اللغة الروسية في لبنان: من الحضور التاريخي إلى الحاجة لبناء مسار أكاديمي مستدام
د. زياد أسعد منصور
ليس السؤال عن موقع اللغة الروسية في الجامعات اللبنانية سؤالًا لغويًا صرفًا، ولا يمكن اختزاله في عدد الطلاب الذين يرغبون في تعلم لغة أجنبية إضافية، لأن موقع أي لغة داخل النظام الجامعي غالبًا ما يكون حصيلة تاريخ طويل من العلاقات السياسية والثقافية والمؤسسات التعليمية التي سبقت الجامعة الحديثة نفسها. ومن هذه الزاوية تبدو حالة الروسية في لبنان لافتة، إذ يصعب الحديث عن غياب العلاقات التاريخية مع روسيا، كما يصعب القول إن لبنان يفتقر إلى الذين درسوا الروسية أو تلقوا تعليمهم في جامعات الاتحاد السوفياتي سابقًا والجامعات الروسية لاحقًا، ومع ذلك لم تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى حضور جامعي يتناسب مع عمق تلك العلاقات وحجم الرصيد البشري الذي تكون خلال عقود.
ولا تتعلق المسألة بالروسية وحدها، بل تفتح سؤالًا أوسع عن الطريقة التي تشكلت بها الخريطة اللغوية في التعليم العالي اللبناني. فالجامعات لا تختار لغاتها دائمًا وفق حساب مجرد لحاجات سوق العمل، وإنما ترث جزءًا كبيرًا منها من التاريخ السياسي والثقافي للبلاد، ومن المؤسسات التي أنشأت المدارس والمطابع والكليات والمراكز الثقافية، ومن القوى التي استطاعت أن تحول علاقتها بلبنان من علاقة سياسية عابرة إلى حضور تعليمي يمتد عبر الأجيال.
من هنا يمكن النظر إلى موقع الروسية باعتباره جزءًا من تاريخ ثقافي لم يكتمل مؤسساتيًا، أكثر من كونه مجرد نقص في عدد مقررات اللغة.
من المبادرة إلى المؤسسة
تجربة الجامعة اللبنانية تقدم مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية. فاللغة الروسية لم تكن غائبة عنها، بل عرفت الجامعة محاولات فعلية لإدخالها ضمن برامجها الأكاديمية، ووضع مقررا «اللغة الروسية 1» و«اللغة الروسية 2»، وشارك أساتذة روس في مرحلة إعداد البرنامج التعليمي والاجتماعات المرتبطة بوضع مضمونه، كما كُلّف بعض الدكاترة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتنسيق اللغة الروسية، وشهد الفرع الثالث لكلية الآداب في طرابلس تجربة لافتة في تدريسها وإقبالًا طلابيًا كبيرًا، وكذلك في البقاع وبيروت.
ولم تتوقف الصلة الأكاديمية عند هذه التجربة، إذ ظهرت الروسية في مقررات وبرامج أخرى، ونشأ ماستر متخصص في العلاقات الروسية الشرق أوسطية وأوجه التفاعل، كما تطورت أشكال من التعاون مع جامعات روسية وعقدت دورات وبرامج لتعليم اللغة.
تكشف هذه التجارب أن السؤال لم يعد متعلقًا بإمكان إدخال الروسية إلى الجامعة، فقد حدث ذلك بالفعل، وإنما بسبب عدم انتقالها، حتى الآن، من مجموعة مبادرات وبرامج ومقررات إلى بنية أكاديمية تتمتع بالاستمرارية وتراكم الخبرة.
وهنا يظهر فارق أساسي في تاريخ المؤسسات التعليمية. فاللغة التي ترتبط بمبادرة أستاذ أو اتفاقية أو دورة قد تحقق نجاحًا كبيرًا في مرحلة معينة ثم تتراجع بتغير الظروف والأشخاص، أما عندما تصبح جزءًا من هيكل أكاديمي واضح فإنها تبدأ بإنتاج أساتذتها وباحثيها ومترجميها، ويتحول وجودها من تجربة مرتبطة بمرحلة إلى تقليد جامعي قادر على الاستمرار.
اللغات في لبنان ليست منفصلة عن التاريخ
لا يمكن فهم اللغة الفرنسية في لبنان من خلال عدد الناطقين بها فقط، كما لا يمكن تفسير انتشار الإنكليزية بالحاجة الاقتصادية الراهنة وحدها. فالفرنسية جاءت إلى المشرق ضمن تاريخ طويل من المدارس والإرساليات والمؤسسات الثقافية والعلاقات الفرنسية بالمنطقة، ثم تعزز موقعها في مرحلة الانتداب وأصبحت جزءًا من البنية التعليمية اللبنانية، بينما اتسع حضور الإنكليزية من خلال المؤسسات التعليمية الأنغلوسكسونية، قبل أن تتحول إلى اللغة الأكثر حضورًا في البحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي.
ولا يقلل هذا التاريخ من القيمة المعرفية لأي من اللغتين، بل يوضح حقيقة أكثر عمومية، بمعنى أن اللغة تصبح قوية عندما تجد المؤسسة التي تحملها عبر الزمن.
وينطبق الأمر نفسه، وإن بطرق مختلفة، على اللغات الأخرى الموجودة في التعليم الجامعي. فالفارسية لها مجالها التاريخي والثقافي، والدراسات التركية والعثمانية ضرورية للوصول إلى تاريخ المنطقة ووثائق قرون من الحكم العثماني، والسريانية والآرامية تفتحان أبوابًا على طبقات عميقة من تاريخ المشرق الديني واللغوي والحضاري، والألمانية تحمل تراثًا واسعًا في الفلسفة والاستشراق واللاهوت والعلوم الإنسانية، بينما أصبحت الإنكليزية أداة يصعب الاستغناء عنها للمشاركة في الإنتاج العلمي العالمي.
ولا تبدو الروسية غريبة عن هذا المنطق. فوجودها الأكاديمي لا يحتاج إلى أن يبرر نفسه بموقف سياسي معاصر، كما أن تدريس العثمانية لا يعني الحنين إلى الدولة العثمانية، وتدريس الفرنسية لا يعني تبني السياسة الفرنسية، وتعلم الفارسية لا يمثل موقفًا من السياسة الإيرانية. اللغة في الجامعة أداة للوصول إلى المعرفة قبل أن تكون علامة على علاقة سياسية.
الروسية لغة من لغات تاريخ المشرق أيضًا
ربما كان أحد أسباب ضعف حضور الروسية في الوعي الأكاديمي اللبناني أن صورتها ارتبطت في أذهان أجيال بالحرب الباردة والاتحاد السوفياتي ثم بالدولة الروسية المعاصرة، بينما تمتد علاقة روسيا بالمشرق إلى زمن أقدم بكثير.
منذ القرن التاسع عشر نشأت شبكة واسعة من العلاقات الروسية مع فلسطين وبلاد الشام، شملت الحج والمؤسسات الدينية والمدارس والبعثات والرحالة، والدبلوماسيين، والقناصل، والباحثين. وأنتج هذا الحضور كمية كبيرة من الوثائق والتقارير والرحلات والدراسات التي تتناول مدن المنطقة وقراها ومجتمعاتها ومدارسها وكنائسها، وحياتها الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.
وهنا تتحول الروسية من لغة دولة أجنبية إلى لغة مصدر من مصادر تاريخ المنطقة نفسها.
فالباحث في تاريخ المسألة الشرقية أو العلاقات الروسية العثمانية أو تاريخ فلسطين ولبنان وسورية أو الكنائس الشرقية أو التعليم في القرن التاسع عشر لا يستطيع الوصول إلى الصورة الكاملة إذا بقيت الوثيقة الروسية خارج قدرته على القراءة. وهو الوضع نفسه الذي يواجهه مؤرخ الحقبة العثمانية إذا لم يطلع ويعرف الأرشيف واللغة العثمانية، أو مؤرخ الانتداب الفرنسي إذا لم يستطع التعامل مع الأرشيف الفرنسي.
والمسألة تتجاوز التاريخ الدبلوماسي، لأن الأرشيف والكتابات الروسية تضم مادة تتعلق بالمجتمع والاقتصاد والتعليم والجغرافيا والإثنوغرافيا والآثار والكنائس والحياة اليومية، وهو ما يجعل تعلم الروسية أداة بحثية في تاريخ لبنان والمشرق، لا مجرد نافذة على تاريخ روسيا.
حضور روسي قديم لم يتحول إلى جامعة
هنا تظهر مفارقة تاريخية تستحق التوقف عندها. فقد امتلكت روسيا القيصرية حضورًا دينيًا وثقافيًا وتعليميًا مهمًا في المشرق، إلا أن الثورة الروسية سنة 1917 وانهيار الإمبراطورية أحدثا انقطاعًا عميقًا في جانب من الشبكات التي كانت قد نشأت قبل ذلك.
وعندما عاد الاتحاد السوفياتي إلى المنطقة في إطار مختلف، اتخذ الحضور التعليمي شكلًا آخر، تمثل بدرجة كبيرة في فتح الجامعات السوفياتية أمام الطلاب العرب وتكوين أعداد كبيرة من الأطباء والمهندسين، والعلماء، والباحثين، والمتخصصين. وقد كان لهذه التجربة أثر بالغ في مجتمعات عربية عديدة، وبينها لبنان، لكنها اعتمدت في جانب أساسي منها على انتقال الطالب العربي إلى المؤسسة التعليمية السوفياتية، أكثر من اعتمادها على بناء مؤسسة أكاديمية روسية متكاملة داخل لبنان.
واستمر شيء من هذا النموذج بعد انهيار الاتحاد السوفياتي؛ فالمنح موجودة، والجامعات الروسية تستقبل الطلاب، والاتفاقيات توقع، والأساتذة والوفود يتبادلون الزيارات، والمراكز الثقافية تنظم نشاطات ودورات، لكن هذه العناصر لم تلتق بعد في مؤسسة أكاديمية واحدة قادرة على تحويلها إلى تراكم مستمر.
ومن هنا يمكن فهم الفرق بين الحضور الروسي والحضور التعليمي الغربي في لبنان. فالمسألة ليست بالضرورة أن أحدهما كان أكثر اهتمامًا بالمنطقة من الآخر، وإنما أن بعض القوى نجحت في تحويل حضورها الثقافي إلى مؤسسات محلية مستمرة، بينما بقي جانب كبير من التجربة الروسية قائمًا على نقل الطالب إلى روسيا ثم إعادته إلى بلده بعد انتهاء الدراسة.
المنح: استثمار كبير ينتهي غالبًا عند عودة الخريج
تقدم الجامعات الروسية فرصًا ومنحًا دراسية مهمة للطلاب اللبنانيين، وفي بعض الاختصاصات تمثل هذه الفرص إمكانية حقيقية للحصول على تعليم متقدم وبناء تجربة لغوية وثقافية لا توفرها الدراسة المحلية. غير أن القيمة الأكبر لهذه المنح لا تظهر فقط في عدد الطلاب الذين يسافرون سنويًا، بل في السؤال عما يحدث للرصيد الذي راكموه بعد عودتهم.
فالطالب الذي يمضي خمس أو ست سنوات في جامعة روسية لا يعود حاملًا شهادة جامعية فقط، بل يعود أيضًا بلغة وتجربة ثقافية وشبكة علاقات ومعرفة بالمجتمع والمؤسسات الروسية. وإذا انتهت الصلة المؤسسية عند تسلمه الشهادة، فإن جزءًا مهمًا من القيمة التي أنتجتها المنحة يظل محصورًا في الفرد.
ولبنان يضم اليوم رصيدًا بشريًا تكوَّن على مدى عقود في جامعات الاتحاد السوفياتي السابق والجامعات الروسية. وبين هؤلاء أطباء ومهندسون وأكاديميون ومترجمون وباحثون ومتخصصون في مجالات مختلفة، إلا أن هذه الثروة البشرية لم تتحول بصورة كافية إلى شبكة أكاديمية قادرة على نقل خبرتها إلى أجيال جديدة.
ومن هنا يمكن تصور المنحة في إطار أوسع من الابتعاث نفسه، بحيث تصبح حلقة في دورة تبدأ بتعلم اللغة في لبنان، وتنتقل إلى الدراسة أو التدريب في روسيا، ثم تعود بالطالب إلى بيئة أكاديمية تستطيع الاستفادة من المعرفة التي اكتسبها. عندها يتحول الاستثمار في الفرد تدريجيًا إلى استثمار في المؤسسة.
الجامعة اللبنانية ومشكلة الحضور الوطني للثقافة الروسية
يقود ذلك إلى سؤال المؤسسة اللبنانية الأكثر قدرة على حمل مشروع من هذا النوع. وهناك جامعات خاصة لبنانية مهمة، وبعضها يمتلك خبرة كبيرة وإمكانات أكاديمية وبحثية تسمح بتطوير تعاون نوعي مع الجامعات الروسية، ومن الطبيعي أن تكون جزءًا من أي شبكة تعاون مستقبلية. غير أن الجامعة اللبنانية تتمتع بخصوصية مختلفة.
فهي ليست فقط أكبر مؤسسة جامعية عامة في البلاد، وإنما المكان الذي يلتقي فيه طلاب من مناطق وطوائف وطبقات اجتماعية مختلفة. وهذه الخاصية تجعلها مساحة مناسبة بصورة استثنائية لتحويل الدراسات الروسية من علاقة مرتبطة بجماعة أو مؤسسة معينة إلى جزء من الثقافة الجامعية الوطنية.
وتزداد أهمية هذه النقطة عند النظر إلى التاريخ الروسي في المشرق. فقد كان للعامل الأرثوذكسي والكنسي دور مهم في العلاقات الروسية التاريخية بالمنطقة، وما زال التعاون في اللاهوت والتاريخ الكنسي والمخطوطات والمسيحية الشرقية مجالًا غنيًا للبحث بين المؤسسات اللبنانية والروسية، إلا أن اختزال الحضور الأكاديمي الروسي بهذا المجال سيترك الجزء الأكبر من الإمكانات خارج الصورة.
فاللغة الروسية ليست لغة طائفة، والأدب الروسي ليس تراثًا مذهبيًا، كما أن العلوم الروسية والسوفياتية والفلسفة والتاريخ والعلاقات الدولية والاقتصاد والطب والهندسة والرياضيات والفيزياء لا يمكن إدراجها في إطار كنسي.
ومن هنا تبدو الجامعة اللبنانية مساحة طبيعية لتوسيع معنى العلاقة الروسية اللبنانية نفسها. فالطالب الذي يدرس الروسية فيها يمكن أن يأتي من طرابلس، أو بيروت، أو الجنوب أو البقاع أو جبل لبنان، ومن أي خلفية اجتماعية أو دينية، ويختار اللغة بسبب اهتمامه بالأدب أو التاريخ أو السياسة أو السياحة أو العلوم أو الترجمة أو فرص الدراسة.
عند هذه النقطة تنتقل الروسية من كونها عنصرًا في تاريخ علاقة روسيا بجماعة من جماعات المشرق إلى عنصر في علاقتها بالمجتمع اللبناني بمختلف مكوناته.
التعاون اللاهوتي جزء من مساحة أوسع
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية التعاون اللاهوتي، بل وضعه داخل إطاره الأوسع. فالعلاقات التاريخية بين بطريركية أنطاكية والكنيسة الروسية، والمخطوطات والتراث المسيحي الشرقي وتاريخ المؤسسات الروسية في المشرق، كلها ميادين أكاديمية تستحق برامج مشتركة وتحقيقات ودراسات وتبادلًا للباحثين.
لكن المجال نفسه يمكن أن يتسع أيضًا ليشمل الجامعات والمؤسسات الكاثوليكية وغيرها، لأن دراسة تاريخ المسيحية الشرقية والعلاقات بين الكنائس لا تحتاج إلى أن تعيد إنتاج الانقسامات التاريخية التي تدرسها.
وبجانب الدراسات اللاهوتية يمكن أن توجد مسارات للأدب والترجمة والتاريخ والعلوم السياسية والعلاقات الدولية والاقتصاد، والسياحة، والعلوم، والتكنولوجيا. وبهذا يصبح التعاون الديني أحد فروع مشروع معرفي متعدد الاختصاصات، لا العنوان الذي تختصر فيه العلاقة كلها.
المراكز الثقافية الروسية والحلقة المفقودة بين الثقافة والجامعة
قامت المراكز الثقافية الروسية، بأشكالها المختلفة، بدور مهم في التعريف باللغة والأدب والفنون والثقافة الروسية وفي توفير دورات تعليمية وخلق مساحة للتواصل. لكن طبيعة المركز الثقافي تضع بطبيعتها حدودًا لما يستطيع القيام به، لأن إعداد مترجم متخصص أو باحث في الأدب الروسي أو مؤرخ قادر على العمل في الأرشيف يحتاج إلى سنوات من التعليم المنتظم وإلى مقررات وأرصدة وإشراف أكاديمي ومكتبات وبرامج للدراسات العليا.
ومن هنا يمكن أن تتطور وظيفة المركز الثقافي من مؤسسة تقدم نشاطًا مكتفيًا بذاته إلى حلقة تصل الطالب بالجامعة. فالدورة الأولى في اللغة يمكن أن تفتح الطريق إلى مستوى جامعي أعلى، والطالب المتقدم يمكن أن ينتقل إلى برنامج تبادل أو منحة، والأنشطة الثقافية يمكن أن ترتبط بمقررات الأدب والتاريخ والترجمة.
بهذا المعنى لا يفقد المركز الثقافي وظيفته، بل تصبح وظيفته أوسع لأنه يتحول من مكان للتعريف بروسيا إلى مدخل لمسار معرفي طويل.
لماذا لم تتحول الكتلة الكبيرة من الخريجين إلى مدرسة أكاديمية؟
هذا السؤال ربما يكون من أكثر الأسئلة إلحاحًا. فقد أنفق الاتحاد السوفياتي ثم روسيا موارد كبيرة على تعليم أجيال من الطلاب العرب، وبينهم لبنانيون، بينما أنفق هؤلاء الطلاب سنوات من حياتهم في تعلم اللغة والتخصص والاندماج في البيئة الأكاديمية الروسية.
لكن العلاقات بعد التخرج ظلت في كثير من الأحيان فردية أو اجتماعية أو مهنية، ولم تتحول إلى مؤسسة قادرة على جمع الخبرات المتراكمة.
ولو وجدت قاعدة أكاديمية لخريجي الجامعات السوفياتية والروسية، لا بمعنى جمعية اجتماعية أخرى، وإنما شبكة تحدد الاختصاصات والخبرات ومستويات اللغة والإنتاج البحثي والاستعداد للتدريس والترجمة والإشراف، لظهر حجم الرصيد الموجود أصلًا في لبنان قبل التفكير في استقدام موارد بشرية جديدة.
وقد يكون هذا أحد الفروق بين السياسة التعليمية قصيرة الأجل والسياسة الثقافية بعيدة المدى؛ فالأولى تحصي عدد المنح التي قدمت، بينما تقيس الثانية عدد المؤسسات والكفاءات التي بقيت بعد مرور ثلاثين عامًا على تقديم تلك المنح.
الميل اللبناني نحو الغرب ومسألة التوازن المعرفي
لا يمكن فصل هذه المسألة عن التاريخ الثقافي للبنان. فقد تشكل نظامه التعليمي الحديث في تماس كثيف مع فرنسا والفضاء الأنغلوسكسوني، وأصبح تعلم الفرنسية والإنكليزية بالنسبة إلى أجيال كثيرة جزءًا طبيعيًا من المسار التعليمي، في حين بقيت لغات مثل الروسية والصينية والفارسية والتركية مرتبطة في الوعي العام بالتخصص أو بالدولة التي تتحدث بها.
غير أن هذا التفاوت لا يعني أن الحل يكون بإضعاف الفرنسية أو الإنكليزية، لأنهما أصبحتا جزءًا أساسيًا من الرصيد المعرفي اللبناني، فضلًا عن الأهمية العالمية المتزايدة للإنكليزية. المسألة تتعلق بإضافة مسارات معرفية جديدة إلى ما هو موجود، لا بإقامة مواجهة بين اللغات.
فالطالب الذي يتعلم الصينية لا يتبنى بالضرورة سياسة الصين، والذي يدرس الفارسية لا يتخذ موقفًا من إيران، ودراسة التركية لا تعني استعادة العثمانية، مثلما أن الفرنسية لا تجعل الطالب ممثلًا للسياسة الفرنسية. وكلما استطاعت الجامعة تحرير اللغة من هذا التصنيف السياسي، أصبحت قدرتها على إنتاج المعرفة أكبر.
والروسية تحتاج في البيئة اللبنانية إلى هذا الانتقال تحديدًا: من لغة ينظر إليها أحيانًا من خلال العلاقات الدولية الراهنة إلى لغة للأدب والتاريخ والعلم والأرشيف والبحث والتواصل الإنساني.
الحاجة إلى سياسة روسية ثقافية أكثر تراكمًا
ومن الجانب الروسي نفسه تبدو المسألة مرتبطة بطبيعة السياسة الثقافية أكثر مما ترتبط بنقص المبادرات. فالمبادرات موجودة، وكذلك المنح والاتفاقيات والدورات والزيارات، إلا أن أثرها يبقى أقل من إمكاناتها عندما تعمل بصورة منفصلة.
وتكشف التجارب الثقافية الدولية أن الحضور اللغوي الأكثر استدامة لا يصنعه النشاط الكبير والمؤقت بقدر ما تصنعه المؤسسة التي تستمر عندما تتغير الحكومات والظروف والأولويات السياسية.
من هنا يمكن تصور مرحلة جديدة من التعاون الروسي اللبناني تقوم على جمع ما هو موجود أصلًا بدل البدء من الصفر، وذلك من خلال مقررات اللغة التي اختبرت في الجامعة اللبنانية، والماستر المتخصص، والمركز الثقافي، والاتفاقيات الجامعية، والمنح، وشبكة الخريجين، والأساتذة الروس واللبنانيين، والاهتمام الطلابي الذي ظهر في تجارب سابقة.
ولو ربطت هذه العناصر ضمن إطار يمتد سنوات، لأصبح من الممكن الانتقال تدريجيًا من مقررات الروسية الأولى إلى مستويات متقدمة، ثم إلى شهادة جامعية قصيرة أو مسار في الدراسات الروسية والسلافية، بالتوازي مع الترجمة والبحث والتبادل الأكاديمي.
ولا يحتاج مثل هذا التطور بالضرورة إلى إنشاء جامعة روسية كاملة في لبنان. فقد يكون نموذج المركز الأكاديمي المشترك داخل الجامعة اللبنانية أكثر واقعية في البداية وأوسع أثرًا اجتماعيًا، على أن يكون مفتوحًا للتعاون مع الجامعات اللبنانية الخاصة والجامعات الروسية ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية.
منحة، ثم جامعة، ثم عودة إلى لبنان
يمكن عندها أن يتغير معنى المنحة نفسها. فالطالب الذي يبدأ الروسية في الجامعة اللبنانية ويتقدم في مستوياتها يمكن أن يجد أمامه مدرسة صيفية في روسيا، أو فصلًا جامعيًا، أو منحة للدراسات العليا، ثم يعود إلى لبنان ليجد مشروعًا بحثيًا أو برنامج ترجمة أو إمكانية للمشاركة في تعليم الجيل التالي.
وبذلك تتشكل دورة معرفية متكاملة، تبدأ من التعلم في لبنان، ثم الاحتكاك المباشر بالمؤسسة الأكاديمية الروسية، ثم العودة بالمعرفة إلى لبنان، ثم إعادة إنتاجها محليًا.
وهذه الدورة هي التي تحول العلاقات التعليمية بين الدول من مجموعة فرص فردية إلى تراكم ثقافي.
تدريس اللغة الروسية في الجامعة اللبنانية تجربة تستحق القراءة من جديد
ضمن هذا السياق تكتسب تجربة تدريس اللغة الروسية في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية أهمية خاصة. فالإقبال الكبير الذي عرفه تدريس الروسية خلال مرحلة إطلاق البرنامج يشير إلى أن الافتراض المسبق بضعف الطلب على اللغة يحتاج إلى مراجعة تستند إلى الأرقام.
والسؤال الأكثر فائدة ليس لماذا درس هذا العدد الروسية في سنة معينة، بل ماذا حدث بعد ذلك. كم طالبًا أراد الانتقال إلى المستوى التالي؟ وهل كانت هناك مستويات متقدمة كافية؟ وما الاختصاصات التي جاء منها الطلاب؟ وما الذي كانوا يتوقعونه من تعلم اللغة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن تقدم نموذجًا لكيفية بناء البرنامج مستقبلًا، بحيث تفتح المستويات الأولى في الفروع التي يظهر فيها الطلب، بينما تجمع المستويات المتقدمة عددًا أقل من الطلاب في برنامج مشترك، مع الاستفادة من التعليم الرقمي وتبادل الأساتذة بين الفروع والجامعات الروسية. وعندئذ تتحول تجربة طرابلس من ذكرى ناجحة إلى مادة يمكن أن تبنى عليها سياسة أكاديمية.
الروسية والآرامية والعثمانية والفرنسية: نحو معيار معرفي واحد
ربما تكون المقارنة بين الروسية واللغات الأخرى هي الطريق الأفضل لإخراج النقاش من السياسة الآنية.
فالآرامية والسريانية لا تستمدان أهميتهما من وجود قوة سياسية عالمية تتحدث بهما، وإنما من موقعهما في تاريخ المشرق. والعثمانية تدرس لأن قرونًا من الوثائق لا يمكن فهمها من دونها. والفرنسية ضرورية للوصول إلى جانب كبير من تاريخ لبنان الحديث ووثائق الانتداب والعلاقات الثقافية. والإنكليزية أصبحت مدخلًا أساسيًا إلى الإنتاج العلمي العالمي، بينما تفتح الألمانية أبوابًا واسعة في تاريخ الفلسفة والاستشراق واللاهوت والعلوم الإنسانية. ولا يوجد سبب معرفي يجعل الروسية خارج هذا التصور.
فهناك أرشيف روسي للمشرق، وأدب رحلات، ووثائق دبلوماسية وقنصلية، وتقارير كنسية وتعليمية، وإنتاج استشراقي وأكاديمي روسي وسوفياتي واسع عن العرب والإسلام والدولة العثمانية، وفلسطين، وسورية، ولبنان.
ومن الصعب تصور دراسة متكاملة للعلاقات الروسية اللبنانية إذا ظل الباحث اللبناني مضطرًا إلى معرفة ما كتبته روسيا عن بلاده من خلال لغة ثالثة.
من تعليم اللغة إلى إنتاج المعرفة
لهذا لا تبدو الغاية النهائية زيادة عدد الذين يستطيعون إجراء محادثة يومية بالروسية، على أهمية ذلك، بل تكوين مترجمين وباحثين ومؤرخين ومتخصصين في الأدب والعلاقات الدولية والاقتصاد والسياحة والإعلام قادرين على التعامل مع المصادر الروسية مباشرة.
ويمكن أن يترافق ذلك مع مشروع لترجمة الوثائق الروسية المتعلقة بلبنان وبلاد الشام، بحيث يصبح تعلم اللغة نفسه أداة لإعادة قراءة أجزاء من التاريخ المحلي.
وقد يكون من أكثر المشاريع فائدة إنشاء سلسلة عربية للوثائق والدراسات الروسية عن المشرق، يشارك فيها باحثون روس ولبنانيون، وتصدر النص الروسي إلى جانب ترجمته وتحقيقه العلمي. مثل هذا المشروع سيمنح اللغة الروسية وظيفة معرفية ملموسة تتجاوز قاعة التدريس.
حين تتحول العلاقات التاريخية إلى مؤسسة
في النهاية لا تتعلق المسألة بإضافة الروسية إلى قائمة اللغات الأجنبية بقدر ما تتعلق بالسؤال عن نوع الجامعة التي يحتاج إليها لبنان، وعن الشكل الذي يمكن أن تتخذه العلاقات الثقافية الروسية اللبنانية بعد تاريخ طويل من الاتصال والانقطاع وإعادة الاتصال.
فالجامعة التي يستطيع طالب التاريخ فيها قراءة الوثيقة العثمانية، والوثيقة الفرنسية، والمصدر الروسي، والنص السرياني أو الآرامي بحسب اختصاصه، هي جامعة تمنح باحثها قدرة أكبر على كتابة تاريخه بنفسه بدل الاعتماد الكامل على ما اختاره الآخرون وترجموه له.
وفي الحالة الروسية لا يبدأ المسار من فراغ. فهناك تجربة جامعية سابقة، ومقررات وضعت واختبرت، وأساتذة وخريجون، وماستر متخصص، ومنح دراسية، ومراكز ثقافية، وعلاقات مع جامعات روسية، وإقبال طلابي ظهر في أكثر من تجربة.
وربما تكمن الخطوة التاريخية التالية في الانتقال من تجاور هذه العناصر إلى ترابطها.
عندئذ يمكن أن تصبح الجامعة اللبنانية، بحكم طبيعتها الوطنية وتنوع طلابها وفروعها، نقطة التقاء لهذا المسار، لا باعتبارها المؤسسة الوحيدة المعنية بروسيا، بل باعتبارها المساحة التي يستطيع من خلالها التعاون الروسي أن يصل إلى مختلف فئات المجتمع اللبناني، ثم يمتد منها إلى الجامعات الخاصة ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية.
وفي هذا الإطار يجد التعاون اللاهوتي مكانه الطبيعي إلى جانب الأدب والتاريخ والترجمة والعلوم والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، وتجد المنحة الدراسية امتدادها بعد عودة الطالب، ويصبح للمركز الثقافي طريق يؤدي إلى الجامعة، وتتحول شبكة الخريجين من ذاكرة لتجربة سوفياتية أو روسية إلى مورد أكاديمي حي.
وعندها ربما لا يعود السؤال: لماذا لا تدرس الروسية بما يكفي في لبنان؟
بل يصبح السؤال الأكثر جدوى: كيف يمكن لتاريخ طويل من العلاقات اللبنانية الروسية، ولرصيد بشري وأكاديمي موجود بالفعل، أن يتحول بصورة طبيعية إلى مؤسسة معرفية قادرة على البقاء؟
فاللغات لا تستقر في المجتمعات بقرارات عابرة، ولا بالعلاقات السياسية وحدها؛ إنها تستقر عندما تصبح جزءًا من التعليم والبحث والترجمة، وحين تجد أجيالًا تتعلمها ثم تنتج بها معرفة جديدة. ومن هذه الزاوية قد لا يكون مستقبل الروسية في لبنان بحاجة إلى بداية جديدة بقدر حاجته إلى جمع بدايات كثيرة حدثت بالفعل، ومنحها الاستمرارية التي افتقدتها.
