الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب.. قراءة في البرامج الانتخابية (14)
الثقافة بين «الجبهة» و«التحرر»: قراءة في الأدبيات الفكرية والسياسية لحزب النهج الديمقراطي العمالي
المختار العنقا الإدريسي
الاستهلال الأولي:
- ارتأينا أن نتوقف عند تجربة مغايرة لما تقدم، وأن نخصص محطة مستقلة لحزب النهج الديمقراطي العمالي في هذه القراءة، لكن بمنهج مختلف عما سبق؛ فلا نسائله عن «برنامجه الانتخابي» لأنه يقاطع استحقاق 23 شتنبر 2026، بل نسائله عن الثقافة كما تتأسس في أدبياته الفكرية والسياسية العامة.
- منطلقين مما أعلنته لجنته المركزية رسمياً في 30 يونيو 2026 عن قرار المقاطعة، وربطه برؤيته لشروط الديمقراطية والعمل السياسي التحرري.
- ولن نتغافل عن الافتتاحية التي نشرها الحزب في 11 يونيو 2024 بعنوان بالغ الدلالة: “دور ومكانة الثقافة في التغيير”؛ وهي تكاد تمنحنا مفتاحاً مباشراً لقراءة موقع الثقافة في فلسفته.
الثقافة في قلب التغيير: من الوعي إلى التحرر عند حزب النهج الديمقراطي العمالي
في البدء ينبغي أن ننطلق في هذه المحطة المختلفة عن سابقاتها اختلافاً جوهرياً، معلنين أننا لا نبحث عن الثقافة داخل برنامج انتخابي لحزب مشارك في الاستحقاق التشريعي لـ23 شتنبر 2026؛ فالنهج الديمقراطي العمالي اختار مقاطعة هذه الانتخابات، وقدم موقفه باعتباره جزءاً من تصور سياسي أوسع للتغيير الديمقراطي الشعبي. ولذلك فإن مساءلته ثقافياً ينبغي أن تنطلق من أدبياته العامة ومن تصوره الفكري والسياسي للتغيير.
وهنا نجد أنفسنا أمام حالة لافتة؛ لأن الحزب لم يكتفِ بذكر الثقافة عرضاً، بل نشر في يونيو 2024 نصاً خاصاً بعنوان: “دور ومكانة الثقافة في التغيير” – كما سبق وأشرنا إلى ذلك – وفيه يعلن بوضوح أن التغيير الذي ينشده لا يمكن تصوره من دون (الجبهة الثقافية) والعمل المتواصل من أجل حضور مصالح وأهداف الطبقة العاملة ورؤيتها لمجتمع المستقبل. ومن هنا يبدأ السؤال: إذا كانت الثقافة جبهة من جبهات التغيير، فما نوع الثقافة التي يريد النهج الديمقراطي العمالي أن يجعلها أداة لبناء المجتمع الجديد؟
1 : الثقافة ليست زينة فوق المجتمع
في هذه الرؤية لا تأتي الثقافة في نهاية سلم الأولويات بعد الاقتصاد والسياسة؛ إنها جزء من الصراع الاجتماعي نفسه. فالحزب ينطلق من أن الطبقات السائدة لا تهيمن فقط على الاقتصاد ومؤسسات السلطة، وإنما تهيمن أيضاً على جزء من الفضاء العام، بما فيه الإعلام والمسارح ودور الثقافة.
وتبقى هذه نقطة مركزية في فهم فلسفته الثقافية؛ لأن المشكلة في تصوره ليست أن الثقافة مهملة فحسب، بل إن الفضاء الثقافي نفسه يمكن أن يصبح مجالاً لإعادة إنتاج الهيمنة. ومن هنا تنتقل الثقافة من السؤال عن: “ماذا تنتج الدولة من ثقافة؟” إلى سؤال أكثر جذرية: فمن يملك القدرة على إنتاج الثقافة؟ ومن يملك المنابر التي تصل بها الثقافة إلى المجتمع؟
2 : الثقافة بوصفها وعياً
عادة ما يحتل الوعي موقعاً مركزياً في التصور السياسي للنهج الديمقراطي. ويفترض التغيير – كما تشرح أدبياته – أن تكتسب الطبقات الاجتماعية المعنية به وعياً بضرورة التغيير وبكيفية خوض النضال من أجله. وهنا تصبح الثقافة أكثر من إنتاج جمالي، وتتحول إلى إحدى وسائل بناء الوعي. فالكتاب والصحافة، والمسرح والسينما، والشعر والأغنية، والفنون الشعبية… يمكن أن تصبح كلها أدوات لإنتاج وعي جديد.
ومن ثَمَّ: فالثقافة عند «النهج» ليست فقط ما يقرأه الإنسان أو يشاهده، بل إنها أيضاً الطريقة التي يتعلم بها أن يرى واقعه. وهو تصور شديد الارتباط بالمرجعية الماركسية التي تشكل أحد روافد الحزب الفكرية والتاريخية. وقد أكد الحزب في أدبياته على استمرار ارتباطه بالإرث الفكري والسياسي والكفاحي للحركة الماركسية اللينينية المغربية، مع الحديث عن تطويره في ضوء الظروف الجديدة.
3 : الجبهة الثقافية… هي التعبير الأكثر دلالة
قد لا توجد عبارة تختصر تصور الحزب للثقافة أكثر من القول بـ «الجبهة الثقافية». فحين يستخدم الحزب هذا التعبير، فهو لا ينظر إلى الثقافة باعتبارها مجالاً محايداً منفصلاً عن الصراع الاجتماعي؛ فهي عنده ميدان من ميادين الصراع على الإنسان والوعي والمستقبل. وهو ما يفسر دفاعه عن المثقفين التقدميين، وعن حرية التعبير والإبداع، وعن توفير فضاءات بديلة أمامهم.
وهنا ينبغي أن نسأل: هل الثقافة التي تدخل (الجبهة) تستطيع أن تبقى حرة في نقد الجميع، بما في ذلك القوى التي تزعم تمثيل التغيير؟ وهو سؤال لا يخص حزب النهج وحده، لأنه سؤال موجه لكل مشروع يريد للثقافة أن تكون أداة تغيير: فكيف نجمع بين الالتزام السياسي وحرية الإبداع؟
4 : المثقف… من شاهد على المجتمع إلى فاعل في تغيير
تمنح أدبيات النهج الديمقراطي العمالي للمثقف التقدمي مكانة واضحة؛ فالمثقف في هذه الرؤية ليس مجرد مراقب للصراع الاجتماعي، إذ يمكن أن يكون جزءاً من القوى التي تصنع التغيير. وهذا – طبعاً – يفسر حديث الحزب عن التضييق الذي يتعرض له المثقفون التقدميون، وعن ضرورة فك العزلة عنهم وتمكينهم من فضاءات التعبير والتواصل مع الجمهور.
لكن هنا تبرز قضية أخرى تستحق المساءلة: فهل وظيفة المثقف تنحصر في أن يكون صوتاً للحزب والطبقة، أم أن يكون صوتاً مستقلاً للضمير النقدي؟ فاليسار تاريخياً احتاج إلى المثقف، والمثقف احتاج أيضاً إلى استقلاله؛ لأن الثقافة التي تفقد استقلالها النقدي يمكن أن تتحول، حتى وهي ترفع شعارات التحرر، إلى ثقافة وظيفية. وتبقى هذه واحدة من أعقد معادلات الثقافة السياسية.
5 : الثقافة الشعبية… هي الذاكرة التي لم تستسلم
من اللافت أن نص الحزب حول الثقافة لا يحصرها في الكتاب والمثقفين، بل يستحضر تاريخ الثقافة المناضلة والبديلة، ويذكر ضمن تجلياتها: الأغنية والمسرح والسينما والرقص والفنون التشكيلية والرواية والشعر؛ وهي ليست ملكاً للنخب وحدها.
ومن هنا يمكن للنهج أن يلتقي مع مفهوم أوسع للثقافة الشعبية؛ لأنها ليست ما ينتجه المثقف وحده، بل إنها أيضاً ما ينتجه الناس عن حياتهم اليومية وتجاربهم ومقاومتهم. وهنا ينفتح أمامنا باب آخر لقراءة الثقافة المغربية من أسفل، لا من أعلى فقط.
6 : الثقافة والطبقة العاملة
فالحزب يعلن أنه لا يتصور التغيير الثوري دون الجبهة الثقافية، ويربط ذلك بحضور مصالح الطبقة العاملة ورؤيتها لمجتمع المستقبل. وعليه فإن السؤال الثقافي يبقى مرتبطاً عنده بالسؤال الطبقي، ويقودنا في الوقت نفسه إلى سؤاله الآخر: فهل توجد اليوم (ثقافة عمالية) بالمعنى الذي كان سائداً في القرن العشرين؟
لقد تغير عالم العمل، وظهرت أنواع جديدة من الخدمات، وتطور الاقتصاد الرقمي، والعمل عن بعد والمنصات، وصاحب كل ذلك العمل المؤقت والاقتصاد غير المهيكل، وفئات واسعة من الشباب الذين لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جزءاً من (طبقة عاملة) بالمعنى التقليدي. ولعله الأمر الذي يجعلنا نسأل: هل تحتاج الثقافة العمالية إلى إعادة تعريف نفسها حتى تخاطب هذه الفئات الجديدة؟
7 : الثقافة والتحرر
وتبقى الغاية النهائية في تصور «النهج» ليست هي تحسين شروط النظام القائم فقط، بل تتلخص في القول ببناء مجتمع يتخلص فيه المواطن من الاستغلال والاضطهاد. ونجد هنا أن النص الثقافي للحزب يتحدث عن مجتمع “تحرر الإنسان من الاستغلال والاضطهاد” وعن “المنتجين الأحرار والمبدعين المتحررين من إكراهات الحاجة”.
فيصل بنا – حزب النهج – إلى واحدة من أكثر الأفكار أهمية في وثيقته تلك: وهي أن الثقافة ليست نتيجة للتحرر فقط؛ إنها وسيلة الوصول إليه. فقد يتحرر الإنسان اقتصادياً، لكنه إن ظل عاجزاً عن التفكير والتعبير والإبداع لم يكتمل تحرره. وبذلك تصبح الثقافة جزءاً من تحرير الإنسان نفسه.
8 : فهل الثقافة مجرد أداة للصراع؟
إن النظر إلى الثقافة بوصفها (جبهة) – كما يرى الحزب – يمكن أن يمنحها قوة سياسية، وقد يحمل ذلك أيضاً خطراً: فإذا اختزلنا الثقافة في وظيفتها النضالية، فماذا عن الجمال… الحب… الخيال… الترفيه… والفن الذي لا يحمل أي رسالة سياسية مباشرة؟ وماذا يمكن اعتبار الرواية التي لا تناضل إلا من أجل الإنسان في معناه الواسع؟ ثم أليس من باب أولى أن نترك للثقافة مجالها الرحب؟ خاصة وأن الثقافة التي لا تملك إلا رسالة سياسية واحدة قد تفقد قدرتها على تمثيل تعقيدات الإنسان.
ولذلك فإننا سنكون في مواجهة سؤال من نوع آخر: هل يريد حزب النهج ثقافة مناضلة فقط ويسعى إليها، أم يبتغي ثقافة حرة تستطيع أن تكون مناضلة حين تقتضي الضرورة، وحرة حين يحتاج المجتمع إلى الحلم والجمال؟
9 : حرية التعبير والإبداع… شرط سابق للتغيير
في نصه حول الثقافة، يدافع الحزب صراحة عن حرية التعبير والإبداع والتواصل مع الجمهور، ويربطها بالدفاع عن المثقفين التقدميين. وهو أمر مهم جداً؛ لأن أي مشروع تحرري يفقد معناه إذا لم يكن مستعداً لحماية حق الاختلاف في التعبير. ناهيك عن أن الثقافة لا تزدهر في بيئة يخشى فيها الكاتب من السؤال، ولا يزدهر المسرح إذا كان المخرج مطالباً بتقديم الإجابة قبل طرح السؤال، ولا تزدهر السينما إذا تحولت إلى خطاب دعائي.
وتأسيساً عليه يمكن القول: إن حرية الإبداع ليست امتيازاً للمثقف؛ إنها أحد شروط التعبير داخل كل مجتمع حر.
10 : الثقافة والسلطة
إذا كان حزب النهج ينطلق من نقد الاستبداد والهيمنة، فإن الثقافة تصبح جزءاً من سؤال السلطة: فمن يحدد المناهج والبرامج الثقافية؟ ومن ينظم الدعم والإعلام والفضاءات الثقافية؟ ومن يقرر ما الذي ينبغي أن يصل إلى الجمهور؟ وتبقى هذه جميعها أسئلة ثقافية، لكنها في الوقت نفسه أسئلة سياسية.
وهنا تختلف مقاربة حزب النهج عن المقاربة التي ترى الثقافة مجرد قطاع إداري تابع للوزارة. فإذا كانت هذه الأخيرة هي من تدير المؤسسات، فإن المجتمع هو الذي ينتج الثقافة، وتبقى الدولة الضامن الأساسي لشروط الحرية والوصول والعدالة الثقافية.
11 : الثقافة والدولة… ما الذي ينبغي أن يتغير؟
إذا انتقلنا من نقد الواقع إلى سؤال البديل، نجد أنفسنا أمام مسألة دقيقة:
- ما موقع الدولة في المشروع الثقافي الذي يتصوره النهج؟
- هل الدولة هي المنتج الرئيسي للثقافة؟ أم أنها الممول والضامن؟ أم تغدو منظماً فقط؟
- أم أن المجتمع نفسه ينبغي أن يستعيد جزءاً كبيراً من المجال الثقافي؟
واعتماداً على ما سبق، نجد أن منطق (الجبهة الثقافية) يوحي بأهمية المجتمع المدني والثقافي البديل، غير أن تحويل هذا التصور إلى سياسة عمومية يبقى في أمس الحاجة إلى مزيد من التأمل والتفصيل؛ لأن الثقافة تحتاج إلى المال… البنيات… المدارس… المكتبات… المتاحف… المسارح… وتحتاج أيضاً إلى الاستقلال عن السلطة السياسية. وهنا تكمن المعادلة الصعبة: فكيف يتحقق دعم الدولة دون وصايتها؟
12 : الثقافة الرقمية… والجبهة الجديدة؟
إذا كانت الثقافة في الماضي تتحرك عبر أقنية منها: الجريدة، الكتاب، المسرح، الجمعية؛ فإنها اليوم تتحرك أيضاً عبر: الهاتف، المنصات، الشبكات الاجتماعية، الفيديو، الذكاء الاصطناعي… وهذا يسهم في تغيير طبيعة الصراع الثقافي نفسه.
فلم يعد السؤال منحصراً في: من يملك المسرح؟ بل تحول إلى: من يملك المنصة؟ ولم يعد منصباً على: من يطبع الكتاب؟ بل صار يوجه إلى البحث عن: من يملك الخوارزمية التي تقرر ماذا يرى المواطن؟
وهذا كله يفرض على أي (يسار معاصر) أن يعيد التفكير في تعريف مفهوم الهيمنة الثقافية؛ لأنها قد لا تأتي اليوم من المؤسسة الرسمية فقط، فقد تأتي من المنصة التجارية… من الخوارزمية… من اقتصاد الانتباه… وهو ما يدعونا إلى القول بإن الحاجة إلى تجديد الأدبيات الثقافية باتت أكثر إلحاحاً وملاءمة للعصر.
13 : الثقافة والتعليم… من أجل إنتاج المواطن(ة) الجديد
إذا كان النهج يريد تغيير المجتمع، فإن المؤسسة التربوية – بمختلف درجاتها – تصبح بالضرورة إحدى ساحات الصراع الثقافي. لكن السؤال لا ينحصر فقط في: كيف نغير المناهج؟ بل يتجاوز ذلك ليصل إلى تحديد مواصفات المتخرج من كل سلك تعليمي على حدة. ومنه يتبلور السؤال عن: أي مواطن(ة) نريد أن تخرجه المدرسة؟ هل هو إنسان مطيع؟ أم إنسان نقدي؟ مستهلك؟ أم منتج للمعرفة؟ متلقٍ أم مشارك في البناء المعرفي؟…
وهنا يمكن أن تتقاطع الرؤية اليسارية مع مفهوم واسع للديمقراطية التربوية: فيتعلم الطفل(ة) التفكير قبل أن يتعلم الامتثال، ويصبح التعليم أداة للتحرر، لا مجرد إعادة إنتاج للفوارق الاجتماعية.
14 : الثقافة في أدبيات حزب النهج… من “قطاع” إلى “جبهة”
وهنا تظهر خصوصية هذه التجربة الحزبية بوضوح؛ ففي عدد من البرامج الانتخابية التي قرأناها سابقاً، كانت الثقافة تظهر بوصفها: قطاعاً، أو حقاً، أو رافعة اقتصادية، أو عنصراً من عناصر الهوية. أما في أدبيات النهج الديمقراطي العمالي، فإنها تظهر باعتبارها: جبهة من جبهات التغيير. وهذا انتقال مهم جداً. فإذا كان البرنامج الانتخابي يسأل عادة: ماذا ستفعل الحكومة؟ فإن الأدبيات الثورية جميعها تسأل: كيف يتغير المجتمع؟ وتبقى الثقافة، وفق ذاك التصور، جزءاً من آلية التغيير نفسها.
وقد ننتهي في هذه القراءة إلى مفارقة كبرى تستحق التوقف: فالنهج الديمقراطي العمالي يمنح الثقافة موقعاً فكرياً وسياسياً واضحاً نسبياً، غير أن وضوح الفلسفة لا يعني بالضرورة اكتمال السياسة الثقافية.
فحين نسأل:
- كم ستخصص من الموارد؟
- كيف ستدار المؤسسات الثقافية؟
- كيف ستنظم الصناعات الثقافية؟
- كيف ستتوزع البنيات؟
- كيف ستدعم القراءة؟
- كيف ستضمن العدالة الثقافية بين الجهات؟
- كيف ستواكب الذكاء الاصطناعي؟
- كيف ستدمج الأمازيغية والعربية واللغات الأجنبية؟
- كيف ستتعامل مع الاقتصاد الإبداعي؟
نجد أننا انتقلنا من سؤال الثقافة كجبهة إلى سؤال الثقافة كسياسة عمومية، وهنا لا ينبغي أن نخلط بين المستويين.
الخلاصة النقدية
النهج الديمقراطي العمالي: حين تصبح الثقافة جزءاً من مشروع تغيير المجتمع
إذا أردنا تلخيص موقع الثقافة في أدبيات النهج الديمقراطي العمالي، فإن العبارة الأقرب هي أن: الثقافة ليست هامشاً في التغيير؛ إنها إحدى جبهاته. فهو يربط التغيير بالوعي، ويربط הوعي بالثقافة، ويرى أن الفضاء الثقافي نفسه مجال للصراع الاجتماعي والسياسي. كما يدافع صراحة عن حرية التعبير والإبداع، وعن المثقفين التقدميين، وعن استعادة تقاليد الثقافة المناضلة والبديلة. لكن قوة هذه الرؤية تطرح عليها في الوقت نفسه أسئلة لا ينبغي تجاوزها:
- هل يمكن للثقافة أن تكون “جبهة” دون أن تتحول إلى أداة حزبية؟ ● هل يستطيع المثقف أن يكون مناضلاً ومستقلاً في الوقت نفسه؟ ● هل تكفي الثقافة المناضلة لبناء مجتمع المستقبل، أم أن المجتمع يحتاج أيضاً إلى ثقافة للحلم والجمال والاختلاف؟
ثم كيف تنتقل فكرة “الجبهة الثقافية” من الأدبيات السياسية إلى سياسة ثقافية عمومية؟ وهل أعاد حزب النهج، في زمن المنصات والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، تعريف معنى الهيمنة الثقافية؟
وتبقى هذه أسئلة لا تنتقص من أهمية الثقافة في أدبياته؛ بل على العكس، إنها تكشف أن النهج الديمقراطي العمالي يقدم لنا أكثر التصورات صراحة في تحويل الثقافة إلى قضية تغيير اجتماعي ضمن الأحزاب التي تناولناها إلى الآن. غیر أن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل الثقافة عند «النهج» وسيلة للوصول إلى المجتمع الجديد، أم أنها جزء من الحرية التي ينبغي أن يتمتع بها المواطن داخل ذلك المجتمع؟
ويبقى الفرق بين الجوابين بالغ الأهمية؛ فإذا كانت الثقافة مجرد وسيلة، فقد تفقد استقلالها. أما إذا كانت جزءاً من غاية التحرر نفسها، فإن الكاتب والفنان والمثقف لا يصبحون مجرد جنود في “جبهة”، وإنما يصبحون مواطنين أحراراً يشاركون في صناعة المجتمع الذي يريدون العيش فيه.
وهنا، ربما، تبلغ فكرة الثقافة التحررية مداها الأبعد، المتمثل في الانتقال من ثقافة تُغيّر الإنسان لكي يُغيّر المجتمع، إلى ثقافة تُحرر الإنسان لكي يصبح قادراً على تغيير المجتمع بنفسه.
وفي الختام، يبقى علينا أن نميز بين قوة التصور الفكري وبين مدى تحوله إلى سياسة ثقافية عمومية قابلة للتنفيذ. وبذلك لا تصبح مقاطعة انتخابات 2026 سبباً لإسقاط حزب النهج من وثيقة المساءلة، بل سبباً لتغيير أداة المساءلة التي اعتمدناها في قراءة برامج بعض الأحزاب المشاركة في الانتخابات التشريعية.
