سقوط الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومأساة اليسار المغدور

سقوط الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومأساة اليسار المغدور

عمر بنعطية

      ♦  لم يكن مسار اليسار  في المغرب مجرد تقلبات حزبية عابرة، بل كان ملحمة تاريخية مشبعة بالتضحيات والأسئلة الوجودية، قبل أن ينتهي به المطاف إلى مشاهد الاحتضار السياسي التي نتابع فصولها اليوم. وفي قلب هذه المأساة، يقف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كشاهد ودليل على تحول القلاع النضالية إلى دكاكين تنظيمية مقفلة، تدار بمنطق الغنيمة والحد الأدنى من البقاء السياسي.

إن المعطيات السياسية الراهنة تظهر أن إدريس لشكر، في سعي محموم لإنقاذ رقبة مقعده التنظيمي وتفادي استحقاق الإقالة المذلة أو الاستقالة المفروضة عليه من القواعد الناقمة، يستعد بكل قوة للقفز إلى السفينة الحكومية المرتقبة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة (البام) برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.

هذا الهروب إلى الأمام ينطوي على مفارقة تاريخية صارخة، إذ كيف للحزب الذي تأسس في أحضان التحرر ومواجهة الاستبداد والهيمنة والريع، أن يرمي بنفسه اليوم في أحضان التشكيلات التي صنعتها الإدارة، أملا في الحصول على بضعة حقائب وزارية تجدد أنفاس القيادة الحالية وتصرف الأنظار عن فضائح التدبير المالي والتنظيمي داخليا؟

 إنها القصة الكاملة لسقوط قلعة كانت ذات يوم أمل الشارع، واستحالت بفعل التهافت والنفعية إلى مأساة حقيقية لليسار المغدور.

           لم تكن قصة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يوما قصة تنظيم سياسي هادئ الاستقرار، بل كانت تشريحا حيا لما يمكن تسميته بجينات التشظي الذاتي. إن التاريخ الحزبي المغربي يشهد أن هذا الكيان لم يولد إلا من رحم تمزق أليم، حين انشق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 عن حزب الاستقلال، في لحظة مفصلية حاول فيها الجناح الراديكالي والتقدمي بزعامة المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد والفقيه محمد البصري، التحرر من هيمنة المحافظة التقليدية وتأسيس أفق نضالي جديد يتسع لطموحات المغرب المستقل.

غير أن ذاك النشء الأول وقبل أن يستتب له الأمر حتى وجد نفسه مفرغة مستمرة للنزاعات، إذ لم يكن نسيجا متجانسا في يوم من الأيام، بل صحيفة مفتوحة على صراعات إيديولوجية وتنظيمية طاحنة. وقد تمثلت أولى القطائع الكبرى في الصدام المفتوح مع النقابيين في الاتحاد المغربي للشغل بزعامة المحجوب بن الصديق، المدعوم آنذاك بوزن الأستاذ عبد الله إبراهيم وأنصاره، في معركة شرسة حول استقلالية القرار النقابي عن التوجيه الحزبي، وحول حدود العمل السياسي والمناورة تجاه السلطة.

وقبل أن يستوي عود الاتحاد الوطني وتكتمل ملامح مشروعه، كان صبر الشباب المناضل قد نفد أمام إيقاع العمل الحزبي التقليدي وبطء تحولاته. تسربت أعداد غفيرة من القواعد والكوادر الشبابية لتأسيس أو الانضمام إلى تنظيمات أشد راديكالية، بدءا من حركة 23 مارس التي استلهمت أدبيات اليسار الماركسي اللينيني، مرورا بتيار عمر دهكون وما رافقه من تحولات دراماتيكية، وصولا إلى تيار الاختيار الثوري بزعامة الفقيه البصري ورفاقه في المنفى.

ولم تتوقف طاحونة الانفصال عند هذا الحد، إذ شهد التنظيم بعد ولادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية رسميا عقب مؤتمر يناير 1975 في الدار البيضاء. ثم جاء انشقاق قادة الجناح الراديكالي الصلب الذي برز في المؤتمر الوطني الثالث (ديسمبر 1978)، وقاده في ماي 1983 الأساتذة المحامون عبد الرحمان بنعمرو وأحمد بنجلون وصادق العربي الشتوكي والطيب الساسي، وهم الذين أسسوا لاحقا حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ردا على ما اعتبروه مساومة مبدئية ودخولا في اللعبة الديمقراطية الهشة التي يرعاها المخزن. ثم تلا ذلك في سنة 2002 انشقاق الزعيم النقابي البارز نوبير الأموي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ليؤسس حزب المؤتمر الوطني الاتحادي… هذا فضلا عن عشرات الحركات التصحيحية والكتل النضالية الوازنة التي إما أُجهضت في المهد، أو آثرت تجميد عضويتها واعتزال المعمعة السياسية برمتها بعد أن أدركت انسداد الأفق.

 الاختراق المخزني

ظلت القلعة الاتحادية طوال تاريخها كيانا زاخرا بالتناقضات الصارخة، حاملة معها جينات الاختلال الأولى التي ورثتها عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. لقد ضم الحزب في أحشائه خليطا هجينا تجاذبته إيديولوجيات اليسار الماركسي، والقومية العربية الناصرية، بل وحتى بعض الملامح المحافظة والتوجهات ذات الخلفية الإسلامية التي عبّرت عن نفسها في محطات مختلفة… وهي أسماء قائمة وشاهدة في تاريخ الحزب لا تحتاج إلى جرد أو إثبات.

كان الملاحظ للشأن السياسي المغربي يقف مشدوها أمام تلك القدرة الغريبة على صهر المناضل الماركسي اللينيني المشبع بأدبيات الصراع الطبقي، مع السياسي الحامل للنفس الإسلامي أو القومي التقليدي، داخل تنظيم تنظيم حزبي واحد يسعى للعب دور الطليعة.

مع ذلك كان ينظر إلى هذا الصراع الاتحادي-الاتحادي في العقود الذهبية ببالغ الاعتزاز والافتخار، باعتباره حيوية فكرية نادرة، ودليلا على التعددية وعدم الجمود العقائدي. لكن الحقيقة المكتومة والمسكوت عنها في المذكرات السياسية هي أن الأجهزة السلطوية لم تكن يوما بعيدة عن تسخين المرجل الاتحادي، والتحكم في درجة حرارته وفق مساطر الهندسة السياسية للمخزن.

لقد أدركت السلطة بذكائها الشيطاني كيفية استغلال هذه التباينات، وبلغ الأمر أوجه في ثمانينيات القرن الماضي حين شهدت الكواليس محاولة سلطوية مكتملة الأركان لشق الفريق البرلماني الاتحادي، الذي كان يرأسه حينها الدكتور فتح الله ولعلو، عبر صناعة كتلة منشقة داخل البرلمان، قبل أن تتراجع الأجهزة في اللحظة الأخيرة لأسباب تكتيكية اقتضتها ظروف التوازنات الدولية والإقليمية آنذاك.

 من رحيل بوعبيد إلى بيعة الإذعان..

تفاقم المرض الاتحادي وتفشى علانية كسرطان تنظيمي بمجرد وفاة الزعيم التاريخي عبد الرحيم بوعبيد سنة 1992. بدأت الملاحم الداخلية الصامتة بالصراع على كرسي الكتابة الأولى، إذ اشرأبت عنق محمد اليازغي للمنصب باعتباره الرجل القوي في القيادة، لكنه صد أمام جدار صلب يقوده الثلاثي عبد الرحمن اليوسفي والفقيه محمد البصري ونوبير الأموي، ورموز نضالية أخرى زهدت في طموح اليازغي والشبهات التنظيمية التي أحاطت بتحركاته.

وبعد استقالة عبد الرحمن اليوسفي المدوية من العمل السياسي واعتكافه الشهير في كان بفرنسا احتجاجا على التزوير الانتخابي سنة 1993، ثم عودته لقيادة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، والتي انتهت بتجاوز منهجيتها الديمقراطية سنة 2002 بتعيين التقنوقراطي إدريس جطو وزيرا أول، انقض اليازغي أخيرا على حلمه المماطل وترأس الحزب. لكن ولايته لم تعمر طويلا، إذ كشفت اللعبة السياسية عن وجهها العاري، وأُكره اليازغي لاحقا على توقيع استقالة إذعان خلف الكواليس بدلا من صدور بيان إقالة يمسح بتاريخه الأرض.

ليؤتى بعد ذلك بعبد الواحد الراضي في المؤتمر الثامن سنة 2008، وهو الشخصية المفاوضة والمحاورة الأثير لدى القصر، ومبعوث الحزب السري التاريخي لدى الملك الحسن الثاني ووزير داخليته القوي إدريس البصري. كان اختيار الراضي بمثابة إعلان رسمي عن بداية مرحلة التدجين النهائي، وتحويل الحزب من قوة معارضة وضغط إلى أداة لضبط التوازنات داخل البنية الحكومية / التركيبة الحكومية.

 ومن الراضي آلت التركة سالمة ومكتملة البناء إلى إدريس لشكر في المؤتمر التاسع المنعقد ببلدة بوزنيقة سنة 2012، ليجثم بعدها على صدر التنظيم لأربع ولايات متتالية إلى يومنا هذا، متجاوزا الضوابط الأخلاقية والنفع التنظيمي، ومستقويا بآلية قيادية أفرغت المؤسسات الحزبية من أي محتوى ديمقراطي. كان المشهد وسط سخط عارم داخلي وخارجي ينطق بالنهاية المحتومة: الحزب يتآكل من القواعد إلى القمة، يحتضر في الفضاء العام، ويسير بخطى حثيثة نحو الأفول التام. وفي هذه اللحظة المفصلية، دخل الاتحاد مباشرة في غيبوبته الحالية، إذ توّج هذا المسار بالانحراف الأكبر عبر اختزال المشروع السياسي التاريخي للحزب، بكل تضحياته ورموزه في رهان هجين واحد: “المشاركة الحكومية بأي ثمن“.. والتطلع الدائم للفتات الإداري.

لقد كشفت الأيام والتطورات المتعاقبة أن المخزن قرر الانتقام من القلعة الاتحادية بأثقل الأثمان وأكثرها دهاء، فلم يكتف بمحاصرتها من الخارج، بل غرس عملاءه وجواسيسه في مفاعلها ومفاصلها التنظيمية، ورفعهم بتدريج خبيث إلى أعلى هرم القيادة لتأجيج الصراعات الدفينة، وتجريف التنظيم من محتواه الفكري والأخلاقي. وبذلك تحققت المفارقة الأكثر إيلاما في تاريخ السياسة المغربية.. فبعد أن كان الاتحاد يسخر من الأحزاب الإدارية المصنوعة في مكاتب وزارة الداخلية، استحال بقدرة قادر إلى حزب يفوق البانوراما المخزنية إدارية وانحطاطا، ليتصدر المشهد لا كبديل نضالي، بل كملحق وظيفي يقتات على فتات المائدة السياسية!

 بين دكان إدريس لشكر ومهازل “التصحيح“

أمام هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي انسحب المناضلون الشرفاء، والرماديون أنفسهم، وتركوا الملعب خاويا للانتهازيين والوصوليين بقيادة إدريس لشكر. لم يعد الاتحاد الاشتراكي تنظيما مبدئيا أو قلعة للنضال الديمقراطي، بل استحال “دكانا انتخابيا” صريحا، يقف لشكر خلف طاولته للمتاجرة في التزكيات، وبيع المقاعد البرلمانية والترشيحات المحلية لمن يدفع أكثر أو يوفر نفوذا ماليا، وهي الفضيحة التي عرت سوأة الحزب بالكامل في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة.

وحين نسمع اليوم عن حركة تصحيحية تتشكل أو تتحرك داخل أحشاء هذا الكيان المتهالك، فذلك لعمري هو الكذب المفضوح والتدليس العاري على الرأي العام، إذ كيف يمكن تصحيح جثة هامدة ذابت واختفت أركانها النضالية؟ وكيف تعاد الروح للموتى بعد أن تعفنت أطرافهم؟!

إن ما يجري اليوم تحت مسمى الحركة التصحيحية ليس استعادة للمجد التليد، ولا غيرة على تاريخ المهدي بنبركة وعمر بنجلون… إنه محض صراع انتهازي – انتهازي حول الغنيمة والمواقع والتزلف، لأن أصحاب وصاحبات هذه الحركة هم في أغلبهم من الملتحقين الجدد والأعيان الجدد، ولم يتحركوا في أي محطة كان فيها لشكر وزبانيته يبهدلون الحزب ويتلاعبون بتاريخه وشعاراته ورموزه وأسماء شهدائه.

لم يثوروا إلا بعد النتيجة الهزيلة التي حصدها الحزب في الانتخابات الأخيرة، وبعد أن تمت سمسرتهم من طرف لشكر مباشرة في سوق التزكيات الانتخابية، وبعد أن أُبعدوا أو حرموا من الترشيح في الانتخابات أو من عضوية الأجهزة القيادية، وهي الأجهزة التي ينتخبها لشكر ويعينها بنفسه بدءا من أعضاء المجلس الوطني إلى المكتب السياسي. ليس هناك إذن أي خلاف فكري أو إيديولوجي أو سياسي عميق بين لشكر ومتزعمي هذه الحركة المزعومة.

الحقيقة العارية التي يجب الجهر بها هي أن الاتحاد الاشتراكي قد مات فعلا، وليس كما ادعى محمد اليازغي ذات يوم على الصفحة الأولى لجريدة الحزب بمانشيت شهير: “المخزن مات“!.

أما متزعمو التصحيح ومن يتبعهم، خصوصا وأنهم يفتقدون بينهم إلى منظر أو مفكر سياسي واحد يستطيع بسط وشرح موقف مبدئي متميز إن وجد أصلا، فما عليهم إلا الإعلان عن الاستقالة الجماعية والالتحاق بحزب فدرالية اليسار الديمقراطي، أو الحزب الاشتراكي الموحد، أو حزب التقدم والاشتراكية، كما فعل أخيرا أعضاء بارزون من طينة عبد الهادي خيرات. وستبين لنا الأيام القادمة ما إذا كان التحاق خيرات برفاق نبيل بنعبد الله خيارا سياسيا حقيقيا للعمل الحزبي، أم أنه مجرد ملاذ انتخابي آخر لم يتوفق فيه!

الهروب إلى الأمام واستكمال الهيمنة

إن المعطيات السياسية الراهنة تظهر أن إدريس لشكر في سعي محموم لإنقاذ رقبة مقعده التنظيمي وتفادي استحقاق الإقالة المذلة أو الاستقالة المفروضة عليه من القواعد الناقمة، يستعد بكل قوة للقفز إلى السفينة الحكومية المرتقبة بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة (البام) برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.

عبد اللطيف وهبي القيادي في البام يمهد الميكروفون لإدريس لشكر
عبد اللطيف وهبي القيادي في البام يمهد الميكروفون لإدريس لشكر

إن هذا الهروب إلى الأمام ينطوي على مفارقة تاريخية صارخة: الحزب الذي تأسس لمواجهة الاستبداد والهيمنة والريع يرمي بنفسه في أحضان التشكيلات التي صنعتها الإدارة، أملا في الحصول على بضعة حقائب وزارية تجدد أنفاس القيادة الحالية وتصرف الأنظار عن فضائح التدبير المالي والتنظيمي داخليا.

 انتصار المخزن بالضربة القاضية

ولا يمكن في الختام إلا الجهر بانتصار المخزن، في الراهن على الأقل، بعد أن قضى على الساحة الحزبية بالضربة القاضية، واستقطب الجميع للعب داخل ميدانه، وتحت سقف بنوده وشروطه وقواعد اللعب التي سطرها بنفسه، ليجعل من الانتخابات ملحمة معروفة النتائج سلفا، ويدفع المواطنين إلى النأي بأنفسهم عن هذه التمثيلية.

فأكثر من عشرة ملايين مغربي ممن يحق لهم التصويت غير مسجلين أصلا في اللوائح الانتخابية، وأزيد من خمسة ملايين مسجلين لم يكلفوا أنفسهم عناء التوجه إلى صناديق الاقتراع، ناهيك عمن صرفوا احتجاجهم بوضعهم أوراقا ملغاة واحتسبوا ضمن نسبة المشاركة الرسمية! هذا علما أن النسبة الرسمية التي أعلنت عنها وزارة الداخلية (38 في المائة) مشكوك في صحتها أصلا وأساسا. واللافت أن هذه الكتلة الكاسحة من المقاطعين قد قاطعت تلقائيا وعن وعي بذاتية اللعبة، وليس استجابة لنداءات جماعة العدل والإحسان أو حزب النهج الديمقراطي العمالي.

إن إفراغ العمل الحزبي من محتواه وتحويل الأحزاب التاريخية إلى دكاكين إدارية لا يعني بحال من الأحوال استتباب الأمر للسلطة على المدى البعيد. إن ما يخفيه القادم من الأيام يشي بمخاطر جمة لا قدر الله، حين يفقد الشارع كل قنوات الوساطة المؤطرة ويواجه السلطة وجها لوجه بلا عوازل… وطبعا سيكون الثمن باهظا وعلى حساب الشعب وحده… فلا شيء ينال من دون تضحية ومن غير ثمن!

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!