بين التخصص والتضحية: أين تقف مسؤولية الأستاذ والمدير في المدرسة المغربية؟

بين التخصص والتضحية: أين تقف مسؤولية الأستاذ والمدير في المدرسة المغربية؟

ذ. رشيدة مكلوف

تساؤل مدخلي :

        هل نريد مدرسة قائمة على مؤسسات واختصاصات متكاملة، أم نبتغيها قائمة على تضحية الأستاذ(ة) والمدير(ة) لتعويض النواقص المسجلة على منظومة التربية والتكوين؟

ولمقاربة ذلك، نورد قراءة عملية وقانونية وأخلاقية وإدارية، في حدود المسؤولية البيداغوجية والتربوية داخل المدرسة المغربية، نخص بها موقع الجريدة الإلكترونية “السؤال الآن”.

عادة ما يطرح واقع المدرسة المغربية سؤالاً جوهرياً حول طبيعة المسؤوليات الملقاة على عاتق الأستاذ(ة) ومدير(ة) المؤسسة. فمع اتساع انتظارات المجتمع من المدرسة، أصبح يُنتظر منهما التدخل في قضايا متعددة، تمتد من ضعف التعلمات إلى العنف والتنمر والمشكلات النفسية والاجتماعية والأسرية. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين المساهمة الطبيعية في التربية وبين تحميل الأستاذ(ة) والمدير(ة) مسؤولية معالجة جميع اختلالات المنظومة.

1- المهام البيداغوجية والتربوية : في الأصل تتموقع هذه المهام في مجالين متكاملين لا مترادفين، كما قد يعتقد البعض. فمن الناحية العلمية، يتداخل المفهومان، ولا توجد بينهما أي حدود اصطلاحية مطلقة، غير أنه يمكن التمييز بينهما من حيث الوظيفة أو المهمة المناطة؛ فالبيداغوجي يرتبط بفعل التعليم والتعلم، ويمتد إلى تخطيط الدروس، واختيار الطرائق المناسبة وتدبير القسم، ويصل إلى التقويم والدعم ومعالجة التعثرات، وهو مجال أساسي في الممارسة المهنية للأستاذ(ة). أما التربوي فعادة ما يرتبط ببناء شخصية المتعلم(ة)، وترسيخ القيم والسلوك المدني لديه/ها، وتنمية المسؤولية والاستقلالية واحترام الاختلاف، والوقاية من العنف وتعزيز العيش المشترك والتعايش مع الأقران. وعليه فالأستاذ(ة) هنا ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل هو/هي مساهم وبالضرورة في التربية والتنشئة داخل القسم. غير أن هذه المساهمة لا تعني أنه/ها مختص في جميع المجالات النفسية والاجتماعية والأسرية؛ لأن المهام التربوية هي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع بشقيه المدني والسياسي، مع اختلاف أدوار كل طرف واختصاصاته. الأمر الذي يدفعنا إلى التوقف عند القانون المغربي، قصد معرفة ما الذي يقوله؟

2 – ماذا تقول القوانين المغربية المنظمة للمهنة ؟             

يقدم المرسوم رقم 2.24.140 الصادر في 23 فبراير 2024 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية مرجعاً أساسياً في تحديد المهام والاختصاصات الموكولة لهذه الفئة. ومن أهم مقتضياته نورد المواد التالية :

  • المادة 5 : تقرر حق الموظفين في الحماية القانونية، وتنص على أنه لا يمكن إلزامهم بمزاولة مهام غير المسندة إليهم وفق النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
  • المادة 7 : تلزم الموظفين بمبادئ الإنصاف والمساواة وتكافؤ الفرص والنزاهة والشفافية والموضوعية، واستحضار المصلحة الفضلى للمتعلمين(ات) حسب طبيعة المهام.
  • المادة 15 : تتولى أطر التدريس مهام التربية والتدريس والتقييم والمشاركة في تنظيم الامتحانات، بينما تسند للمختص الاجتماعي المواكبة النفسية والاجتماعية والصحية للمتعلم(ة)، وللمختص التربوي المواكبة التربوية والتوثيق والإشراف على المختبرات والمكتبات المدرسية.
  • المادة 22 : تحدد المهام الموكولة لهيئة الإدارة التربوية والتدبير، ومنها مزاولة مهام الإدارة التربوية والمساهمة في الاستشارة والمواكبة التربوية والإدارية بالنسبة إلى المتصرف التربوي.
  • المادة 67 : تنص على تدقيق وتفصيل المهام الواردة في المرسوم بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية.

وتكشف هذه المقتضيات عن مبدأ مهم، نلخصه في القول : بأن المشرّع لم يعف الأستاذ(ة) من المسؤولية التربوية، بل نص عليها صراحة، لكنه في المقابل اعترف بتعدد الأطر وتمايز اختصاصاتها. لذلك لا يصح اعتبار كل مهمة تربوية إضافية مخالفة للقانون، كما لا يصح اعتبار الرسالة التربوية تفويضاً مفتوحاً لإسناد اختصاصات مهنية أخرى للأستاذ(ة).

3 – فأين تكمن خطورة الخلط بين المسؤوليات ؟

تظهر هذه الخطورة في أربعة مستويات أساسية، نوردها فيما يلي :

  • مهنياً : استنزاف الزمن المخصص للتحضير والتدريس والتقويم لفائدة مهام إضافية قد يؤثر في جودة التعلمات. • قانونياً : غموض حدود المسؤولية، واحتمال إسناد مهام خارج الاختصاص المحدد تنظيمياً، مما يستوجب التحقق من السند القانوني لكل تكليف يمكن أن يسند لهيئة التدريس، بعيداً عن ممارستهم الصفية. • أخلاقياً : تحميل الأستاذ(ة) مسؤولية مشكلات نفسية أو أسرية أو اجتماعية لا يملك بالضرورة التكوين أو الوسائل اللازمة لمعالجتها. • إدارياً : تحميل المدير(ة) مسؤولية جميع اختلالات المؤسسة دون تمكينه من الموارد البشرية المساعدة والمالية الكافية والصلاحيات الضرورية.

فالأستاذ(ة) يستطيع ملاحظة تغير سلوك المتعلم(ة) ومواكبته/ها تربوياً وتوجيه الحالة إلى الجهة المختصة، لكنه ليس بالضرورة مؤهلاً للتشخيص النفسي أو العلاج لأنه لا يندرج ضمن المهام الموكولة له/ها. والمدير(ة) مسؤول عن التنسيق والتدبير والقيادة، ولا يمكن أن يكون بديلاً عن كل تلك الأطر المتخصصة. وفي ظل هذه الوضعية ارتأينا أن نحط الرحال عند بعض التجارب الدولية، بهدف المقارنة والاستفادة.

4 – ماذا يمكن للممارسة الوطنية أن تتعلم من التجارب الدولية ؟

سنتوقف هنا عند تجربة كل من فنلندا وسنغافورة وإستونيا؛ باعتبارها أمثلة مهمة على أهمية توزيع المسؤوليات وتكامل الاختصاصات. وذلك من باب الاطلاع أولاً والاقتداء ثانياً.

▪︎ التجربة الفنلندية : تعتمد هذه المنظومة في دعم المتعلمين/ات، على فرق متعددة التخصصات، يمكن أن تشمل مدير المؤسسة وأستاذ التربية الخاصة والأخصائي النفسي والاجتماعي وممرض الصحة المدرسية. وجميعهم يشكلون مجموعة عمل تُحيل الحالات الفردية إلى المختصين ويكون ذلك وفق ضوابط محددة، مع إشراك ملحوظ للأسرة. ▪︎ التجربة السنغافورية : وتعتمد على المستشارين المدرسيين وأطر الدعم التربوي، إلى جانب دور الأستاذ المختص في التربية على القيم وتنمية المهارات الاجتماعية والانفعالية. وتُوفر قنوات للإرشاد والمواكبة المتخصصة داخل المدرسة، لمعالجة وتتبع كل الحالات. ▪︎ تجربة إستونيا : توفر خدمات دعم تشمل أستاذ(ة) التربية الخاصة والأخصائي النفسي والاجتماعي وأخصائي النطق، مع إمكانية الاستعانة بمراكز إرشاد متخصصة خارج المؤسسة عند الحاجة.

واستناداً إلى ما تقدم، نقول بأن القاسم المشترك بين هذه التجارب ليس إعفاء الأستاذ(ة) من المسؤولية التربوية، بل السعي نحو بناء منظومة تتكامل فيها الأدوار الجماعية، عوض أن يُطلب من شخص واحد القيام بوظائف تتطلب تخصصات مختلفة.

5 – ماذا تقول الأرقام عن واقع الأستاذ(ة) المغربي(ة) 

تقدم دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية TALIS 2024 معطيات مهمة حول المدرسين في التعليم الثانوي الإعدادي بالمغرب. ومن أبرز نتائجها أن مصادر الضغط المهني الأكثر شيوعاً عندنا تتمثل في : 70% بسبب كثرة تصحيح أعمال المتعلمين. 68% بسبب كثرة الحصص التدريسية. 67% بسبب تدبير الانضباط داخل القسم. 63% بسبب كثرة التحضير للدروس.

وتشير الدراسة أيضاً إلى أن التحضير والتدريس يستحوذان معاً على أكثر من 60% من وقت العمل المصرح به.

فهذه المعطيات لا تثبت وحدها أن تعدد المهام التربوية هو سبب الضغط، لكنها تكشف حجم الأعباء المرتبطة بجوهر العمل التعليمي، وتؤكد ضرورة حماية الزمن المهني المخصص للتدريس والتحضير والتقويم والتتبع. كما ينبغي الانتباه إلى أن هذه النتائج تخص عينة مدرسي التعليم الثانوي الإعدادي، ولا يجوز تعميمها آلياً على جميع الأسلاك التعليمية الأخرى.

6- ما الإصلاح المؤسساتي المطلوب ؟

إذا أردنا الانتقال من مدرسة تعتمد على اجتهاد الأفراد إلى مدرسة تعتمد على مؤسسات فعالة، فإن الإصلاح ينبغي أن يرتكز على :

  • تحديد دقيق للمهام والاختصاصات والمسؤوليات القانونية لكل إطار.
  • توفير مختصين نفسيين واجتماعيين وتربويين داخل المؤسسات أو عبر فرق إقليمية للدعم.
  • تمكين المديرين من الموارد البشرية والمالية والصلاحيات اللازمة لتدبير مؤسساتهم.
  • وضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع العنف والمشكلات النفسية والاجتماعية وحالات الهدر المدرسي.
  • تعزيز الشراكة مع الأسرة باعتبارها طرفاً أساسياً في التربية والتنشئة.
  • حماية الزمن المهني المخصص للتحضير والتدريس والتقويم والتتبع والتكوين المستمر.
  • ربط المحاسبة بالصلاحيات والإمكانات المتاحة لكل مسؤول.

خاصة وأننا ممن يرون بأن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد المهام التي تضاف إلى الأستاذ(ة) والمدير(ة)، وإنما بمدى تحسن جودة التعلمات والظروف المهنية وفعالية المؤسسة.

7- خلاصة عامة : المسؤولية المشتركة لا تعني المسؤولية المطلقة

إن الدفاع عن حدود الاختصاص لا يعني إعفاء الأستاذ(ة) من رسالته التربوية، ولا التقليل من دور المدير(ة) في قيادة المؤسسة، بل يعني الدفاع عن مدرسة تحترم التخصص وتوزع المسؤوليات بشكل عادل وعقلاني. فالأستاذ(ة) ليس مجرد ناقل للمعرفة، كما أنه ليس أخصائياً نفسياً واجتماعياً وأسرياً في الوقت نفسه. والمدير(ة) هو قائد للمؤسسة، لكنه ليس بديلاً عن الإدارة الإقليمية أو الأكاديمية أو الوزارة. كما أنه لا يمكن مطالبة الأستاذ(ة) بجودة التعلمات إذا استُنزف زمنه المهني، ولا مطالبة المدير(ة) بتحقيق النتائج دون توفير شروط التدبير، ولا مطالبة المدرسة بمعالجة مشكلات المجتمع دون إشراك مؤسسات المجتمع بشقيه المدني والسياسي. ناهيك على أن المدرسة ليست الأستاذ(ة)، وليست المدير(ة)، وأن المنظومة ليست مجموع موظفي المؤسسة؛ إنها مؤسسة عمومية تتقاسم فيها الدولة والأسرة والإدارة والأطر التربوية والاجتماعية مسؤوليات متكاملة.

وأخيراً يبقى السؤال الذي يستحق نقاشاً مهنياً ومجتمعياً جاداً هو : هل نريد مدرسة قائمة على مؤسسات واختصاصات متكاملة، أم مدرسة تقوم على تضحية الأستاذ(ة) والمدير(ة) لتعويض نواقص المنظومة؟

مراجع أساسية للتوثيق :

  1. المرسوم رقم 2.24.140، الجريدة الرسمية عدد 7277، بتاريخ 26 فبراير 2024.
  2. القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
  3. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، نتائج دراسة TALIS 2024، المذكرة الخاصة بالمغرب.
  4. الوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم، نظام دعم التعلم والرعاية المدرسية.
  5. وزارة التعليم السنغافورية، منظومة الإرشاد والدعم المدرسي.
  6. وزارة التعليم والبحث الإستونية، خدمات الدعم للمتعلمين ذوي الحاجات الخاصة.
شارك هذا الموضوع

رشيدة مكلوف

باحثة في مجال التاريخ، أستاذة الاجتماعيات، مكونة بمركز تكوين الأساتذة درب غلف - الدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!