صمت العارف وشجن الوجود: قراءة في ديوان (أطلس امرأة برية) لفرات إسبر

صمت العارف وشجن الوجود: قراءة في ديوان (أطلس امرأة برية) لفرات إسبر

محمد ياسين القطعاني                                 

      نحنُ أمامَ ديوانٍ يضم بين دفتيه نصوصًا أدبيةً ذاتَ رؤى مختلفة، وتشكيلاتٍ لغوية مُغايرة، وصورًا فنية غيرَ مألوفة، تغلبُ عليها لغةُ الإشارة ، وتوظفُ الأسطورة دونَ تعقيدٍ، و  تستخدمُ الرمزَ دونَ إغراقٍ .

    نصوصٌ تخاطبُ العقل، وتستنهضُ الوجدان، فيتوقف المُتلقي مُندهشًا في أثناء القراءة، وبعدها؛ ليفكر، ويتساءل ، ويُعملَ ذهنَه، ويسترجعَ خبراته؛ ليتشارك مع النص في عواطفه، وتشكيلاته اللغوية، وأخيلته، ثم يعيد القراءة تلوَ القراءة، فتزداد دهشتُه، وتعلو متعتُه.

   هي نصوصٌ تُشركُ ذهنَ القارئ في الإبداعِ، وتُشبع روحَه بالتخيل، وتحثُّه على التأمل .

  الكلمةُ والعبارة والصورة  في هذه النصوص تحملُ دلالاتٍ عدة قابلة للتفسير، وللتأويل ، ومُتضافرة مع الحالةِ  النفسية التي تعيشها الشاعرة .

    التشكيلُ اللغوي في هذه النصوص يتوافقُ مع الرؤى الوجودية للشاعرة، ومع التسامي الصوفي الذي ينضحُ من نصوصها، ومن تصورها الذهني للبشر، وللحجر، وللكائنات التي نحيا معها، وتحيا معنا.

 – نذهب معها إلى الصفحة الثامنة حيثُ النصّ بعنوان:( الأجساد كُتبٌ تُغطيها الأثواب)

ونقرأ  :

” ما بينَ قلبي ولساني / تترمدُ كلماتي /أسمعُ صوتَ الماء / بصمتِ العارف/ أدركُ أنّ امرأةً مرتْ من هُنا / أفتحُ قفصَ صدري/ وأطيّرُ عصافيرَه/ يا أيها الإنسان: لا تَكنْ سجانًا.”

  هنا حالةٌ نفسية يَشعُ منها اليأس والعجز، كما يشعُ منها الأملُ والإرادة ، فالكلماتُ والآمال التي تريدُ الشاعرةُ البوحَ بها تتوالدُ في قلبها، وتنمو، وعندما تصعدُ إلى لسانِها ؛ ليبوحَ بها تتحولُ إلى( رَماد)، وفي تأويلٍ آخرَ يُصيبها( رمد العين) فلا تُبصر طريقَها إلى الخارج، ولا تهتدي إلى دربِها.

   فهل ماتت الكلمات، وهلكت الآمال؟

   لا، الشاعرةُ امرأةٌ لا تستسلم ، ها هي تُسرع؛ لتفتحَ قفصَ صدرِها وتزيحَ ضلوعَه ؛ لتنطلقَ منه آمالُها على صورةِ عصافيرَ مُنعتقة من ذُلِ الأسر .

   السؤال:  ما الجديدُ في هذا المقطع ؟

   الجديدُ هو: تلك الدعوة من أنثى عصريةِ إلى التمردِ وعدم الاستسلام ، فلم تعد المرأة كما في التراث البشري مقهورة عديمة الحيلة ، فهي إن سُدَّ أمامها بابٌ، فَتحتْ أبوابًا.

  – الشاعرةُ أقنعتنا بحجتها عبر التشكيلات البصرية، والسمعية والحركية، والصور الفنية المتنوعة بين الكنايةِ والاستعارة والتشبيه، وكذلك التناغم الصوتي بين بعض حروف الكلمات التي تشكل إيقاعًا داخليًا، مثل: (  قلبي/ لساني) و(صوت / صمت ) والتلازم بين ( القفص / السّجان) و(العصافير/ الطيران) .

  – الشاعرة لها رؤى صوفية  في الحياة والوجود والناس ؛ لذلك نجدها تصرخ في وجه الإنسانِ ـ في أي زمانٍ كان ـ قائلةً : ” لا تكن سجانًا”.

   الشاعرة : فرات إسبر أردفتْ رؤاها بصياغات (مُبتدعة) من التشكيلات اللغوية، وتراكيب الصور الفنية، مثل:( صمت العارف) و ( تترمد كلماتي)، و(أفتحُ قفص صدري) .

   – نذهب إلى الصفحة التاسعة والعاشرة ، نقرأ :

 ” جثتان تتسابقان / تقولُ إحداهُما للأخرى : أنا أصغرُ سنًا منكِ / فتردُ الثانيةُ: أنا أكثرُ حُزنًا منكِ/ وتبكيان / أنا والزمانُ لا ألفةَ بيننا / هو يكتبُ لغتَه / وأنا أقرأ بصماتِه .”

  الشاعرة هنا تطرح (قضيةَ  فوضى الموت والحياة)، وذلك الصراع  الذي لا يتوقف، ومقاييس مَنْ يسبق مَنْ إلى الدار الآخرة ؟ ، فطولُ الحزن وقِصرُه يرتبطُان بعمرِ الذي قضى نحبَهُ قبل غيره، وانتقل إلى عوالمَ أخرى .

   إنّهُ توقيتُ الموتِ غير المُعلن وغير المُبرر الذي يضربُ الصغيرَ والكبير ضربَ عشواء لا يَخضعُ لمعايير، إنها  تسترجعُ قولَ زهير بن أبي سلمى :

 رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تُصِبْ

                  تُمتْهُ ومَنْ تُخْطِئْ  يُعَمّرْ فَيَهْرمِ

  الجثةُ الأكثرُ حزنًا عند الشاعرة:  فرات أسبر هي من عاشتْ أكثرَ من الجثةِ الأقلِ حزنًا ، والموتُ نال من الصغير قبل الكبير، فهل اختلفت النظرةُ للموت من زمنِ العصر الجاهلي إلى عصر الشاعرة؟

  أما زالتْ قضيةُ الموت تشغلُ الناس، وتثيرُ التساؤلات ؟

   الشاعرة خَطَتْ عدةَ خُطوات خلفَ زهير بن أبي سلمى، عندما عقدتْ هذا الحوارَ بين الجثتين، وخطتْ خطوةً أخرى عندما صرّحت أنها لا تُحب الزمان: ” أنا والزمانُ لا ألفةَ بيننا”؛ لأنه يتخذُ قرارات الموت والحياة كيفما شاء.

   استخدمت فرات إسبر ضمير الغائب (هو) في الإشارة إليه للدلالة على عدم رغبتها في التصريح باسمه مرةً ثانيةً “هو يكتب لغته”.

   وهي تشاهد أفعاله في مصائر الناس استخدمتْ ضمير المتكلم  ( أنا) للدلالة على وجيعتها ” وأنا أقرأ بصماتِه ” واستثمرت الصورة عندما جعلتْ للموت لغةً وبصماتٍ، فشخّصتْه وجسدته كأنك تراه، ويراك .  

   إذا كان زهير بن أبي سُلمى صورَ الموت بصورةِ ناقةٍ عمياء تسير في الليل، والذي تضربه بيديها، أو بقدميها تُميته، والذي تُخْطِئُه يعيش، فتقتل دونَ تمييز، فإن الشاعرة : فرات إسبر اختلفتْ نظرتها للموت ، فصوّرت( الجثتين) وهما تتناقشان، وتتعجبان مما حدث لهما ، ثم جعلتْ البكاء هو العامل المشترك الذي يجمعهما رغم اختلافهما في العمر.

    إنها الصورة الفنية الحداثية التي تجسدُ الحالةَ الوجودية القلقة للشاعرة التي جعلت التسابقَ يجري بين الأموات مع أنّ التسابقَ يكون عادةً بين الأحياء لصفته الحركية الملموسة .

   هذه النصوصُ التي بين أيدينا ذاتُ طابعٍ خاصٍ ؛ لذلك لابد من قراءتِها بشكلٍ خاصٍ من ناحية الشكل، ومن  ناحية المضمون، فلكلِ عاطفةٍ إنسانية معينة شكلٌ معينٌ تختاره الشاعرة سواء أكان هذا الشكل من خلال الشعر العمودي، أمْ من غيره، من خلال البيتِ الشعري، أم من خلالِ السطر، من خلال موسيقا العروض، أم من خلال موسيقا الفكر والرؤى، فأحيانًا كثيرة تعمدُ الشاعرةُ إلى مُغازلةِ العقلِ قبلَ مغازلةِ السّمعِ، فتتمرد بذلك على الرأي الشائع : (بعضُ القراءِ عقولُهم في آذانهم ).

  من هذه الفكرة سننعطف من الحديث عن الشكل إلى الحديثِ عن المضمون، سنذهب إلى الصفحةِ التاسعةِ والعشرين حيث نص: ( الركضُ بإيقاعٍ مُنفرد )، نقرأ :

” أقفُ؛ لأتذكرَ / طعمَ المراراتِ / لأستعيدَ الماضيَ / وردْتُ الماءَ ، وجَفَّ فمي / وردتُ ماءَ مدينَ / وما زلتُ عَطشى / وفمٌ لي من الرقةِ جَفَّ/ أرجع البصرَ، أناديك ِ يا نفسُ نداءً خَفيًّا /  من الأرضِ ، من على ظهرِها /أمنيّاتٌ دُفِنَتْ في مَهدِها / كما يُدْفنُ ابنُ اللّبونِ في دوامةِ الغبار .”

  في هذا المقطع نتوقف عند التناصات التراثية الدينية ( ماء مدين/ ارجعْ البصر / نداءً خفيًّا )، كما نتوقف عند التراث الصحراوي البدوي : ( ابن اللّبون)، كما نتوقف عند الحالة النفسية التي جعلت الشاعرة : فرات إسبر تسترجع هذه الثقافات بما فيها من أوجاع، وآلام، وقلق .

    هي حالةٌ وجودية إنسانية أنثوية ، إنها حالةُ الإحساس بالغربةِ والاغتراب الروحي قبل الجسدي، والشعور الغالب  بالوحَدة، والضياعِ، واليأس .

  الشاعرة في هذا المقطع تحَلّتْ بالمبادرة ، فسعتْ، وأخذتْ بالأسباب ، وعندما احتاجتْ إلى الماء ( الرمز) سعتْ إليه؛ لترتوي ” وردتُ الماء/ ماءَ مدين “.

  فماذا كانت النتيجة ؟

  تقول : ” جَفَّ فمي ” ، مع أنها ذهبتْ لبئرِ ماءٍ يشربُ منه القاصي والداني ، الإنسانُ والحيوان، الصالحُ والطالح ، الذكرُ والأنثى ، وقبلَ ذلك العبُد والنبيُّ .

 أليس ذلك البئرُ هو بئرُ النبي موسى وشعيب وبنتيه؟

” ولمّا وردَ ماءَ مدين وجدَ عليه أمةً من الناس يَسقون ووجدَ من دونِهمُ امْرأتين تذودان قالَ ما خطبكُما قالتا لا نَسقي حتى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وأبونا شيخٌ كبيرٌ فسقى لهما ” سورة القصص الآية 23  
 
  أمّا إذا يَمّمنا وجهَنا نحوَ الصحراء حيث ( اللّبون) وهو ولد الناقة الذي تركته أمُّه بعدما صارت( لبونًا): أي ولدتْ غيره، فانشغلتْ عنه بإرضاع ( الحُوار) رضيعِها الجديد، فسيتعمق الإحساس بالغربة، والضعف، والعجز.

   فالشاعرةُ طموحاتُها دُفِنَتْ على غير إرادتِها في المهد كما دُفن( ابن اللبون) في( دوامة الغبار)، وهنا تتشظى حالة الغربة والوحشة بدلالات دوامة الغبار التي هي عبارة عن:( إعصار محمل بالغبار والرمال يَهلك الذي بداخله)، وتسمى هذه الحالة الطقسية ( دوامة الشيطان ). 

    هذا النص عبارة عن تشبيه تمثيلي مدهش حيث شبهتْ صورةَ فنية مركبة بصورةٍ  فنية أخرى مركبة يجمعُ بينهما الخوف والضعف… والتِّيه  .

  – الموت في نصوص كتاب:( أطلس امرأة بريّة) رفيقُ الشاعرة ، تعرفه، ويعرفها ، تشعر به ، وينتظرها، لا تُطلق عليه اسمه ( الموت) فهي تخافه؛ لذلك تُلمّح ، وترمز، فبمَ ترمز إليه؟

نقرأ في الصفحةِ السادسةِ والثلاثين نص :(أسنان الزمن )

 ” الزمنُ مِنشارٌ/ يقولون : الخشب لا يبكي / لكنني أسمعُ صوتَ الغابة ونُواحَها / أصلي لها وأبكي بصمتِ العابدةِ “

 في هذا الجو الصوفي التأملي تتجانسُ اللغة مع التصوير مع الرمز مع الفلسفة ، ولو فصّلنا القول لأفضنا، لكنني أوجز فأقول :

    بدأت الشاعرةُ النص بجملةٍ اسمية (الزمنُ مِنشارٌ)، فأكدت الخبر ، والخبر عبارة عن( تشبيه بليغ)، فالزمن قاتل، يتلذذ بالقتل، وكيف يتلذذ بالقتل ؟

   أليس المنشارُ له أسنان حادة لا تقطع إلا إذا ظلتْ في حالةِ ذهاب وإياب على الجسم الذي تبتره؟

   إنّهُ في حالة ذهاب وإياب على رقاب البشر كحال المنشار على الخشب وقتَ النشر والقطع ، إنها صورة حداثية تشخص الموت، وتجسده، فتصيب المتلقي بالهلع .

  – الشاعرة تُشاهد، وتصمتْ صمتَ العابدة… المُتعبدة، الراضية… المرضية، الضعيفة… المستضعفة، فهذه سُنن الوجود ،( فالغابةُ رمزُ الأرض) ، و(الشجرُ رمزُ البشر)، واستعارت البكاء، والنواح، والنحيب للغابة ؛ لنعيشَ معها، ونتعايش أجواء الفقد والحزن  .

  – ننعطف مرة أخرى، هذه المرة من العامِ إلى الخاص، من تأملِ الكون وحكمةِ الوجود إلى تأملِ الذاتِ والبحث عنها، نقرأ في الصفحةِ الثانيةِ والثلاثين :

 ” حياتي / شواردُ الفضة / أصْهرُها على شكلِ أمنيّاتٍ / في الخواءِ / في النفسِ المُهترئة / أختنقُ كما يختنقُ الماءُ في الأواني المُعلبةِ “

 هنا تبرزُ حالةُ الضعف والعجز ، فهي لم تستطعْ أنْ تُحققَ ما كانت تحْلُم به، فأمنيّاتُها في الدنيا تهربُ منها إلى الخواء، وإلى النفس المتآكلة، ولا تتمكنُ منها فهي كشوارد( مادة الفضة) في عالم الكيمياء عديمة اللون، و تستعصي على السيطرة ؛ لذلك أصابها الاختناق كما يصيبُ الاختناقُ الماءَ إذا سُجنَ في عُلبٍ مُغلقة.

    هي صورةٌ بلاغية حداثية (مُبتدعة) جاءت عفو الخاطر، ورافقت الحالة النفسيةَ دونَ صِناعةٍ، أو تكلّفٍ، فرُوحُ الشاعرة حُرةٌ منطلقة مثل الماءِ الحرِ المنطلق، وعندما حَدَّ الوجود من هذا الانطلاق : أصبحت الروح سجينةً، وكذلك الماء .

   كلمات هذا النص تحمل ظلالَ الحالةِ النفسية التي تولّدت من السياق ، فنقرأ: (شوارد /أصهرُها / الخَواء / المُهترئة / أختنق / المُعلبة ) كما عمّقت الشاعرةُ الحالةَ النفسية بالصورة الحداثية  ، وأقصد بها تشخيص الماء، وتشبيهه بكائن حي يشعر، ويتنفس، ويختنق .

   – كلُّ عملٍ له ما له، وعليه ما عليه، ومما يُحسبُ للشاعرة : فرات إسبر ما يلي  :

–  لم تُغرق القارئ في عالمِ الأساطير والرموز التي لا تخدمُ رؤاها الفكرية الفلسفية .

– استثمرت الرموزَ في الطبيعة، واستنهضت التناصات المختلفة لخدمة النص  .

– أطاعتْ في هذه النصوص الناقد: ابن رشيق القيرواني المتوفى سنةَ (أربعمئةٍ وستٍ وخمسين من الهجرة) عندما نصحَ قائلًا في كتابه ( العمدة): ” البلاغةُ هي إجاعةُ اللفظِ ، وإشباعُ المعنى . ” ؛ وبذلك التقى ابن رشيق مع فرات إسبر رغم فارق القرون .

 – الشاعرةُ نَسجَتْ لنفسِها مُعجمًا لغويًا خاصًا حَمَلَتْ كلماتُه دلالاتٍ صوفيةٍ، وفلسفيةٍ تتوافقُ مع المضمون الفكري للنصوص .

 هذا بشأنِ بعضِ ما لها ، أمّا بشأنِ ما عليها ، فنذكرُ:

  – شِعرُ الحداثةِ ينظرُ إلى الموسيقا الظاهرةِ أي: (الخارجية ) في الشعرِ نظرةَ تَمردٍ، ورِيْبةٍ، ويعتبرُها قيدًا على انطلاقِ أفكار النصِ ورؤاه ؛ لذلك يتجنب الوقوع في هذه ( الخطيئة ) حتى لو حكمتْ بها أواخرُ كلمات الأسطر الشعرية.

شارك هذا الموضوع

محمد ياسين خليل القطعاني

كاتب وناقد أدبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!