فاضل السلطاني بين الإبداع الشعري والترجمة والنقد الأدبي

فاضل السلطاني بين الإبداع الشعري والترجمة والنقد الأدبي

   صدوق نورالدين

            يوازي الكاتب العراقي فاضل السلطاني (1948) بين الكتابة في ثلاث مجالات: مجال الشعر، الترجمة والدراسة النقدية الرصينة. على أن المشترك بين الحقول: الأدب في بعده العربي والعالمي. بمعنى آخر، فإن الرؤية لما يستكمل الإبداع الذاتي، يتمثل في استجلاء الأصل كأثر وتأثير، وبخاصة على مستوى الأدب العربي الحديث.

يقتضي النظر إلى مجال الشعر، التطرق إليه من زاويتين: زاوية الممارسة الإبداعية الذاتية، وزاوية الغيرية _إذا حق_ مجسدة في ترجمة الشعر العالمي. وكأن ما لا تقوله الممارسة أو تسنده كمرجعية، يستكمله الشعر العالمي في أقوى تجاربه وفق ما تدل عليه دقة الاختيارات التي تضيف ولا تكرر المتداول.

شكل ديوان “قصائد” (لندن/ 1982)، نواة الممارسة الإبداعية الذاتية. هذه النواة امتدت عبر أكثر من أثر وتأليف. وأمثل ب: ” ألوان السيدة المتغيرة” (دار المدى/2010)، والمختارات “عند منتصف الذاكرة” (المدى/ 2025).

فالمعنى الذي يسم الممارسة وتعبر عنه، السمة الوجودية المحيلة على الاغتراب وتمثل واقع الذات في سياق التحولات التي خضعت لها أو أخضعت. من ثم فإن للذاكرة استدعاء الغائب إلا عن النسيان الشعري. وفي الاستحضار يكمن التوثيق لزمن يعكس سيرة الذات، كما الكتابة الشعرية ليس في العراق وحسب، وإنما على مستوى العالم العربي.

ويبرز بعد الغيرية أو تمثل منجز الآخر تلقيا، ترجمة وإضافة في نقل الإبداع العالمي إلى اللغة العربية من اللغة الأنجليزية (للسلطاني مؤلف باللغة ا،جليزية) أصلا، علما بأن معظم الترجمات التي أقدم عليها كبار الكتاب والشعراء تحققت عن لغة وسيط هي الفرنسية. وأمثل بأدونيس، يوسف الخال، بول شاوول ومحمد بنيس.

قدم الشاعر فاضل السلطاني للأدب العربي على مستوى الترجمة نصوصا لشعراء غير متداولة

أسماؤهم برغم قوة حضورهم عالميا. وفي مبادرة كهذه، خطوة للتعريف بالتجارب الشعرية العالمية، وهو ما يجسد رافد أثر وتأثير. من ثم أبرز للوجود أنطولوجيا شعرية عبارة عن “50 عاما من الشعر البريطاني” (1950/2000)، وهو جهد كبير أبان فيه السلطاني عن كفاءة واقتدار وتمكن معرفي نادر. وفي الآن ذاته ترجم للشاعر التشيكي ميروسلاف هولوب ” أجنحة” كما أعاد ترجمة رائعة إليوت “الأرض اليباب” وفق ما سنأتي على ذكره في المجال الثالث.

وبذلك فإن مجال الممارسة الشعرية _ كما سلف_ وازى بين الخوض في كتابة الشعر، وفي الترجمة على السواء.

ولم ينحصر مجال الترجمة في جنس الشعر، وإنما طال المحفل النثري متمثلا في السرد قصة ورواية. ففي القصة، تم نقل “قاعة الرقص الرومانسية” (دمشق/1995). وهي مختارات قصصية للإيرلندي وليم تريفور المتداول اسمه عالميا دون الحظوة العربية.. وتتفرد قصصه بالرهان على مكون الوصف، السخرية وملامسة حياة المهمشين.

وأما في الرواية فترجم رائعة الأميركية من أصول إفريقية توني موريسون “العيون الأكثر زرقة” (دمشق/1996). وهي الروائية الحائزة على جائزة نوبل في الآداب عن سنة (1993)، حيث ركزت في منجزها السردي الحكائي على استجلاء واقع السود في أمريكا.

إن فاضل السلطاني، وتأسيسا من محفل الترجمة، أسهم وبمجهود فردي في التعريف بالأدب العالمي انطلاقا من أسماء أدبية لها بصمتها الخاصة. وهذا في العمق شكل إضافة سنلمس أهميتها وقيمتها عند مقاربة المجال الثالث المتعلق بالدراسة النقدية.

ويحق التمثيل عن هذا المجال، انطلاقا من الأعمال التالية:

1/ “الأرض اليباب وتناصها مع التراث الإنساني” (دار المدى/2021)

2/ “الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة” (دار التكوين/ 2025)

3/ “البربرية الثقافية” (دار خطوط وظلال/ 2025)

فبالنسبة لقصيدة إليوت “الأرض اليباب”، يعد الجهد الذي قام به فاضل السلطاني عن دراية علمية ومعرفة نقدية، من أبرز الإسهامات الأدبية والنقدية. فالسلطاني لم يكتف بالترجمة فقط، وإنما أسهم بالوقوف تدقيقا، تمحيصا ونقدا على الجهود الترجمية التي أنجزت من طرف

الأدباء: يوسف الخال، لويس عوض، عبد الواحد لؤلؤة، توفيق صايغ، أدونيس، ماهر شفيق

فريد ويوسف اليوسف، حيث كشف مزالقها وتجاهلها لسياقات القول الشعري. من ثم تعد ترجمته الجديدة لهذه القصيدة إضافة ثرية ومثرية.

وفي الكتاب الثاني “الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة”، فإن التركيز يقع على موضوعة الاستعمار بتمثل أهداف وغايات الأمبراطورية وما حدث لاحقا اعتمادا على جاء به الشعراء: ديريك والكوت، بيرنادرين إيفارستو، لي هاروود وفرانك أوهارا، حيث يستدعى التاريخ ويتساءل عن الهوية وتبني الذاكرة آفاق رؤيتها للحداثة وما بعد الحداثة.

إن فاضل السلطاني في هذين الكتابين تحديدا، ينحو منهج المقارنة إما بين الترجمات المعتمدة لنص أدبي شعر عالمي رائد، أو بين منجز لشعراء وفق موضوعة محددة بهدف الوقوف على المشترك أو المتخلف فيه، وهو ما يضيء النص الأدبي يوسع من إمكانات تلقيه.

وأما الكتاب الثالث “البربرية الثقافية وقائع الانهيار”، فأضمومة مقالات أدبية نقدية ينتظمها الرصد الدقيق المتابع لواقع الحياة الثقافية العالمية والعربية وفق رؤية نقدية موضوعية تستجلي مظاهر التراجعات والانهيارات التي تسم القيم، وتحيل الإنسان إلى كائن مستهلك لا يفعل تفكيره باعتماد السؤال النقدي الذي سبق وطرح بصدد التقدم، وموقع الإنسان الوجودي.

إن كتاب “البربرية الثقافية وقائع الانهيار”، وبقدر ما يعد إحاطة وافية بمصائر الحياة الثقافية غربيا وعربيا، أعتبره مرثية كبرى لواقع الحداثة وما بعد الحداثة في زمن العولمة وهيمنة وسائل الاتصال الاجتماعي التي حدت من فاعلية الكتاب في ضوء كونه الحامل الرئيس للمعرفة.

تبقى ضرورة الإشارة في الختم إلى أن التجربة الأدبية الإبداعية لفاضل السلطاني تقتضي الإلمام الشمولي إذا ما روغب في تشكيل رؤية عنها، وبالنظر أيضا لموسوعية ثقافته التي تستلزم _ على الأقل _ ندية مماثلة كيما يكون الحوار المتبادل متكافئا وإن بشكل نسبي.

شارك هذا الموضوع

صدوق نور الدين

ناقد وروائي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!