من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية: قراءة في البرنامج الحكومي (1)
المختار عنقا الادريسي
ملاحظة مدخلية:
بعد الانتهاء من الحديث عن الحضور الثقافي في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية، الذي تفضلت جريدة “السؤال الآن” بنشره تباعاً، يأتي الآن دور التوقف عند “الأغلبية” من خلال التصريح الحكومي.
(من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية)
للبدء مقام: حين ننتقل من مساءلة الوعود الانتخابية إلى مساءلة الاختيارات الحكومية
لم يكن انشغالنا بمساءلة الأحزاب السياسية المغربية عن حضور الهم الثقافي في برامجها الانتخابية لسنة 2026، مجرد تمرين في قراءة الوثائق الحزبية أو رصد ما تتضمنه من إشارات إلى الثقافة والفنون والتراث والهوية. لقد كان في جوهره، محاولة لاختبار المكانة التي تحتلها الثقافة في تصور الأحزاب للمجتمع الذي تريد بناءه، وللمواطن(ة) الذي تراهن على تأطيره، وللديمقراطية التي تعلن التزامها بها. ومن هذا المنطلق، فإن تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026 يفتح أمامنا مجالاً جديداً لاستكمال المساءلة نفسها، ولكن من موقع مختلف. فإذا كانت البرامج الانتخابية تعبر عن تصورات الأحزاب ووعودها، فإن البرنامج الحكومي يقدم إطاراً معلناً للأولويات والاختيارات التي تعتزم الحكومة تحويلها إلى سياسات عمومية خلال الولاية 2026–2031. وبذلك يصبح الانتقال من مساءلة الأحزاب إلى مساءلة الحكومة انتقالاً من فحص الوعود السياسية إلى فحص كيفية ترتيب تلك الأولويات، وتحديد الوسائل وتوزيع الموارد، وبناء آليات التنفيذ والتقييم. كل ذلك مع انتظارية بداية التطبيق على أرض الواقع، على أساس أن هذا الانتقال لا ينبغي أن يُفهم باعتباره استبدالاً لوثيقة بأخرى، أو تكراراً لما سبق إنجازه في قراءة البرامج الانتخابية. إنه بالأحرى، توسيع لدائرة السؤال الثقافي، وربط بين ما أعلنته الأحزاب قبل الانتخابات وما التزمت به الحكومة بعد تشكيلها، مع ضرورة الاحتفاظ بالتمييز الضروري بين البرنامج الحزبي والبرنامج الحكومي، وبين الالتزام السياسي العام والتدبير العمومي القابل للتحقق.
إن السؤال الذي يواجهنا هنا ليس مجرد: هل وردت “الثقافة” في البرنامج الحكومي؟ بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة أعمق: فأي ثقافة تعترف بها الحكومة، وأي مكانة تمنحها في مشروعها المجتمعي، وما الشروط التي تجعل هذا الاعتراف يتحول إلى سياسة ثقافية عمومية واضحة الأهداف والوسائل والنتائج؟ فقد تحضر الثقافة في الخطاب السياسي باعتبارها تعبيراً عن الهوية الوطنية، أو وعاءً للذاكرة والتراث، أو مورداً للجاذبية السياحية والتنمية الاقتصادية. وقد تحضر أيضاً باعتبارها حقاً من حقوق المواطنات والمواطنين، وفضاءً للإبداع والتعبير والتعدد، ووسيلة لتوسيع المشاركة المجتمعية، وتنمية الحس النقدي، وترسيخاً لقيم المواطنة والديمقراطية. وليس بين هذه الأبعاد تعارض ضروري؛ لكن ترتيبها وطبيعة الروابط التي تقيمها السياسة العمومية بينها، والموارد التي تخصصها لكل منها، تبقى جميعها عناصر تكشف عن التصور الفعلي للثقافة في المشروع الحكومي. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الاعتراف الرمزي بالثقافة والالتزام السياسي بتطويرها، وبين الالتزام المعلن والسياسة العمومية المتكاملة. فالاعتراف، مهما كانت أهميته، يظل بداية الطريق؛ أما السياسة الثقافية فتقتضي تحديد الأهداف… توزيع المسؤوليات… تعبئة الموارد… ضمان الإنصاف المجالي… توسيع فرص المشاركة والإبداع، لتأتي بعدها بداية عملية إخضاع النتائج للتقييم والمساءلة. ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في السياق المغربي، لأنه يقر بالحقوق الثقافية واللغوية، وينص الفصل الخامس منه على حماية اللغة العربية وتطويرها، وإقرار رسمية الأمازيغية، وصيانة الحسانية والتعبيرات الثقافية المغربية، كما ينص الفصل 26 على دعم السلطات العمومية لتنمية الإبداع الثقافي والفني والبحث العلمي والتقني. وبذلك لا تنطلق المساءلة الثقافية من فراغ، بل تستند إلى مرجعية دستورية ينبغي استحضارها عند فحص الالتزامات الحكومية ومدى ترجمتها إلى تدابير عملية.
وعليه فإننا نسعى هنا إلى الوقوف على ما تعتزمه المسألة الثقافية في برنامجها الممتد بين 2026–2031، وذلك من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
- أولها: رصد الاعتراف المعلن بالثقافة ومجالات حضورها.
- ثانيها: تحليل موقع الثقافة داخل سلم الأولويات والاختيارات الحكومية.
- ثالثها: مساءلة الشروط المالية والمؤسساتية والتربوية والمجالية اللازمة لتحويل الالتزامات إلى نتائج قابلة للتحقق.
ولا تروم هذه المقاربة إصدار حكم مسبق على البرنامج الحكومي أو اختزال السياسة الثقافية في عدد الإشارات الواردة بشأنها، وإنما تسعى إلى بناء قراءة موثقة، تميز بين ما تقوله الوثيقة وما لا تقوله، وبين ما تلتزم به الحكومة صراحة وما نقترحه معياراً لتقييم التنفيذ. فالمساءلة الثقافية في هذا المعنى، ليست موقفاً من الحكومة بقدر ما هي ممارسة مدنية ومعرفية تروم جعل الثقافة موضوعاً للنقاش العمومي… للتخطيط… للمتابعة… للمحاسبة الديمقراطية. ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذه المساءلة لا تكمن في عدد الالتزامات الثقافية التي يمكن الوقوف عليها أو استخراجها من التصريح الحكومي، بل في القدرة على كشف المسافة بين الاعتراف بالثقافة في الخطاب السياسي، وإدراجها في التخطيط العمومي، وتخصيص الموارد لها، ثم قياس أثرها في حياة المواطنات والمواطنين. ومن هنا فإن المساءلة لا ينبغي أن تنتهي عند حدود السؤال عن: ماذا قالت أو يمكن أن تقول الحكومة عن الثقافة؟ بل نبتغي أن تتقدم نحو أسئلة أكثر عمقاً: • أي تصور للثقافة تتبناه الحكومة: أهي ذاكرة وطنية، أم حق للمواطن(ة)، أم رافعة اقتصادية، أم مشروع لبناء الإنسان المستقبلي والمجتمع؟ • هل تتناسب الوسائل والاعتمادات المرصودة مع مكانة التصور الثقافي المعلن؟ • هل يستفيد المواطن(ة) من الثقافة بوصفه فاعلاً ومبدعاً ومشاركاً، أم يظل مجرد مستهلك للعروض والأنشطة؟ • وهل تسهم السياسة الثقافية في تقليص الفوارق المجالية، وتعزيز التفكير النقدي، وترسيخ المواطنة، وتوسيع فضاءات الحوار الديمقراطي؟
وأعتقد -شخصياً- أن هذه الأسئلة وغيرها هي القادرة على منح المساءلة معناها السياسي والثقافي معاً. ومن جهة أخرى، هي التي تجعل رهاننا المركزي متمركزا في الانتقال من سؤال الحضور إلى سؤال الوظيفة، ومن الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية، وبالتالي من إعلان النوايا إلى اختبار قدرتها على الإسهام في بناء المواطن(ة) المغربي(ة)، وصيانة تعدد المجتمع، وتوسيع آفاق الإبداع والمشاركة والعيش المشترك.
المحطة الثانية: الثقافة في سلم الأولويات الحكومية، بين صيانة الهوية وبناء الإنسان
أولاً: من ترتيب الأولويات إلى الكشف عن التصور الثقافي للحكومة
لا تكمن أهمية ترتيب الأولويات الحكومية في معرفة الموضوعات التي تتصدر الخطاب الرسمي فحسب، وإنما في الكشف عن طبيعة المشروع المجتمعي الذي تنتظم داخله تلك الأولويات، وعن العلاقات التي يقيمها بين الاقتصاد والتعليم والعدالة الاجتماعية والهوية والثقافة. وحين نقرأ البرنامج الحكومي المغربي للفترة الممتدة بين 2026–2031، الذي قدمته السيدة رئيسة الحكومة أمام مجلسي البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، نجد أن التصريح يعلن انتظام البرنامج في سبع أولويات متكاملة، من بينها “صيانة الهوية وتماسك المجتمع” التي تأتي في المرتبة الثالثة. ويؤكد التصريح في مقدمته على الالتزام بصيانة التعدد الثقافي واللغوي والحقوق والحريات والمساواة وتكافؤ الفرص.
إن ورود هذه العناصر في التصريح يمنح المسألة الثقافية حضوراً معلناً داخل التصور الحكومي، لكنه لا يحسم وحده طبيعة المكانة التي تحتلها الثقافة في مجموع السياسات العمومية. فالإقرار بأهمية الهوية والتعدد والتراث شيء، وتحديد موقع الثقافة في التخطيط والميزانية والتنفيذ شيء آخر. ومن هنا فإن قراءتنا لا تستهدف إحصاء عدد مرات ورود كلمة “الثقافة”، بل تتوخى فهم الوظائف التي يسندها البرنامج إليها، ومدى ارتباطها بققية الأولويات، وما إذا كانت تحضر بوصفها مجالاً قطاعياً محدوداً، أم باعتبارها بُعداً أفقياً ينبغي أن يتقاطع مع التربية والإعلام والتنمية المجالية والمشاركة المُواطِنة. وهو سؤال يكتسب أهمية إضافية لأن التصريح نفسه يؤكد في مقدمته على أن البرنامج يستند إلى تقارب مرجعيات أحزاب الأغلبية وبرامجها والتزاماتها الانتخابية، وأن تنفيذها سيتم تدريجياً وفق الواقعية التنفيذية واستدامة المالية العمومية. وهو ما يتيح ربط المساءلة الحالية بالعمل السابق حول البرامج الانتخابية الحزبية، دون افتراض تطابق آلي بين ما تعهدت به الأحزاب وما تبنته الحكومة في برنامجها المشترك.
ثانياً: صيانة الهوية الثقافية بين حفظ الذاكرة وتجديدها
تحتل الهوية مكانة أساسية في فهم الثقافة المغربية، بما تختزنه من روافد عربية وأمازيغية وحسانية وإفريقية وأندلسية ومتوسطية، وما تعبر عنه من تجارب تاريخية وتفاعلات حضارية متعددة. وفي هذا السياق، يدرج التصريح الحكومي حماية الهوية المغربية الجامعة وترسيخ قيم التضامن بين الفئات والأجيال والجهات ضمن الأولوية الثالثة، المعنونة بـ “صيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع”. كما ينص على صيانة التعدد الثقافي واللغوي ضمن الثوابت التي يرتكز عليها البرنامج. وتتيح هذه الإشارات فتح نقاش يتجاوز مجرد الاعتراف بالهوية إلى مساءلة الكيفية التي تفهم بها الحكومة صيانتها. فالهوية الثقافية ليست معطى جامداً أو موروثاً مغلقاً، وإنما هي حصيلة ذاكرة وتجارب وتفاعلات متجددة، تستمد حيويتها من قدرة المجتمع على التعرف إلى ماضيه، وفهم تعدده، وإغناء تعبيراته في الحاضر والمستقبل. ومن ثم فإن صيانة الهوية لا ينبغي أن تقتصر على حفظ الرموز أو تثمين الموروث في المناسبات، بل تقتضي دعم البحث والتوثيق، وصيانة الذاكرة المحلية والوطنية، وإتاحة المعرفة بالتراث للأجيال الجديدة، وتشجيع الإبداع الذي يجعل الموروث جزءاً من الحياة الثقافية المعاصرة. ويستدعي ذلك مساءلة البرنامج الحكومي عن الكيفية التي سيترجم بها مبدأ التعدد الثقافي إلى برامج تعليمية وإعلامية وثقافية ملموسة، وعن مدى حضور مختلف التعبيرات الثقافية المغربية في المؤسسات والفضاءات العامة وعن فرص المواطنات والمواطنين للمشاركة في صيانة الذاكرة وإعادة إنتاجها. ويبقى السؤال الأساسي هنا غير محصور في: ماذا نريد أن نحفظ من ماضينا؟ بل أيضاً: كيف نجعل هذا الماضي مورداً للفهم والحوار والإبداع، وكيف نصون وحدة المجتمع دون أن نختزل تعدده في صورة واحدة؟
ثالثاً: الثقافة باعتبارها حقاً للمواطن، لا امتيازاً مرتبطاً بالمجال أو الدخل
يكتسب الإنصاف في الولوج إلى الثقافة دلالته الحقيقية حين ننظر إليه من زاوية المواطنة. فالمشاركة في الحياة الثقافية، والاستفادة من المكتبات والفضاءات الفنية وممارسة الإبداع، والقدرة على الوصول إلى المعرفة، وهذه جميعها ليست شؤوناً هامشية، بل هي عناصر تسهم في توسيع أفق الفرد وتنمية استقلاليته الفكرية. وهنا يقدم التصريح الحكومي التزاماً مباشراً يستحق التوقف عنده، إذ ينص على أن الحكومة [ ستحافظ على التراث، وتوسع الولوج إلى الثقافة بإنصاف مجالي، وتعزز مساهمتها في التنمية والجاذبية السياحية والاستدامة ].
إن عبارة “بإنصاف مجالي” ليست تفصيلاً لغوياً عابراً، بل تفتح مجالاً أساسياً للمساءلة. فالإنصاف الثقافي يقتضي ألا تظل فرص الاستفادة من المكتبات ودور الثقافة والمسارح والأنشطة الفنية مرتبطة بمكان الإقامة أو القدرة على تحمل تكاليف المشاركة. ومن هنا يصبح من المشروع أن نسأل: ما خريطة التجهيزات والخدمات الثقافية القائمة؟ وما التفاوتات بين الجهات والأقاليم والوسطين الحضري والقروي؟ وما البرامج التي ستوجه إلى المجالات الأقل استفادة؟ وكيف ستقاس استفادة الفئات الهشة والأشخاص في وضعية إعاقة من الخدمات الثقافية؟ علما أن الأمر هنا لا يتعلق بافتراض غياب هذه الخدمات، بل بالمطالبة ببيانات قابلة للتحقق، تسمح بقياس التغطية المجالية، وتوزيع الموارد، وعدد المستفيدين، والفوارق القائمة بين المجالات الترابية. وتعزز المرجعية الدستورية هذا المنظور؛ فالفصل السادس منه يربط عمل السلطات العمومية بتهيئة الشروط التي تضمن الفعلية للحريات والمساواة ومشاركة المواطنات والمواطنين في الحياة الثقافية والاجتماعية وغيرها، بينما ينص الفصل السادس والعشرون على دعم تنمية الإبداع الثقافي والفني والبحث العلمي والتقني، والنهوض بالرياضة، وتنظيم هذا القطاع على أسس ديمقراطية ومهنية. وبذلك فإن مساءلة الالتزام الحكومي بالإنصاف المجالي لا تنفصل عن مساءلة مدى إعمال الحقوق والمبادئ الدستورية في السياسات العمومية.
رابعاً: الأمازيغية والتعدد اللغوي. من الإعلان إلى آليات التفعيل
من بين الالتزامات الثقافية التي حددها التصريح الحكومي بصورة أكثر تفصيلاً، نجد ملف تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. فقد أعلن التصريح إحداث صندوق خاص واعتماد مالي قدره مليارا درهم، إلى جانب لجنة وزارية دائمة لدى رئيسة الحكومة لتتبع إدماج الأمازيغية في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والتشوير العمومي، مع نشر مؤشرات التغطية في تقرير سنوي. وتكتسب هذه الالتزامات أهميتها من كونها تجمع بين الإعلان عن موارد مالية، وإحداث آلية مؤسساتية للتنسيق، والتعهد بنشر مؤشرات سنوية. وهي عناصر تسمح بتجاوز الاكتفاء بالتصريحات العامة، وتتجه نحو بناء مسار قابل للتتبع.
لكن الإعلان عن غلاف مالي لا يساوي، في حد ذاته، تحقق الأهداف المعلنة. لأن المساءلة الحقيقية تقتضي التحقق من كيفية برمجة الاعتمادات وتوزيعها وصرفها، ومن اختصاصات اللجنة الوزارية وآليات اشتغالها، ومن طبيعة المؤشرات التي سيشملها التقرير السنوي، ومدى إتاحته للبرلمان والباحثين والمجتمع المدني. كما ينبغي ألا يقتصر تقييم تفعيل الأمازيغية على الإجراءات الإدارية أو التشوير العمومي، على أهميتها، بل يشمل حضورها الفعلي في التعليم والإعلام والخدمات العمومية، ومدى استفادة المواطنات والمواطنين من هذا التفعيل. ومن ثم فإن هذا الملف يقدم نموذجاً مناسباً لتطبيق منهج المساءلة الذي يمكن أن نعتمده في هذه القراءة: بدءاً بالالتزام المعلن، ومروراً بالبحث عن الوسائل المخصصة له، ووصولاً إلى التنفيذ، وانتهاءً بقياس الأثر.
خامساً: الثقافة وبناء الإنسان هي الحلقة التي تصل المدرسة بالمجتمع
إذا كانت صيانة الهوية تحفظ الصلة بالذاكرة، وكان الإنصاف الثقافي يوسع فرص المشاركة، فإن الثقافة تكتسب بعداً أعمق حين تصبح جزءاً من مشروع بناء المواطن المستقبلي. وفي هذا المستوى، تبرز العلاقة العضوية بين الثقافة والتربية. فالمدرسة ليست مجرد مؤسسة لنقل المعارف واكتساب الكفايات الأساسية، على أهميتها، بل هي أيضاً فضاء لتكوين الذوق، وتنمية الخيال، وتدريب العقل على السؤال والنقد، وتعلم الحوار واحترام الاختلاف، والاحتكام إلى المحاجة المعقلنة… وهنا نجد أن التصريح الحكومي يمنح المنظومة الوطنية للتربية والتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني مكانة ضمن الأولويات الأساسية، ويحدد هدفاً كمياً يتمثل في الرفع من نسبة التلاميذ(ات) المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80% على الأقل في أفق سنة 2031، مع مواصلة تطوير نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني للتعلمات والكفايات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة.
وتسمح المقارنة هنا بطرح سؤال مشروع، دون التقليل من أهمية الأهداف التعليمية المعلنة: إذا كان البرنامج يحدد مؤشرات كمية دقيقة للتعلمات الأساسية، فكيف ستُترجم الوظائف الثقافية للمدرسة إلى أهداف وبرامج قابلة للتتبع؟ وما موقع القراءة والفنون والمسرح والموسيقى والتربية الجمالية والأنشطة الثقافية في الحياة المدرسية؟ وكيف ستتعاون المؤسسات التعليمية مع المكتبات العمومية ودور الثقافة ومؤسسات المجتمع المدني ومختلف الفاعلين والمهتمين؟ ويمكن أن نشير هنا إلى أن غياب مؤشر ثقافي مماثل في الفقرات المشار إليها، لا يعني أن الثقافة غائبة بالضرورة عن جميع البرامج التعليمية، لكنه يعني أن النص المتاح لا يقدم في هذا الموضع تفصيلاً كمياً موازياً يمكن الاستناد إليه لقياس تطور المشاركة الثقافية أو التربية الفنية.
وهنا أيضاً تكمن أهمية مساءلة السياسة الثقافية في علاقتها بالتربية: فليس المطلوب أن تحل الثقافة محل التعلمات الأساسية، بل أن تتكامل معها، حتى لا ينحصر نجاح المدرسة في النتائج الرقمية، بل يشمل أيضاً تكوين شخصية المتعلم(ة)، وتنمية حسه النقدي والجمالي، وتعزيز القدرة على المشاركة في الحياة الثقافية والمجتمعية بصفة عامة.
سادساً: الثقافة والتنمية، من المورد الاقتصادي إلى القيمة الإنسانية
ينص التصريح الحكومي، في الفقرة المخصصة لصيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع، على تعزيز مساهمتها في “التنمية والجاذبية السياحية والاستدامة”. وهذه -بطبيعتها- صياغة تربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية والمجالية، وتفتح مجالاً لاستثمار التراث والمنتجات الثقافية في دعم المبادرات المحلية وخلق فرص الشغل. علما أنه لا تعارض بين اعتبار الثقافة رافعة للتنمية الاقتصادية، وبين صون قيمتها الإنسانية والاجتماعية. فالصناعات الثقافية والإبداعية يمكن أن تتيح فرصاً للشغل، وأن تدعم المبادرات المحلية، وأن تسهم في تثمين التراث وجاذبية المجالات الترابية. لكن الإشكال يبدأ حين تُقاس قيمة الثقافة حصراً بما تدره من مداخيل أو بما تجتذبه من زوار. فالمنتوج الثقافي قد تكون له قيمة معرفية أو فنية أو رمزية لا تختزلها مؤشرات المردودية الاقتصادية، كما أن حماية بعض أشكال التراث أو دعم بعض التعبيرات الإبداعية قد يستدعيان سياسات عمومية لا تخضع لمنطق السوق وحده. لذلك ينبغي أن تشمل مساءلة البرنامج الحكومي سؤالاً مزدوجاً: كيف يمكن للثقافة أن تسهم في التنمية المستدامة، وكيف يمكن الحرص على ألا تتحول هذه الوظيفة التنموية إلى مبرر لإهمال الأنشطة والتعبيرات التي لا تحقق مردودية مالية مباشرة؟ وتقتضي الإجابة عن ذلك التمييز بين العديد من المؤشرات الاقتصادية، مثل فرص الشغل واستمرارية المشاريع، والمؤشرات الثقافية والاجتماعية، مثل اتساع المشاركة… تنوع الإنتاج… استفادة الفاعلين المحليين… حماية التراث… استمرار الممارسات الثقافية التي تحمل ذاكرة المجتمعات…
وبذلك تصبح التنمية الثقافية أوسع من مجرد استثمار اقتصادي في التراث؛ وتغدو عملية تجمع بين خلق الفرص، وحماية الذاكرة، وتوسيع إمكانات التعبير، وتحسين شروط المشاركة في الحياة العامة.
سابعاً: من الاعتراف السياسي إلى السياسة الثقافية القابلة للمساءلة
بعد استحضار الهوية والحقوق الثقافية والتربية والتنمية، نصل إلى السؤال الذي يشكل صلب هذه القراءة: متى يصبح الاعتراف بالثقافة سياسة ثقافية عمومية؟ لقد أعلن التصريح الحكومي التزامات تتعلق بالتعدد الثقافي واللغوي، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والمحافظة على التراث، وتوسيع الولوج إلى الثقافة بإنصاف مجالي، وتعزيز مساهمتها في التنمية. وهذه التزامات معلنة ينبغي التعامل معها باعتبارها أساساً للمساءلة، لا باعتبارها دليلاً مسبقاً على تحقق النتائج.
فالسياسة العمومية تقتضي أن تتحدد لكل التزام أهداف واضحة، وجهات مسؤولة، وآجال للتنفيذ، وموارد مالية وبشرية، ومؤشرات تسمح بقياس النتائج. ويمكن ترجمة ذلك إلى شروط مترابطة هي:
- الوضوح: تحديد المقصود بكل التزام ثقافي، والنتائج المنتظرة منه.
- البرمجة: تحويل الالتزامات إلى إجراءات ومشاريع محددة زمنياً.
- التمويل: إظهار الموارد المخصصة، والتمييز بين الاعتمادات المعلنة والمبالغ المرصودة والمنفذة فعلياً.
- الإنصاف: التحقق من توزيع التجهيزات والأنشطة والموارد بين الجهات والفئات الاجتماعية.
- المساءلة: نشر نتائج التنفيذ، وإتاحة المعلومات، وتمكين البرلمان والباحثين والمجتمع المدني من تقييمها.
وتتيح هذه الشروط الخمسة التمييز بين إعلان النوايا، وبناء الآليات، وإنجاز البرامج، وتحقيق الأثر. فقد تتوفر مؤسسة أو ميزانية دون أن تتضح النتائج، وقد تُنجز أنشطة عديدة دون أن يتحقق الإنصاف في الاستفادة منها. ومن ثم، فإن التقييم لا ينبغي أن يقتصر على عدّ المشاريع والأنشطة، بل يتعين أن يبحث في مدى تحقيقها للأهداف الثقافية والاجتماعية المعلنة. ومن المهم كذلك ألا نخلط بين غياب المؤشر في التصريح وغياب العمل الثقافي في الواقع؛ فالأول يحدد حدود ما يمكن استنتاجه من الوثيقة، أما الثاني فيحتاج إلى أدلة إضافية من الميزانيات والبرامج والتقارير والنتائج الميدانية.
وبهذا المعنى، تصبح المساءلة الثقافية ممارسة توثيقية تقوم على المقارنة بين التعهد والوسيلة والنتيجة، وتمنح المواطن حق متابعة ما أُعلن باسمه، وما نُفذ من أجله، وما بقي دون تحقيق.
خلاصة تأملية: أي مكانة للثقافة في المشروع الحكومي؟
تكشف الإحالات المضمنة في التصريح الحكومي أن الثقافة حضرت في البرنامج من خلال صيانة الهوية والتعدد الثقافي واللغوي، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، والمحافظة على التراث، وتوسيع الولوج إلى الثقافة بإنصاف مجالي، وتعزيز مساهمتها في التنمية والاستدامة. غير أن هذه المجالات، على أهميتها، لا تحسم وحدها طبيعة السياسة الثقافية التي ستعتمدها الحكومة؛ إذ يظل من الضروري التحقق من كيفية وصلها ضمن رؤية متكاملة، ومن الوسائل والموارد والآليات التي ستتيح تحويل الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس. فالهوية تحتاج إلى ثقافة حية تجدد الذاكرة ولا تجمدها، والإنصاف يحتاج إلى خدمات وفرص مشاركة فعلية، وبناء الإنسان يحتاج إلى تكامل بين المدرسة ومختلف مؤسسات التنشئة والإبداع، والتنمية تحتاج إلى رؤية لا تختزل الثقافة في مردوديتها الاقتصادية.
أما المساءلة، فلا تعني افتراض الإخفاق أو إصدار حكم مسبق، بل تعني بناء أدوات تسمح بتحديد ما تحقق، وما لم يتحقق، وما لا تتوفر بعد أدلة كافية للحكم عليه.
وهكذا، فإن الانتقال من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية يقتضي أن نقرأ البرنامج الحكومي في ضوء مرجعيته الدستورية، وأن نربط الالتزامات المعلنة بالبرمجة والتمويل والإنجاز، وأن نجعل الثقافة موضوعاً دائماً للنقاش العمومي والتقييم الديمقراطي.
وأخيراً، فهل تسمح الالتزامات الثقافية الواردة في البرنامج الحكومي بالحديث عن سياسة ثقافية متكاملة، أم أننا أمام مجالات ثقافية متعددة تحتاج إلى مزيد من الربط والتنسيق والتحديد التنفيذي؟
الإحالات والهوامش
- التصريح الحكومي هو وثيقة سياسية عامة يعرضها رئيس(ة) الحكومة المكلف(ة) أمام البرلمان وفقاً لمقتضيات الفصل 88 من الدستور. وتكمن طبيعته القانونية والسياسية في اعتباره وثيقة تعاقدية، مرجعاً ملزماً يحدد الخطوط العريضة والقطاعية لتنفيذ الخطط التنموية؛ ولا تُنصَّب الحكومة رسمياً وبصورة فعلية إلا بعد نيل برنامجها ثقة مجلس النواب.
- التصريح الحكومي الذي تقدمت به السيدة المنصوري فاطمة الزهراء أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر الحالي -وقد جاء في 31 صفحة- ركزت فيه على خريطة الطريق والتعهدات الممتدة للولاية القادمة 2026-2031، وتضمن محاور خمسة هي: (تعزيز القدرة الشرائية والدعم الاجتماعي – الإصلاح الاقتصادي والسيادة – محاربة الفساد والحكامة – تطوير قطاع التعليم – الانضباط والنجاعة المالية).
- التصريح الحكومي، الفقرة المتعلقة بالمرجعيات الحزبية والالتزامات الانتخابية، صفحة 9.
- لقد أغفل التصريح الحكومي الإشارة إلى الرافد اليهودي، في إطار حديثه عن العناصر المكونة للهوية المغربية. وبالعودة إلى دستور المملكة لعام 2011 نجد أن الهوية المغربية، هوية موحدة بانصهار كل مكوناتها الأساسية (العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية) وجميع روافدها الثقافية والحضارية: (الرافد العبري “اليهودي” والأندلسي والإفريقي والمتوسطي).
- التصريح الحكومي، الفقرة المتعلقة بصيانة الهوية والمواطنة وتماسك المجتمع، صفحة 14.
- نفسه، الفقرة الثالثة، في الالتزامات المتعلقة بالتراث والولوج إلى الثقافة، صفحة 15.
- نفسه، الفقرة الثالثة، الالتزامات المتعلقة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، صفحة 15.
- تشكل أمازيغية التعليم إحدى أكبر نقاط التباين بين التزامات التصريح الحكومي والممارسة الميدانية. فبالرغم من الاستمرار في إدماج ورش التعميم التدريجي للأمازيغية، ضمن أولويات المنظومة التربوية (استجابة لمقتضيات القانون التنظيمي 26.16 والتزامات المخطط التنفيذي) إلا أن الواقع الميداني يُظهر محدودية في الأثر، وتأخراً في أجرأة الأهداف الاستراتيجية. ويمكن القول بأن هذا التلكؤ يتجلى أساساً في بطء وتيرة التعميم بمرحلة التعليم الابتدائي (التي لم تتجاوز نسباً متواضعة في مجموعة من المؤسسات)، والعجز الحاد في عدد المدرسين المتخصصين، فضلاً عن غياب الرؤية لتنزيلها -على الأقل في المستوى الإعدادي، ولما حتى في التأهيلي- هذا بالإضافة إلى شح الدلائل البيداغوجية والوسائل المرجعية المعتمدة. فهذا الفارق الشاسع بين الخطاب السياسي والواقع التنفيذي يجعل ملف الأمازيغية نقطة ضعف جوهرية، ويضع تصور الحكومة الحالية، وحصيلة الحكومة السابقة في المسألة اللغوية، محط تساؤل وتقييم نقدي مستمر.
- تبقى “مدارس الريادة” إحدى أكثر مبادرات التصريح الحكومي إثارة للجدل بين الطموح المعلن والواقع الميداني، فبينما تقدمها الحكومة كنموذج إصلاحي مقتدر لتقويم التعلمات وتجاوز أزمة جودة التعليم العمومي، غير أن الواقع الميداني لا يصور لنا الأمر كذلك.
- التصريح الحكومي، فقرة الارتقاء بالمنظومة الوطنية للتربية والتعليم والتعلمات والكفايات الأساسية، صفحة 19.
- التصريح الحكومي، الفقرة المتعلقة بشأن الثقافة والتنمية والجاذبية السياحية والاستدامة.
