي قُدّمت باعتبارها الأوفر حظاً، وسط إعادة تشكيل متواصلة لخريطة حزبية أصبحت عصية على الفهم بالنسبة إلى كثير من المغاربة.
ثم، وبشكل كاد أن يفاجئ الجميع، ظهر وجه جديد. وارتفع صوت مختلف.
إنه جمال العسري. أستاذ بمدينة طنجة، والأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد منذ نوفمبر 2023، حين خلف نبيلة منيب بعد ولايتين على رأس الحزب. ولا تزال منيب، رغم ذلك، إحدى الشخصيات البارزة في الحزب الاشتراكي الموحد، وفي عائلة اليسار المغربي عموماً.
في بضع إطلالات تلفزيونية، ثم من خلال لقاءاته الجماهيرية، نجح العسري في لفت الانتباه بأسلوب يختلف عن أسلوب عدد كبير من المسؤولين السياسيين الذين اعتاد المغاربة على رؤيتهم وسماعهم.
أول ما يلفت فيه هو صراحته.
فهو يدافع عن خطاب يريد له أن يكون متحرراً من اللغة الخشبية، ويعلن بوضوح مواقف لا تحضر كثيراً في الخطاب السياسي السائد. ومن بين ما يدافع عنه تصورٌ للملكية الدستورية يكون فيه «الملك يَسود ولا يَحكُم»، أي يملك سلطة التتويج والرمزية الدستورية دون أن يمارس تدبير الحكومة.
كما يستعيد بعض المطالب التي رفعها حراك 20 فبراير سنة 2011، ومنها هذه العبارة التي أصبحت من شعاراته الرمزية: «لا مقدس إلا الشعب والوطن».
وفي تدخلاته، يذكّر أيضاً بأن بعض المكاسب السياسية والاجتماعية التي تحققت في المغرب جاءت نتيجة نضالات الشباب والحركات الاجتماعية والضغط الذي مارسته الشوارع.
ولعل ما يلفت الانتباه أيضاً هو التناقض بين محدودية إمكانات هذا الحزب اليساري الصغير وبين الحضور الجديد المتميز الذي اكتسبه بسرعة خلال هذه الحملة الانتخابية . فحزب ظل طويلاً يُنظر إليه باعتباره هامشياً في المشهد السياسي المغربي، وجد نفسه فجأة في قلب نقاشات تتجاوز بكثير حجمه الانتخابي.
وربما هنا تحديداً يكمن «ظاهرة العسري».
ففي غضون أسابيع قليلة، استطاع هذا السياسي أن يثير فضولاً يتجاوز بكثير حدود حزبه. طريقته في الكلام، وبساطته، وابتعاده الظاهر عن التحفظات المعتادة، ورغبته في تسمية الأشياء والمواضيع التي يتناولها بشكل مباشر، كلها عناصر خلقت دينامية جديدة حول تدخلاته وخطاباته.
ولم يكتفِ بالمدن الكبرى. وبإمكانات محدودة نسبياً، جاب البلاد، ووصل أيضاً إلى المدن الصغيرة والقرى والمناطق القروية، حيث التقى بالسكان وتحدث إليهم مباشرة.
ثم تولت شبكات التواصل الاجتماعي المهمة، ومنحت خطاباته انتشاراً كان من الصعب على حزب سياسي صغير أن يحصل عليه بالوسائل التقليدية.
ومن الضروري أيضاً وضع هذا الظهور في سياقه التاريخي داخل الحزب الاشتراكي الموحد. فهذا الحزب ينتمي إلى تقليد طويل لليسار المغربي، نشأ، من بين ما نشأ، من التحولات والانقسامات المتتالية لذلك اليسار الجذري الذي كان له حضور قوي في الجامعات المغربية في بداية سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يتعرض، شأنه شأن تنظيمات أخرى في تلك المرحلة، لقمع شديد في عهد الحسن الثاني.
وتساعد هذه الخلفية التاريخية على فهم استمرار بعض المطالب الديمقراطية في الخطاب الحالي للحزب.
لكن الأهم، في نظري، ربما يوجد في مكان آخر. ما حدث حول جمال العسري خلال هذه الحملة يكشف أن جزءاً من الجمهور المغربي لا يزال يصغي إلى خطاب سياسي مختلف، شرط أن يخرج هذا الخطاب من القوالب الجاهزة، وأن يجرؤ على تناول القضايا التي تثير الحرج والجدل.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن كل من اكتشف جمال العسري يتقاسم أفكاره. كما لا يعني أن حزبه أصبح فجأة يمتلك قوة انتخابية تتناسب مع هذا الحضور الجديد. فالحزب الاشتراكي الموحد يخوض بالفعل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر ضمن تحالف اليسار.
لكن بعيداً عن الرجل وحزبه، تبدو لي بعض الأسئلة جديرة بالطرح.
لماذا يجد هذا الخطاب صدى اليوم؟ ماذا ينتظر المغاربة فعلاً من طبقتهم السياسية؟ لماذا يظل عدد كبير من الشباب بعيداً عن الأحزاب السياسية؟ ولماذا يبدو الخطاب السياسي الرسمي، في كثير من الأحيان، منفصلاً عن الانشغالات اليومية وعن التطلعات الديمقراطية لجزء من المجتمع؟
هذه الأسئلة تتجاوز بكثير الحملة الانتخابية الحالية والمصير الانتخابي لحزب بعينه. إنها تمس شيئاً أعمق: علاقة المواطنين بالسياسة، وبالأحزاب، وبالإمكان نفسه في أن يكون لهم صوت مختلف ومسموع في الحياة العامة.
ولعل هذا تحديداً ما جاء ظهور جمال العسري في هذه الحملة ليذكّرنا به.
فالمجتمع الذي يبدو أحياناً بعيداً عن السياسة أو مصاباً بخيبة الأمل، ليس بالضرورة مجتمعاً غير مبالٍ بها. ربما هو فقط ينتظر أن يُخاطَب بطريقة مختلفة، وأن يستعيد الشعور بأن صوته له قيمة، وأن له، هو أيضاً، مكاناً يستحقه في الحياة العامة.
فبين الإحباط، والشكوى الدائمة، والرغبة في الرحيل، هناك طريق آخر: طريق الانخراط والمشاركة والإصرار على تغيير الأشياء حيث نعيش.
وحدها الأحداث الأخيرة في سبتة، التي أظهرت مرة أخرى إلى أي حد يمكن أن يصل اليأس لدى جزء من الشباب الذي يغريه الرحيل، كافية لكي تدفعنا إلى طرح هذه الأسئلة.
لذلك، قد لا يكون السؤال فقط هو كم من الأصوات سيحصل عليها جمال العسري وحزبه. السؤال الأعمق هو: هل يمكن لصوت سياسي مختلف، جريء وذكي، أن يساهم في إيقاظ مجتمع لا يطلب، ربما، سوى استعادة الثقة في قدرته على الفعل، وعلى المساهمة في صناعة تغيير حقيقي؟
* النص كتب في الأصل بالفرنسية ونشر في جريدة Mediapart
