نسبة المشاركة تسائل الحكومة المقبلة.. أية سياسة وأية ديموقراطية نريد؟

نسبة المشاركة تسائل الحكومة المقبلة.. أية سياسة وأية ديموقراطية نريد؟

 مصطفى المتوكل الساحلي

 ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [سورة النساء: 58].

       ليس كل من لبس العمامة والجلباب بإمام أو فقيه أو عالم، وليس كل من دخل السياسة فهو سياسي، وليس كل من تم انتخابه وتحمل مسؤولية بالجماعة أو الإقليم أو الجهة هو مدبر وحكيم و…، وليست الانتخابات في علاقتها بالديمقراطية الحقة دائما سليمة ولو لم يسجل أي تزوير مباشر أو غير مباشر، وما كل النتائج المعلنة مطابقة لإرادة الناخبين والناخبات، بما فيهم الذين لم يشاركوا في التصويت ولا الذين لم يسجلوا أنفسهم في اللوائح الانتخابية…، وما كل المنتمين للأحزاب شاركوا في التصويت الإيجابي وما كلهم انضبطوا…

نقول للذين يشكلون الأغلبيات التي ستفرز حكومة: اتقوا الله وقوا أنفسكم والشعب المفترض أنكم منه، واعلموا أن الأمور يجب أن تسند إلى الخبير والخبيرة المؤهلين الثقات الأمناء العادلين بعيدا عن المجاملات والاصطفافات الحزبية والمصالحية. أما إذا أسندت إلى غير أهلها فلننتظر الساعة التي قد تجعلنا- لا قدر الله- أمام وفي “زمكان” الرمال المتحركة وبرك المستنقعات التي ستنتقل بنا جميعا من سرعتين إلى سرعة واحدة، ستمس الرأس مال البورجوازي وتجعله يحصد لعنات الفقراء والمساكين والكادحين والمستخدمين والموظفين والموظفات ومعهم من كانوا يسمون بالبورجوازية الصغرى والمتوسطة؛ حيث أوصلت السياسات الحكومية السابقة إلى يومنا هذا ترديا مزعجا في القدرة الشرائية ومستوى العيش، وطالت آثارها السلبية أكثر من ثلثي الشعب…

ولنا—أيها المعنيون دستوريا بتأطير الشعب وتمثيله وخدمته- أن نتدبر معاني وتوجيهات بعض الآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية، وأن نستوعب دراسات ونصائح من مقدمة ابن خلدون في السياسة والعمران والحكم، وأن نسترشد بكتابات بعض كبار المفكرين وعلماء الاجتماع، وأن نستأنس ببعض الدراسات التاريخية التي توثق أسباب الاضطرابات والثورات وظهور أنظمة سياسية إما ديكتاتورية أو صعود توجهات يمينية متطرفة وعنصرية لا تبقي ولا تذر… ولنا أن نستحضر ضميرنا الوطني الجماعي لنضبط ونختار بالديمقراطية بين القادرين على أداء الأمانة على الوجه الأفضل بما يرضي الله ويسعد الشعب، وأن نتفق بإجماع القوى الحية وتحصين التشريع على إبعاد من لا تتوفر فيهم شروط تولي الحكم والتسيير بالجماعات الترابية والمؤسسات التشريعية وبالحكومة؛ فمؤسسات الوطن ليست ملعبا أو فضاءات عمومية رسمية للفرجة والتسوق ونشر المحسوبية والزبونية والريع والإثراء اللامشروع والتباهي الأبله بتحمل المسؤوليات والمناصب، وهذا يدل على اختلال خطير في الوعي والسلوك والفهم…

اعلموا أن الحكومة الخماسية المقبلة يمكن وصف حالتها بأنها كالذي يضيق صدره كأنه يـصَّـعَّـدُ في السماء من جراء تراكم الأزمات التي خلفها السابقون، وهم الذين كشفوا للعموم فيما بينهم كأغلبية ما لم يعلمه الناس، والذي يتطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة بناء على اتهامات مباشرة بين بعض أعضاء الحكومة، والتراشق وإطلاق الاتهامات وهم في أوج الحملة الانتخابية حتى أصبح الشعب موزعا بين التائه والضائع والمتوجس مع التساؤل المنطقي: كيف ستشكل الحكومة من كل هؤلاء دون أن يعتذر بعضهم لبعض وليعتذروا جميعا للشعب الذي تساقطت على رأسه نتائج السياسات طوال الخماسيات السابقة…

إن مخرج الحكومة الخماسية المقبلة هو أن تقطع بشكل كلي مع جوهر وقواعد سياساتها وزميلاتها السابقة بأن تتفاعل وتتجاوب مع من كشف أخطاءها واختلالاتها ومن انتقدها واحتج عليها وخاصة الشعب بالمجتمع المدني وببعض النقابات والأحزاب والمنظمات الحقوقية وكذا من بعض المؤسسات الدستورية المرتبطة بالرقابة والحكامة والجودة والوساطة… وعليها أن تنفذ بشكل عملي وجيد توجيهات ونصائح وتنبيهات منصوص عليها في الخطب الملكية في أكثر من مناسبة تعلق الأمر بـ:

  • فشل الاختيارات التعليمية والارتجالية في التخطيط.
  • تدني الأداء الإداري والسياسي والتهرب من المسؤولية.
  • عجز الأحزاب والحكومة عن القيام بمهامها وتأطير المواطنين.
  • تعثر المشاريع التنموية الكبرى.
  • تعثر تنفيذ مخطط التسريع الصناعي بسوس.
  • قصور التكوين المهني وعدم ملاءمته لسوق الشغل.
  • العجز عن تلبية احتياجات المواطنين وتقليص الفوارق الاجتماعية.
  • جاء في الخطاب الملكي: “أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟”.
  • وقال في خطاب العرش: “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.
  • وأكد على ربط المسؤولية بالمحاسبة قاعدة مركزية لتكريس الحكامة الجيدة وتخليق الحياة العامة…

فكيفما كانت نسبة المشاركة وما أفرزته عمليات التصويت، فعلى الحكومة المنتظرة- إذا صلحت نيتها وإرادتها لإرجاع الثقة في نفوس الشعب بالعمل على المصالحة مع السياسة والسياسيين وخدمة مصالح المواطنين والمواطنات- أن تضع وتتفق على برنامج عمل الحكومة وقطاعاتها للخمس سنوات المقبلة لتجنب أن تكون سنواتها عجافا تأتي على ما تبقى من الأخضر من الثمار والغلال والثروات فتزيد الناس فقرا وتقبر كل الآمال، وعلى مكوناتها السياسية أن تنفذ ما وعدت به في برامجها الانتخابية وأساسا الوعود التي أعلنوا عنها ووثقوها إعلاميا أمام الناس في حملاتهم الانتخابية…

إن الأحزاب ومؤسسات الدولة يعلمون والجميع يعلم علم اليقين- إلا من أبى- أن المؤمن إذا عاهد وفى، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدى الأمانة على الوجه الأفضل والأليق، لتفادي توصيفات هذا الحديث: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (صحيحا البخاري ومسلم).

شارك هذا الموضوع

مصطفى المتوكل الساحلي

ناشط سياسي ونقابي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!