لغة الرَّكل وسلطة الإفلات من العقاب
عبد الرحيم التوراني
تابعت كغيري من المتابعين ما نشر وتداولته المنصات الرقمية حول صورة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان، تلك الصورة التي جمعت في الصف الأول عزيز أخنوش رئيس الحكومة المنتهية ولايته، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة الحكومة المعيّنة.
لقد استأثرت تفاصيل شكلية عابرة باهتمام واسع من الفيسبوكيين والمعلقين، لا سيما تلك اللقطة التي ظهر فيها أخنوش وهو يضع “رِجْل على رِجْل”، معتبرين إياها “قلة احترام” للبروتوكول الملكي والمؤسساتي.
ولكن أليس في هذا الاختزال السطحي للحدث نسيان وتغييب لما هو أهم وأخطر؟
لقد غفل أولئك المعلقون ومن وافقهم الطرح، عن مشاهد أخرى أكثر دلالة.. ولعل ما يذكرنا بذلك هو كيف كان يجلس أخنوش ومعه عبد اللطيف وهبي عند اضطرارهما لأداء الصلاة في المناسبات الرسمية إلى جانب الملك، حيث كان يبدو الرجل في وضعيات تثير الشفقة حقا، عاجزا عن ثني ركبتيه بالطريقة المعتادة، أو مرتبكا في حركات الجلوس والسجود لعدم ألفته بتلك الطقوس.
إن المشكل الحقيقي والعميق لا يكمن قط في طريقة جلسة أخنوش، وما إذا كانت بساقين متقاطعتين أو بجلوس مستقيم وعادي، فالوقوف عند هذه الصغائر ليس سوى عملية إلهاء جماعي وتخدير يساهم في محو ونسيان المصائب الثقيلة والملفات الكبرى التي يلاحق بها الرجل شعبيا هو وأمثاله، في نهب المال العام وتدمير الاقتصاد الوطني، من الأرباح غير المشروعة لشركاته التي “عصرت” جيب المواطن وأجهزت على القدرة الشرائية للمغاربة، إلى شبهات الهيمنة وتضارب المصالح في صفقات تحلية المياه، ومشروع “المخطط الأخضر” الذي هيمن به على قطاع الفلاحة لعقود طويلة، وصولا إلى تحويل الحقائب الوزارية الحساسة إلى غنائم لموظفي شركاته ومؤسساته الخاصة، مثل جلبه لوزيري الصحة والتعليم، لتتحول الدولة إلى مقاولة عائلية تدار بالزبونية ومنطق الوزيعة.
تذكّروا تهديداته السابقة لرجال الأعمال من قبة البرلمان بقدرته على توقيف عجلة الاقتصاد، وقبلها تعجرفه المعهود بتوجيه الإنذارات للشعب بإعادة تقويم تربيته (نعاودو ليكم الترابي!).
إن السؤال الأجدر بالنقاش ليس كيف شوهد أخنوش يضع رجله فوق الأخرى تحت قبة البرلمان، بل كيف سيستمر في وضع رجل فوق رجل بعد مغادرته لرئاسة الحكومة، متمتعا بالحصانة والإفلات من العقاب، بعد كل هذا الخراب المالي والاجتماعي الذي كان يقتضي متابعته ومحاسبته أمام العدالة؟ إن الاكتفاء بجلد الشكل وإغفال الجوهر هو الوجه الآخر للتواطؤ مع منظومة تعيد إنتاج نفسها بلا رادع ولا حسيب.
لسنا في حاجة لمن ينبهنا إلى تفاصيل ما يسمى “لغة الجسد”، فالجسد كما طالعنا ذلك بعمق عند المفكر الكبير عبد الكبير الخطيبي في تحليلاته للعلامة والرمز والهوية، يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد حركات عابرة. نحن لسنا بحاجة لمن يفكك لنا هذه الرمزية بعدما خبرنا طويلا لغة الأرجل المتمرسة في الرفس والركل ودوس القوانين، أرجل عبرت فوق قوت الشعب ومعاشه بلا رادع ولا وازع.
يحق لأخنوش ولأمثاله أن يطلق ساقيه للريح ويهرب من أية محاسبة، ولا جدال أن ساقيه في ملكه يفعل بهما ما يشاء، وربما ساقاه هما اللتان تفرضان عليه ما لا يشاء، خصوصا إذا كان يعاني من داء النقرس أو التهاب المفاصل، بعدما عاث فسادا وما شاء له في مفاصل الاقتصاد وشؤون العباد!
ويبدو أن السيد أخنوش وعلى مدار الخمس سنوات العجاف التي انقضت، قد أدمن وضعية الجلوس “رِجْل فوق رِجْل” إلى درجة الالتصاق… والجلوس بهذه الطريقة لولاية كاملة ليس بالأمر الهين، إذ يرجّح أن يكون قد تسبب للرجل في ارتفاع حاد في ضغط الدم، ناهيك عن ظهور دوالي زرقاء متشعبة في ساقيه من شدة الاحتباس.
لهذا السبب تحديدا يعذر الرجل إن بدا عليه الغضب والنزق، ونحن لشدة لؤمنا نحسده على مقعده! ألا تشفع له كل هذه المتاعب الصحية والبدنية التي تكبدها وهو يسهر على رعاية ثرواته وتدبير وزاراته، لنسامحه ونعفيه من سخافة المحاسبة؟
رجاء وحذاري أن يتطوع أحدكم ويقول له تلك العبارة الشهيرة التي رددها سلفه في رئاسة الحكومة عبد الإله بنكيران: “عفا الله عما سلف”.. فكما تعلمون جميعا مستوى طلاقته المعهودة في خطبه العصماء، إن رصيده في لغة الضاد جد شحيح، ولعله لن يلتقط من الجملة سوى كلمة “سلف”، فيظن أنكم تطالبونه بردّ السلف والقروض التي تراكمت في ذمته بلا إرجاع!
رفقا وقليلا من الشفقة… بـ “عزيز” قوم خشينا عليه من انسداد الدوالي.. فخشينا منه على شرايين الميزانية!
بين ضبابية لغة الجسد المتداولة في صالونات البرلمان، ولغة الأرجل الحاضرة في واقع النهب والدوس على القوانين، تتجلى الأزمة الحقيقية لمشهدنا السياسي، حيث يراد للشارع أن يستهلك وقته في الجدل حول شكليات الصورة، ليمرر خلف ذلك الإفلات المريح من العقاب… فالمشكلة لم تكن يوما كيف يجلس المسؤول تحت قبة المؤسسات، بل في استمراره طليقا يضع رجلا فوق رجل على أنقاض اقتصاد ومفاصل وطن، بينما يترك المواطن المقهور عاجزا حتى عن حق الوقوف بكرامة.
حين تتحول الدولة إلى صفقات مقاولاتية وتدار قطاعاتها الحيوية بلغة الشركات، يغدو السجال حول البروتوكول ترفا لا معنى له، ويغيب السؤال الأهم: أين تبدأ المحاسبة وأين تنتهي الحصانة؟
شخصيا لست ضد جلسته تلك، بل أنا مع جلسة أخرى تقام له ولأمثاله ممن استباحوا المال العام والأرض والإنسان… جلسة محاسبة ومساءلة حقيقية أمام العدالة.
لكني أحلم… أحلم فقط، وأنا جالس على قارعة اليأس، لا أعرف كيف أقف على قدمي، ولا كيف أجلس بسلام في وطن صار فيه الجلوس على أنقاض الحقوق هو القاعدة، والسؤال عن العدالة ترفا محظورا.
