من الاعتراف بالثقافة إلى مساءلة السياسة الثقافية.. قراءة في البرنامج الحكومي (4)
المختار العنقا الإدريسي
المحطة السادسة: الثقافة في المشروع المجتمعي للحكومة: قراءة نقدية في الرهانات والحدود
أولاً: من تجميع الالتزامات إلى مساءلة الرؤية الناظمة
بعد الوقوف عند شروط تنفيذ الالتزامات الثقافية، وتحليل الحكامة التي يفترض أن تنظم مسؤوليات المؤسسات والفاعلين، ثم مساءلة مدى تحقق العدالة الثقافية والمجالية، نصل إلى محطة تجميعية أو لِنَقُلْ تركيبية تقتضي إعادة النظر في الصورة العامة التي ترسمها الالتزامات الحكومية المتصلة بالثقافة.
فالمطلوب هنا ليس إعادة تلخيص ما سبق، ولا جمع الإشارات الثقافية الواردة في التصريح الحكومي في قائمة واحدة، وإنما البحث عن العلاقة التي تنتظم بينها، وعن الرؤية التي يمكن أن تمنحها معنى مشتركاً، وعن مدى قدرتها على الإسهام في بناء مشروع مجتمعي يجعل الثقافة عنصراً فاعلاً في التنمية والديمقراطية وتكوين الإنسان / المواطن(ة).
إن وجود التزامات متعددة في مجالات الهوية واللغات والتراث والولوج إلى الثقافة والتنمية الثقافية يمثل مدخلاً مهماً للقراءة، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود سياسة ثقافية متكاملة. فالتكامل لا يتحقق بمجرد تجاور الملفات، بل يحتاج إلى الأهداف المترابطة… الأولويات الواضحة… الوسائل المتناسبة… المسؤوليات المحددة… الآليات التي تسمح بتقييم كل النتائج. ومن هنا، ينبغي أن نميز بين ثلاثة مستويات في قراءة البرنامج الحكومي:
- مستوى الاعتراف: ما المجالات الثقافية التي يقر البرنامج بأهميتها، وما الحقوق أو القيم التي يستحضرها؟
- مستوى الاختيار: كيف يرتب هذه المجالات، وما الأهداف التي يمنحها الأولوية، وكيف يربط بينها وبين بقية السياسات العمومية؟
- مستوى الفعل: ما التدابير والموارد والمسؤوليات والآجال التي تسمح بتحويل الاختيارات إلى نتائج قابلة للتحقق؟
إن الانتقال بين هذه المستويات هو الذي يمنح المساءلة معناها، إذ قد يكون الاعتراف بالثقافة واضحاً، بينما تظل بعض شروط التنفيذ بحاجة إلى تفصيل، وقد تكون التدابير موجودة، لكن أثرها لا يتضح إلا من خلال التتبع والتقييم.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا التمييز بوصفه حكماً مسبقاً على البرنامج الحكومي، بل باعتباره أداة لقراءته قراءة نقدية منضبطة، تميز بين ما يقوله النص، وما يمكن استنتاجه منه، وما يحتاج إلى وثائق ومعطيات إضافية لإثباته.
ثانياً: الثقافة والهوية: من صيانة الذاكرة إلى بناء المستقبل
تحتل الهوية والذاكرة موقعاً أساسياً في النقاش الثقافي المغربي، بالنظر إلى تعدد الروافد التاريخية واللغوية والثقافية التي أسهمت في تشكيل الشخصية المغربية. غير أن مساءلة السياسة الثقافية تقتضي ألا نتوقف عند أهمية صيانة الهوية في ذاتها، بل أن نتساءل عن الكيفية التي تُفهم بها هذه الصيانة، وعن علاقتها بالتجديد والإبداع والانفتاح. فالهوية الثقافية ليست رصيداً ساكناً يُحفظ في المتاحف أو يُستحضر في المناسبات، بل هي علاقة متجددة بين الذاكرة والحاضر، وبين ما ورثه المجتمع وما ينتجه من معارف وتعبيرات وأشكال إبداعية جديدة. كما أن صيانة التراث لا تكتمل بحماية المباني والمواقع والمعالم وحدها، على أهميتها، بل تشمل أيضاً توثيق الذاكرة، وحفظ المعارف والتعبيرات الثقافية، وإتاحة إمكانات التعرف إليها ونقلها إلى الأجيال الجديدة. كما أن الاعتراف بالتعدد الثقافي لا ينبغي أن ينحصر في الإشادة الرمزية به، إذ يتطلب سياسات تتيح لمختلف التعبيرات اللغوية والثقافية أن تجد مكانها في التعليم والنشر والإبداع والمؤسسات والفضاء العمومي، وفق المرجعيات الدستورية والقانونية ذات الصلة. وفي هذا السياق، تتيح الإشارات الدستورية إلى تعدد الروافد الثقافية وإلى مكانة اللغات الرسمية مرجعية مهمة لقراءة الالتزامات الحكومية، غير أن المرجعية الدستورية لا تعفينا من فحص كيفية تنزيلها، ولا تسمح بالخلط بين الاعتراف المبدئي وتحقق الأهداف في الواقع. ومن ثم فإن السؤال المركزي ليس ما إذا كان البرنامج يعترف بأهمية الهوية والتراث، بل ما إذا كانت الالتزامات المرتبطة بهما تنتظم ضمن سياسة توازن بين الصيانة والتجديد، وبين الذاكرة والإبداع، وبين الخصوصية الثقافية والانفتاح على التجارب الإنسانية.
ثالثاً: الثقافة والتربية: أي إنسان نريد أن نبني؟
إذا كانت الثقافة تتصل بالهوية والذاكرة، فإنها تتصل أيضاً بتكوين الإنسان، وتطوير قدراته على التفكير والتعبير والنقد والمشاركة. واعتماداً عليه، لا يمكن النظر إلى السياسة الثقافية باعتبارها قطاعاً منفصلاً عن التربية والتعليم والتكوين، لأن العلاقة بين هذه المجالات تؤثر في طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه وفي نوعية المواطنة التي نسعى إلى ترسيخها.
فالمدرسة ليست مجرد فضاء لنقل المعارف المقررة، بل يمكن أن تكون مدخلاً أساسياً إلى القراءة والفنون والمسرح والموسيقى والمعرفة بالتراث، وإلى تنمية الخيال والذوق والحس النقدي. كما أن المؤسسات الثقافية تستطيع أن توسع التجربة المدرسية، وأن تمنح المتعلمين(ات) فرصاً للتعلم خارج الفصول، وأن تصلهم بتعبيرات ثقافية ومعرفية متنوعة. لكن هذه العلاقة لا تتحقق بصورة تلقائية، فهي تحتاج إلى برامج مشتركة، وتحديد للمسؤوليات، وتكوين ملائم، وموارد تسمح باستمرار الأنشطة، فضلاً عن إدماج الثقافة في الحياة اليومية للمؤسسات التعليمية، عوض اعتبارها مجرد أنشطة موازية، أو الاقتصار في تنظيمها على المناسباتية أو المبادرات المعزولة. ومن هنا تبرز أهمية قراءة الالتزامات الثقافية إلى جانب الاختيارات التربوية، لا باعتبارها ملفات متجاورة، بل باعتبارها عناصر يمكن أن تتكامل في بناء المواطن(ة). فالتربية على القراءة، وتوسيع الولوج إلى المكتبات، وتشجيع الممارسة الفنية، والتعريف بالذاكرة الثقافية، كلها مجالات تستحق أن تُفحص من حيث أهدافها ووسائلها ومدى انتظامها. كما ينبغي ألا تختزل وظيفة الثقافة في دعم التحصيل الدراسي أو خدمة أهداف تعليمية مباشرة، لأن لها قيمة إنسانية وإبداعية في ذاتها، وتتيح للمتعلم(ة) توسيع أفقه والتعبير عن ذاته وفهم المجتمع والعالم. وعليه فإن مساءلة العلاقة بين الثقافة والتربية تطرح سؤالاً يتجاوز حجم الأنشطة المبرمجة: فهل تسهم الاختيارات العمومية في جعل الثقافة جزءاً من تكوين الإنسان وممارسته اليومية، أم أن الصلة بين القطاعين لا تزال تحتاج إلى مزيد من التخطيط والتنسيق؟
وهنا لا يمكن الجزم بالإجابة انطلاقاً من تصريح حكومي عام وحده، إذ ينبغي فحص البرامج القطاعية والتدابير التنفيذية والمعطيات المتاحة بشأن استفادة المتعلمين(ات) واستمرار الأنشطة.
رابعاً: الثقافة والتنمية: بين القيمة الإنسانية والمردودية الاقتصادية
تتصل الثقافة بالتنمية من وجوه متعددة، فهي تسهم في إنتاج المعرفة والإبداع… تحفظ الذاكرة… توسع المشاركة الاجتماعية، وقد تتيح فرصاً للشغل والمبادرة الاقتصادية في مجالات النشر والصناعات الثقافية والإبداعية والفنون والسياحة الثقافية وغيرها. غير أن إدماج الثقافة في مسار التنمية يقتضي التمييز بين الاعتراف بقيمتها الإنسانية والاجتماعية وبين النظر إليها من زاوية مردوديتها الاقتصادية وحدها. فالثقافة ليست مجرد وسيلة لجذب الزوار أو تنشيط الأسواق أو تحسين صورة المجالات الترابية، وإن كانت تستطيع أن تسهم في هذه الأهداف. إنها أيضاً مجال للمعرفة والتعبير والنقد والإبداع، وحق من الحقوق التي ينبغي أن تُصان بصرف النظر عن مقدار العائد المالي المباشر الذي تحققه. ومن هنا ـ كذلك ـ فإن السياسة الثقافية المتوازنة هي التي تستطيع الجمع بين دعم الإبداع بوصفه قيمة إنسانية، وتوفير شروط الاستدامة الاقتصادية للمبادرات الثقافية، وتوسيع فرص الشغل المرتبطة بها، دون إخضاع جميع الاختيارات لمنطق الربح أو العائد التجاري. كما أن الحديث عن الثقافة والتنمية يقتضي الانتباه إلى توزيع المنافع، فقد يحقق مشروع ثقافي أثراً اقتصادياً في مجال معين، لكن السؤال يظل قائماً بشأن الفئات التي تستفيد من هذا الأثر، وفرص مشاركة المبدعين المحليين، ومدى انعكاسه على الحياة الثقافية للسكان. ولذلك ينبغي أن تتجاوز المساءلة قياس عدد المشاريع أو حجم الاستثمار، لتبحث أيضاً في استمرارية الأنشطة، وظروف عمل الفاعلين الثقافيين، وفرص الإبداع والتكوين، ومدى إسهام المشاريع في توسيع المشاركة الثقافية وحماية الذاكرة المحلية.
وعند قراءة الالتزامات الحكومية المرتبطة بالتنمية الثقافية، يصبح من الضروري فحص مدى التكامل بينها وبين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والترابية، ومعرفة ما إذا كانت الثقافة تحظى بموقع واضح في التخطيط التنموي، أم يظل حضورها موزعاً بين مبادرات تحتاج إلى مزيد من التنسيق. لأن الرهان ليس الاختيار بين الثقافة والتنمية، بل بناء تصور للتنمية يعترف بالثقافة بوصفها قيمة في ذاتها، ومورداً للإبداع، ومكوناً من مكونات جودة الحياة.
خامساً: الثقافة والديمقراطية: من استهلاك البرامج إلى امتلاك الصوت
لا يكتمل المشروع الثقافي ـ عادة ـ بمجرد توفير المرافق والأنشطة، مهما كانت أهميتها، إذ ترتبط الثقافة أيضاً بقدرة المواطنين(ات) على التعبير عن ذواتهم، والوصول إلى المعرفة، ومناقشة القضايا العامة، والمشاركة في الحياة الجماعية.
ومن هذا المنظور، فإن الثقافة ليست ترفاً يأتي بعد استكمال الحاجات المادية، ولا مجالاً منفصلاً عن ممارسة المواطنة الحقة، بل يمكن أن تسهم في تطوير الحس النقدي وتوسيع أفق الحوار، وتعزيز القدرة على فهم الاختلاف والتفاعل معه. وتبرز أهمية هذا البعد في المجتمعات التي تسعى إلى توطيد المشاركة الديمقراطية، فالمواطن الذي تتاح له فرص التعلم والقراءة والإبداع والتواصل الثقافي يمتلك إمكانات أوسع لفهم محيطه والمساهمة في مناقشة الشأن العام. لكن ذلك لا يعني أن الثقافة تؤدي تلقائياً إلى الديمقراطية، أو أن ارتفاع الاستهلاك الثقافي يكفي دليلاً على اتساع المشاركة السياسية، فالعلاقة بينهما تتأثر بعوامل تربوية واجتماعية ومؤسساتية متعددة. ومن ثم ينبغي أن تتجنب السياسة الثقافية اختزال المواطن في موقع المتلقي، وأن تتيح له فضاءات للتعبير والمبادرة والنقاش، مع ضمان التعدد واحترام الحقوق والقواعد المنظمة للحياة العامة. هذا بالإضافة إلى أن الديمقراطية الثقافية تقتضي احترام استقلالية الإبداع والبحث، وتوفير شروط تسمح بتنوع التعبيرات والآراء ـ في إطار القانون ـ دون أن تتحول المؤسسات الثقافية إلى أدوات لترويج خطاب واحد أو إلى فضاءات مغلقة أمام المبادرات المختلفة. وعندئذ ستتجاوز المساءلة سؤال عدد الأنشطة التي تقدمها المؤسسات الثقافية إلى سؤال طبيعة الحياة الثقافية التي تتيحها، ويصير على الشكل التالي:
- هل توسع إمكانات التعبير والحوار؟
- هل تستوعب تنوع المجتمع؟
- هل تفتح المجال أمام المبادرات الجديدة؟
- هل تسمح للمواطنين بالمشاركة في تحديد الأولويات وتقييم النتائج؟
إن الثقافة التي تسهم في بناء الديمقراطية ليست بالضرورة ثقافة ذات خطاب سياسي مباشر، فقد يتجلى أثرها في تنمية القدرة على التفكير، وفي احترام الاختلاف، وفي إتاحة المعرفة، وفي توسيع إمكانات التعبير والإبداع.
سادساً: حدود البرنامج الحكومي: ما الذي يمكن إثباته وما الذي يظل مفتوحاً؟
تقتضي القراءة النقدية المنصفة التمييز بين الحكم على البرنامج الحكومي باعتباره وثيقة للتوجهات والالتزامات، والحكم على السياسة الثقافية باعتبارها ممارسة عمومية لا تتضح نتائجها إلا من خلال التنفيذ والتتبع والتقييم. فالتصريح الحكومي يحدد ما تعلنه الحكومة من اختيارات والتزامات، لكنه لا يقدم بالضرورة جميع التفاصيل التنفيذية المتعلقة بكل مجال. لذلك فإن عدم ورود تفصيل معين في التصريح لا يكفي وحده للجزم بغيابه عن عمل الحكومة، مثلما أن ورود التزام في النص لا يثبت أنه نُفذ أو أن أثره تحقق. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول المساءلة إلى محاكمة مسبقة، أو إلى قراءة تكتفي بتجميع الوعود وتكرارها دون اختبارها. ويمكن تنظيم القراءة النقدية للالتزامات الثقافية في أربعة مستويات مترابطة فيما بينها:
- وضوح الرؤية: هل تنتظم الالتزامات الثقافية ضمن تصور عام يوضح العلاقة بين الهوية والتربية والإبداع والتنمية والديمقراطية، أم تحتاج هذه العلاقة إلى مزيد من التحديد في الوثائق التنفيذية؟
- قابلية التنفيذ: هل تتوافر لكل التزام أهداف محددة، ومسؤوليات واضحة، وموارد مناسبة، وآجال معلنة، أم أن بعض الجوانب لا تزال تحتاج إلى تفصيل؟
- التكامل المؤسساتي: هل توجد آليات فعالة للتنسيق بين القطاعات والمستويات الترابية والفاعلين الثقافيين، وكيف يمكن التحقق من نتائج عملها؟
- الأثر والإنصاف: هل تتوفر معطيات تسمح بتقييم ما تحقق، ومعرفة الفئات والمجالات المستفيدة، وقياس مدى اتساع المشاركة الثقافية؟
ولا تمثل هذه الأسئلة أحكاماً جاهزة على البرنامج، بل معايير ينبغي استخدامها في قراءته ومتابعة تنفيذه. كما أن الإجابة عنها تحتاج إلى أنواع مختلفة من الأدلة: التصريح الحكومي لإثبات الالتزامات المعلنة، والوثائق القطاعية لتوضيح التدابير، والميزانيات لتحديد الموارد، والتقارير والمعطيات الميدانية لتقييم التنفيذ والنتائج.
وبذلك نحافظ على التوازن بين حقنا في مساءلة الاختيارات العمومية، وواجبنا في الاستناد إلى الأدلة، وتجنب الاستنتاجات التي تتجاوز ما تسمح به الوثائق المتاحة.
سابعاً: نحو تصور متكامل للسياسة الثقافية
إذا كانت المحطات السابقة قد أبرزت أهمية التنفيذ والحكامة والعدالة الثقافية، فإن تركيب هذه العناصر يقود إلى تصور للسياسة الثقافية لا يُقاس فقط بمدى حضور الثقافة في الخطاب الحكومي، بل بقدرتها على الانتظام في رؤية واضحة ومترابطة. ويمكن أن يستند هذا التصور إلى خمسة مرتكزات متكاملة هي:
- المرتكز الحقوقي: ويتحدد في التعامل مع الثقافة باعتبارها حقاً ينبغي تيسير ممارسته، مع مراعاة التعدد والإنصاف وتكافؤ الفرص.
- المرتكز الإنساني والتربوي: ويفترض وصل الثقافة ببناء الإنسان، وتوسيع فرص المعرفة والقراءة والإبداع والتعلم المستمر.
- المرتكز التنموي: ونقصد به دعم الإبداع والاقتصاد الثقافي حيثما أمكن، دون اختزال القيمة الثقافية في المردودية المالية فقط.
- المرتكز الديمقراطي: وهو الضامن للمشاركة والتعبير والتعدد، وإشراك المواطنين والفاعلين الثقافيين في تحديد الحاجات ومناقشة النتائج.
- المرتكز المؤسساتي: ويتمثل في تحديد المسؤوليات والموارد والآجال، وتنسيق التدخلات، وإتاحة المعلومات، واعتماد التقييم والمساءلة.
ويجب التنصيص هنا على أنه لا ينبغي أن تتحول هذه المرتكزات إلى قائمة معيارية منفصلة عن واقع السياسات العمومية، فقيمتها تتحدد بمدى ترجمتها إلى أهداف وبرامج وإجراءات قابلة للملاحظة والتتبع، وبمدى انسجامها مع المرجعيات الدستورية والاختيارات المعلنة في البرنامج الحكومي.
كما أن بناء سياسة ثقافية متكاملة لا يتطلب بالضرورة جمع كل المجالات الثقافية تحت جهاز إداري واحد، بل يتطلب وضوحاً في توزيع الاختصاصات، وتنسيقاً فعالاً بين المؤسسات، وقدرة على تحديد المسؤول عن كل التزام، وإمكاناً لمساءلته عن النتائج.
ويبقى الأهم أن تُبنى هذه السياسة على معرفة دقيقة بالحاجات الثقافية، وأن تستفيد من البحث العلمي والخبرة المهنية والتجارب المحلية، وأن تتيح للفاعلين الثقافيين والمواطنين المشاركة في تحسينها. خاصة وأن التكامل لا يعني إلغاء التنوع، وإنما تنظيمه ضمن رؤية تجعل تعدد المبادرات والاختصاصات مصدراً للغنى والفاعلية، لا سبباً لتشتت المسؤولية.
خلاصة المحطة السادسة: هل الثقافة أولوية معلنة أم اختيار مجتمعي ناظم؟
تقود القراءة التركيبية إلى أن مساءلة الثقافة في البرنامج الحكومي لا يمكن أن تتوقف عند إحصاء الالتزامات أو تقدير أهمية المجالات التي تتناولها. فالسؤال الأعمق يتعلق بالموقع الذي تحلّه الثقافة في التصور العام للمجتمع، وبمدى ارتباطها ببناء الإنسان، وصيانة الذاكرة، وتوسيع المشاركة الديمقراطية، وتحقيق الإنصاف، ودعم التنمية.
وتجدر الإشارة إلى أن المحطات السابقة قد أتاحت لنا تحديد مجموعة من المعايير التي يمكن أن تساعد على فحص: وضوح الرؤية ـ قابلية التنفيذ ـ تكامل المسؤوليات ـ تناسب الموارد ـ العدالة الثقافية والمجالية ـ توفر المعطيات اللازمة للتقييم. غير أن هذه المعايير لا تسمح بمفردها بإصدار حكم نهائي على حصيلة البرنامج الحكومي 2026–2031، فذلك يقتضي متابعة التنفيذ والرجوع إلى الوثائق القطاعية والميزانيات والتقارير والنتائج الفعلية. مؤكدين على أن ما تسمح به القراءة الحالية هو تحديد الأسئلة التي ينبغي أن توجه هذه المتابعة، والكشف عن الفارق المنهجي بين إعلان الالتزامات وإثبات تحققها. واعتماداً عليه فإن الحكم النقدي المتوازن لا ينطلق من افتراض النجاح أو الإخفاق، بل من اعتبار البرنامج الحكومي وثيقة تفتح مجالاً للمساءلة والتتبع وتحدد الالتزامات التي ينبغي أن تظل قابلة للفحص والتقييم العمومي.
وتبقى الخلاصة الأهم أن الثقافة لا تصبح أولوية مجتمعية بمجرد الاعتراف بها في الخطاب الرسمي، وإنما تكتسب هذا الموقع حين تنعكس في الاختيارات والموارد والمؤسسات، وفي فرص المواطنين(ات) الفعلية في المعرفة والإبداع والمشاركة، وحين تتوفر آليات واضحة لمتابعة ما تحقق وتصحيح ما لم يتحقق. واستناداً إليه نقول بأن مساءلة السياسة الثقافية ليست غاية في ذاتها، ولا محاولة لإصدار حكم سياسي متسرع، بل هي ممارسة ثقافية ومواطنة تسعى إلى وصل القول بالفعل، والاختيار بالمسؤولية، والحق المعلن بإمكان ممارسته.
