الثقافة والمشروع السياسي بالمغرب.. قراءة في البرامج الانتخابية (15) الجزء الثاني
سؤال التطبيع في البرامج الانتخابية
المختار عنقا الادريسي
ليس المهم فقط ما قاله الحزب، بل أيضا ما اختار ألا يقوله. ويبدو لي هذا هو أهم مدخل للمحطة التركيبية الثانية.
ففي الانتخابات التشريعية لـ 23 شتنبر 2026، لا تكمن دلالة التطبيع في عدد المرات التي وردت فيها كلمة التطبيع فقط، وإنما في درجة حضوره أو غيابه داخل الرؤية السياسية لكل حزب، من خلال برنامجه الانتخابي. ومن ثم يمكن اعتماد أربعة مستويات للتوقف، وهي:
- ورود تسمية التطبيع صراحة.
- رفضه أو مناهضته والتعهد بإلغاء بعض آثاره.
- ذكر فلسطين دون تسمية التطبيع.
- غياب فلسطين والتطبيع معاً عن البرنامج الانتخابي.
وهذه المستويات الأربعة تبقى أكثر دقة من القول المجمل بأن هذا الحزب أو ذاك مع التطبيع أو ضده.
أولاً: أحزاب الأغلبية الحكومية والتكتل الإداري
1 ـ التجمع الوطني للأحرار: غياب شبه كامل للسؤال
الملاحظة الأبرز هنا أن البرنامج الانتخابي للتجمع الوطني للأحرار لا يتناول السياسة الخارجية أصلاً بصورة مستقلة، إذ يركز برنامجه على الدولة الاجتماعية، والقدرة الشرائية، والخدمات العمومية، والإدماج الاقتصادي والتشغيل. وهذا يجعل السؤال بالنسبة لنا أكثر إثارة من مجرد البحث عن كلمة “التطبيع”: فهل يمثل غياب التطبيع عن البرنامج موقفاً سياسياً، أم أن الحزب اختار ببساطة عدم إدراج السياسة الخارجية ضمن أولويات برنامجه الانتخابي؟ وهو ما يتطلب منا نوعاً من الحذر المنهجي: إذ لا يجوز تحويل الصمت البرنامجي إلى موقف مؤيد للتطبيع. فالذي يمكن قوله توثيقياً هو: أن التطبيع ليس التزاماً انتخابياً معلناً في البرنامج المنشور للأحرار. وهذه ملاحظة تستحق نوعاً من الوقوف، خصوصاً إذا قارناها بأحزاب جعلت القضية الفلسطينية والتطبيع بنداً واضحاً في برامجها.
2 ـ الأصالة والمعاصرة: السيادة دون تسمية التطبيع
برنامج حزب الأصالة والمعاصرة لسنة 2026 يتحدث عن تعزيز مكانة المغرب واستقلالية القرار الوطني، وعن الأمن الاستراتيجي في مجالات الماء والطاقة والغذاء والأمن العلمي والتكنولوجي، لكنه لا يجعل السياسة الخارجية محوراً مستقلاً مفصلاً، ولا يقدم في المادة المنشورة التزاماً صريحاً بشأن التطبيع. وهنا تظهر مفارقة تستحق بعضاً من التوقف، وتتلخص في: كيف يحضر مفهوم السيادة في البرنامج بينما لا يحضر سؤال العلاقات مع إسرائيل والتطبيع باعتباره أحد أكثر الأسئلة إثارة للنقاش العمومي حول السيادة والقرار الوطني؟ ومرة أخرى، لا ينبغي القول إن الحزب مع التطبيع، فهذا استنتاج لا يثبته النص البرنامجي. فالسيادة حاضرة والتطبيع غائب عن الالتزامات المعلنة. وهذه ملاحظة أساسية وفرق تحليلي مهم، يحتاج إلى الكثير من التفصيل والتمحيص.
3 ـ حزب الاستقلال: فلسطين في الخلفية، والتطبيع ليس التزاماً صريحاً
برنامج حزب الاستقلال يعطي للسيادة الوطنية واستقلالية القرار مكانة واضحة، ويربط السياسة الخارجية بتنويع الشراكات وتقليص التبعية للخارج. لكن في المادة التي أمكن التحقق منها حول البرنامج الانتخابي، لا يظهر أي تعهد صريح بإلغاء التطبيع أو وقفه. وأعتقد أن ذلك جاء لتفادي الصدام مع الخيارات الاستراتيجية للدولة، وهو ما يدفعنا إلى القول بضرورة التمييز بين التاريخ السياسي للحزب ومواقفه السابقة من القضية الفلسطينية، وبين ما التزم به برنامجه الانتخابي لسنة 2026. فالحزب سبق أن أصدر مواقف صريحة داعمة للقضية الفلسطينية ورافضة لسياسات إسرائيل الاستيطانية والتوسعية، كما هو وارد في أدبياته ومواقفه حيث يحرص على التأكيد الثابت على الدعم المطلق لحقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. غير أن هذا شيء، وما ورد في البرنامج الانتخابي الحالي شيء آخر. ومن هنا يمكن صياغة السؤال النقدي التالي: هل انتقلت القضية الفلسطينية في الخطاب الانتخابي لحزب الاستقلال من موقع الالتزام السياسي الصريح إلى موقع الموقف العام الذي لا يترجم نفسه إلى تعهد انتخابي محدد بشأن التطبيع؟
ثانياً: الأحزاب المحسوبة على الكتلة الوطنية
في البدء، لا بد من الإشارة إلى أن الكتلة الوطنية “ذهبت مع الريح” ولم يتبق منها غير الاسم. ناهيك على أننا نجد تفاوتاً واضحاً بين المرجعية التاريخية لها وبين البرنامج الانتخابي الراهن لبعض الأحزاب التي كانت تُشكلها.
1 ـ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: الدبلوماسية الاقتصادية بدل سؤال التطبيع
يعطي البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي لسنة 2026 أهمية كبيرة للدبلوماسية الاقتصادية، وتنويع الشركاء، واستعمال اتفاقيات التعاون والشراكة الدولية لجلب الاستثمار ونقل التكنولوجيا. لكن التطبيع لا يظهر فيه، بحسب المادة المنشورة التي أمكن التحقق منها، فيتفادى النص الصريح للبرنامج الانتخابي الموجه للرأي العام إلغاء الاتفاقيات ويكتفي بالتركيز على نصرة الشعب الفلسطيني. وهذا أمر جدير بالتوقف، لأن الحزب يمتلك تاريخاً طويلاً في دعم القضية الفلسطينية. ومن ثم فإن السؤال المتعلق بالإرث التاريخي المساند للقضية الفلسطينية عندما لا يتحول في البرنامج الانتخابي إلى موقف محدد من التطبيع يبقى غير كافٍ.
2 ـ التقدم والاشتراكية: الحالة الأكثر وضوحاً داخل هذا المجال
وهنا يتغير المشهد جذرياً، لأن برنامج الحزب يجعل القضية الفلسطينية نقطة مركزية في تصور السياسة الخارجية، ويربطها بالقانون الدولي والعدالة الدولية. ويطالب بضوابط صارمة للسياسة الخارجية، مؤكداً على رفضه لتجاوز العلاقات حدود الضرورة الجيوسياسية، بدون إعطاء أي غطاء للشؤون الثقافية. وهو موقف صريح من التطبيع، لأنه يذهب إلى معارضة أي تطبيع ما لم تُضمن الحقوق الوطنية الكاملة للشعب الفلسطيني، وهذه صيغة تختلف عن الكثير من الصيغ الحزبية الأخرى. فالحزب لا يكتفي بذكر فلسطين، وإنما يجعل الحقوق الفلسطينية شرطاً للحكم على التطبيع. وهذا يضعنا أمام ثلاث صيغ للمقارنة: • رفض التطبيع بصورة مباشرة، • رفضه وربطه بإلغاء الاتفاقيات، • معارضة التطبيع ما لم تتحقق الحقوق الفلسطينية.
وهذه فروق لا ينبغي تسويتها في عبارة “مناهضة التطبيع”.
ثالثاً: تحالف اليسار: من مناهضة التطبيع إلى مستوى “التجريم”
لقد حرص تحالف اليسار – المكون من فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد – على إدراج مسألة وقف وتجريم التطبيع صراحة وبشكل مباشر ضمن برنامجه الانتخابي، تحت شعار “الكرامة أولاً”. وتعهد البرنامج بالالتزام والفضح والتجريم لكل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني. وتتحدد طبيعة موقف اليسار في الرفض المطلق والتاريخي الذي يعتبره موقفا مبدئيا مبنيا ومستمدا من أدبيات اليسار المناهض للأمبريالية. وقد وضع اليسار قضية التطبيع في قلب وثيقته الانتخابية، معتمداً خطاباً حاداً يطالب بالإلغاء السريع لمسار تلك العلاقات، وبالدعم اللامشروط للقضية الفلسطينية.
رابعاً: العدالة والتنمية ـ حالة مستقلة تستحق إبرازها
برنامج العدالة والتنمية ينص صراحة على:
- رفض ومناهضة جميع أشكال التطبيع،
- رفض التطبيع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والتجاري والثقافي والأكاديمي،
- إلغاء الاتفاقيات ومذكرات التفاهم،
- إغلاق مكتب الاتصال،
- حل لجنة الصداقة البرلمانية.
وهنا تصبح الصياغة أكثر اتساعاً من مجرد العلاقات الدبلوماسية، فالحزب يدخل التطبيع الثقافي والأكاديمي صراحة في تعريفه للتطبيع. وهذه نقطة أراها بالغة الأهمية بالنسبة إلى حزب يقع تحت وطأة تركة التوقيع الرسمي السابق في عهد زعيمه – رئيس الحكومة السابق “سعد الدين العثماني” – على الاتفاق الثلاثي المشترك بين المغرب وأمريكا وإسرائيل في 22 ديسمبر 2020، الذي يشكل محطة استئناف وتطوير لعلاقات سابقة، أخذت طابعاً رسمياً ومباشراً ضمن سياق إقليمي ودولي جديد. وأعتقد أنه هو ما جعل تناول الحزب – لهذه المسألة – في برنامج يحمل طابع الدفاع والتبرير، أكثر من طابع الصدام والمطالبة بالإلغاء المباشر.
خامساً: خلاصة ختامية للمقارنة المركزة
- تأسيساً على ما سبق، ينبغي أن نشير إلى أنه: إذا كانت الثقافة أداة لقراءة المشروع السياسي، فإن سؤال التطبيع يكشف كيف يمكن للثقافة نفسها أن تتحول إلى مجال للصراع حول معنى السيادة والهوية والعلاقات الدولية. وعليه يمكن اختزال الخريطة الأولية المركزة لهذه المقارنة على الشكل التالي: ■ التجمع الوطني للأحرار: لا يظهر التطبيع كالتزام برنامجي، ويبقى برنامج الحزب صامتاً عن تلك المسألة. ■ الأصالة والمعاصرة: لا يظهر التطبيع كعنوان مستقل وصريح، ويشير إلى السيادة والأمن الاستراتيجي دون تسمية التطبيع. ■ الاستقلال: لا يظهر التطبيع كتعهد صريح، وتتحدد طبيعة الإشارة إليه في السيادة وتنوع الشراكات. ■ الاتحاد الاشتراكي: لا التزام صريح بشأن التطبيع، ولا يظهر صراحة، وتبقى طبيعة الإشارة إليه بادية من خلال الدبلوماسية الاقتصادية وتنوع الشركاء. ■ التقدم والاشتراكية: يذكر التطبيع ويربطه بحضور قوي ومركزي لفلسطين، ويعلن مناهضته ما لم يضمن الحقوق الفلسطينية. ■ العدالة والتنمية: يدرج ضمن برنامجه دعماً قوياً ولا مشروطاً للقضية الفلسطينية، ويربط ذلك بمواقف وإجراءات عملية تتصل بالعلاقات والاتفاقيات السابقة. ■ تحالف اليسار: يذكر التطبيع بشكل صريح جداً ويرى بضرورة وقفه ومساءلة مساره ديمقراطياً، وصولاً إلى تجريمه.
- إن الخريطة السابقة لا يراد بها ترتيب الأحزاب على سلم الولاء أو الرفض، ولا تحويل الاختلاف في المواقف إلى أحكام جاهزة، وإنما يراد بها قياس درجة انتقال سؤال التطبيع من المجال العام إلى المجال البرنامجي. فالفارق ليس فقط بين من يذكر فلسطين ومن لا يذكرها، وإنما بين من يكتفي بالموقف المبدئي، ومن يسمي التطبيع، ومن يحدد مجالاته، ومن يقترح بشأنه إجراءات عملية قابلة للمساءلة. ومن هنا تصبح قيمة البرنامج الانتخابي في قدرته على تحويل الموقف إلى التزام… والالتزام إلى سياسة… والسياسة إلى مسؤولية أمام كل الناخبين.
- يبقى حضور سؤال التطبيع أو غيابه في البرامج الانتخابية المغربية أكثر من مجرد اختلاف في الموقف من إسرائيل والقضية الفلسطينية، إنه يكشف تفاوتاً في تصور السيادة، وفي حدود ما ينبغي أن يخضع للتنافس الانتخابي، وفي موقع الثقافة والجامعة والإعلام والاقتصاد داخل السياسة الخارجية، وفي العلاقة بين القرار الدبلوماسي والمساءلة الديمقراطية. فحين يغيب التطبيع عن البرنامج، يظل القرار الخارجي أقرب إلى مجال الدولة الذي لا يُقدَّم للناخب باعتباره موضوعاً للمحاسبة الانتخابية، أما حينما يحضر فإنه يتحول إلى قضية سياسية قابلة للمساءلة، وحين يقترن بالدعوة إلى وقف التطبيع أو تجريمه، يصبح جزءاً من تصور أشمل للسيادة والاستقلال السياسي والاقتصادي، أما عندما يمتد إلى الثقافة والجامعة والإعلام، فإنه يعيد تعريف الثقافة نفسها بوصفها إحدى ساحات السيادة والصراع السياسي. وأعتقد أن الجملة الأكثر اختزالاً لهذه الفكرة يمكن تلخيصها في القول:
“ليس سؤال التطبيع في البرامج الانتخابية سُؤَالَ حضور كلمةٍ أو غيابها، بل هو سؤالُ موقعِ القرار الخارجي في الديمقراطية المغربية، فهل هو شأنٌ خاص بالدولة فقط أم أنه شأنٌ للمجتمع والناخب والبرلمان أيضاً؟”
