التشيليّة إيزابيل أيّيندِي: غابرييل غارسّيا مركيز بتنّورة! تعانق كبرىَ الجوائز فى الآداب الاسبانيّة “بلانيتا”

التشيليّة إيزابيل أيّيندِي: غابرييل غارسّيا مركيز بتنّورة! تعانق كبرىَ الجوائز فى الآداب الاسبانيّة “بلانيتا”

 د. محمد محمد الخطابي  

         فازت الرّوائية التشيلية إيزابيل أيّيندي بجائزة “بلانيتا” فى الآداب الإسبانية لعام 2026 عن روايتها  التي تحمل عنوان “الساعة التي تسبق الفجر”، التي تعتبر تتمّة لروايتها السابقة المعروفة “بيت الأرواح” إذ تعود أحداثها الى  هذه الرواية الشهيرة ،والى شخصيتها الاساسية  “ألبا ترويبا” بعد الاحداث التي شكّلت تلك الرواية . وتبلغ قيمة هذه الجائزة  المرموقة  مليون يورو،  وهي تعتبر من أكبر وأشهر الجوائز الادبية وأعلاها من حيث قيمتها المادية فى اسبانيا، وتليها مرتيةً جائزة سيرفانتيس الشهيرة.

  وقد تسلّمت الكاتبة التشيلية هذه الجائزة المرموقة فى 15 من شهر اكتوبر الجاري بمدينة برشلونة  خلال حفل ترأسه العاهل الاسباني فليبي السادس وحرمه الملكة ليتيثيا ، وتعتبر هذه الجائزة  فى نسختها الخامسة والسبعين  منذ إنشائها ولقد حازها العديد من الكتاب والادباء  من اسبانيا ومن بلدان امريكا اللاتينية الناطقة بلغة سيرفانتيس رجالاً ونساءً . وقد حطّمت هذه الجائزة هذا العام الرقم القياسي من حيث عدد المشاركين فيها إذ بلغوا 1.424  مشاركاً.

واشارت الروائية الفائزة بهذه الجائزة الهامة  للصحافيين : ان روايتها ” بيت الأرواح” كتبت منذ 45 عاماً،  وتعالج رواية “السّاعة  التي تسبق الفجر”  مرحلة جديدة  فى حياة شخصيتها الرئيسية   “ألبا” بعد ان عانت  حياة العنف والتنكيل خلال الدكتاتورية ، حيث تسلّط هذه الرواية الأضواء الكاشفة على  إشكاليات الذاكرة، والعائلة، والحب، والنساء، والقدرة عل إعادة بناء الذات بعد ان أنهكها العنف.

حياة حافلة بالمغامرات والعطاءات

ولدت ازابيل أيّيندي في الثاني من شهر أغسطس 1942 في العاصمة البيروفية ليما، ووالدها هو ابن عمّ الرئيس التشيلي  الأسبق سيلفادور أيّييندي، ثم انتقلت مع والدتها الى العاصمة التشيلية سانتياغو، حيث أمضت بها خمس سنوات ، وبعد ذلك انتقلت مع والدتها إلى بوليفيا، حيث كان زوج أمها الجديد يعمل دبلوماسيًا أيضًا فى هذا البلد. بعد بوليفيا انتقلت عائلتها للعيش فى  لبنان، حيث قضت ثلاثة أعوام فى بيروت ، ثم عادت العائلة من جديد إلى تشيلي.

 عملت أيّيندي في منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة في سانتياغو، كما عملت في بروكسيل وعواصم اوربية  أخرى.عادت بعد ذلك إلى بلدها الاصلي  تشيلي عام 1966، ومُنذ عام 1967  طفقت تعمل في هيئة تحرير مجلة “باولا”، وفي مجلة مامباتو للأطفال. انضمّت إزابيل أيّيندي منذ شبابها المبكر  إلى صفوف الكتاب اليساريين الذين اشتهروا في فترة انتشار الفكر اليساري الذي كان يناضل من أجل التحرّر، و الدفاع عن مساواة المرأة  وحقوقها .

من أشهر  رواياتها “ابنة الحظ” التي  تعالج  قصة مواطنة تشيلية  وهي” إلزا سوميرز” التي  كانت تعيش في (فالباراييْسو) عام 1849 وهو العام الذي اكتشف فيه الذهب في كاليفورنيا، هاجر خليلها “خواكين أندييتا” إلى شمال القارة بحثاً عن الكنز الموعود، وتقرّر (إلزا) أن تذهب وراءه في رحلة جهنمية شاقة ، متخفية في مركب شراعي بحثاً عن خطيبها في أرضٍ لا يؤمّها سوى الرجال، وبعض المومسات اللائي حضرن إلى هذه المنطقة القاحلة في خضم حمىّ البحث عن الذهب والثروة. ستعمل الظروف القاسية التي ستواجهها، وتعيشها على تحويل هذه الشابة البريئة إلى امرأة غير عادية صعبة المراس، سيساعدها طبيب صيني يُدعى ” تاو شين” في رحلة لا تنسى من خلال مغامرات وأسرار وتناقضات الحياة.

ذكرى جدّها التي لا تغيب عن فكرها

 لاحظ النقاد ان إزابيل أيّيندي غالباً ما تبدأ كتابة رواياتها في تاريخ الثامن من شهر يناير ، وعندما سُئلت عن سرّ ذلك قالت: «في الثامن من  ينايرمن عام 1981 علمتُ أن جدي يُحتضر فبدأت أكتب رسالة، هذه الرسالة سرعان ما تحوّلت إلى رواية “بيت الأرواح” .وقبل ذلك ظلّ مقتل سلفادور أليندي عام 1973 عالقاً في ذهنها، وصورة بارزة في عالم إبداعاتها الروائية وكتاباتها على العموم، وبعد النجاحات المتوالية التي حققتها  رواياتها في عالم الإبداع السردي أشيع في تشيلي احتمال نوبل ثالث لهذا البلد بعد مواطنتها الشاعرة غابرييلاّ ميسترال وهي أوّل امرأة تحصل على نوبل في الآداب في أمريكا اللاتينية عام 1945 والشاعر بابلو نيرودا الذي فاز بهذا التكريم العالمي نفسه عام 1971، ( أنظر مقاليْن لي عن هاذين الموضوعيْن  نُشرا مؤخّراً فى ” القدس العربي” )، إلاّ أنها علقت على ذلك مبتسمة ًحينها وقالت : «إن ذلك ما زال بعيداً عنيّ ، فأنا ما زلت في منتصف الطريق بالنسبة لهاذين المبدعيْم الكبيرين “. وها هي  ذي نبوءتها تتحقّق بحصولها اليوم على جائزة ” بلانيتا” الاسبانية الكبرى  التي نحن بصددها ،وهي مرشّحة دائمة للحصول على جائزة نوبل الى اليوم .

فى البحث عن الهويّة اللاّتينية فى المجتمع الأمريكي

وفى روايتها «قصص حواء قمر» (1984) تحكي لنا  إزابيل أييّندي قصة امرأة تنحدر من أبناء وبنات القمر، وهي قبيلة من قبائل السكان الأصليين من هنود أمريكا اللاتينية الذين عانوا شراسة وضراوة المستعمر الاسباني الغازي، وأبرزت في هذه الرواية عذابات ومعاناة شعب يقف في صراع دائم حول كيانه ووجوده وهويته، وتاريخه وتقاليده وموروثاته.

وفي كتابها “خطة غير متناهية” (1992) يتفجّر مدى الطموح الذي يعتمل في نفس هذه الأديبة، ويحكي لنا هذا الكتاب قصة غريغوري رايفيز وهو أمريكي أبيض نشأ في الحيّ المكسيكي في لوس أنجليس في كاليفورنيا، وتغطي القصة مرحلة زمنية تمتدّ من الحرب العالمية الثانية إلى بداية الثمانينيات، وليس في نية الرواية كما يبدو للقارئ من أول وهلة تقديم «شهادة عصر»، بل إنها تحكي ببساطة قصة ذات دوافع ونوازع وظواهر اجتماعية، حيث نلتقي مع شخصيات مثل «غريغوري رايفيز» ووالده «شارل رايفيز»، ومع «أولغا» وهي مهاجرة و«كامن موراليس» وعائلتها المكسيكية، وكلها شخصيات تعيش نوعا من الذوبان في المجتمع الأمريكي، حيث يعيش المرء حسب تقاليده، مشدوداً إلى ماضيه، إلاّ أنه في الوقت ذاته يتوق إلى تحقيق اندماج كلّي أو على الأقل جزئي في هذا المجتمع، وإن لم يتحقق ذلك معه، فعلى الأقل مع أولاده، يتم القص في هذه الرواية على لسان الغائب مع إدخال نوع من المونولوج على منوال رواية  «بيت الأرواح»، ما يجعل القارئ مشدوداً إلى هذه الرواية، وهو أوّل عمل روائي تعالج فيه الكاتبة  أييّندي وسَطاً غير أمريكي لاتيني، أي غير وسطها التقليدي المعتاد. ويبدو الجانب السحري في هذه الرواية في النشاط الذي يقوم به «شارل رايفيز» كداعية بهائي، و«أولغا» كساحرة، وبالجملة تصبح هذه الرواية بحثاً عن الهوية الأمريكية اللاتينية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تجسّم الرواية أو تعكس تصادماً وتطاحناً بين الثقافة الأمريكية اللاتينية في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم اللاتيني، وهي أيضا سياحة أو رحلة إلى عالم الجحيم الشخصي لرجل يجد خَلاصه، وملاذه وعزاءه في الحبّ، وهو آخر ما يمكن أن ينتشله المرء من معمعة الحياة وأتونها.

أيّيندي روائيّة من معطف ماركيز!

تقول إزابيل أيّيندي عن نفسها: “بدأتُ الكتابة في سنّ كانت تتجه فيه النساء التشيليات عادة إلى حياكة الجوارب لأحفادهنّ ” ،وعندما ظهرت أول رواية لها عام 1982 وهي  ذات الوجه الشاحب، والاسم الذي يرنّ بالمأساة، انهال عليها النقد تقريظاً وقدحاً في آنٍ، والغريب أن هذه الصحافية والأديبة، حققت نجاحاً لم يكن متوقعاً، ولم يكن في الحسبان، وانطلق الجدل حول باكورة أعمالها الروائية التي تحمل عنوان «بيت الأرواح»، حيث حققت بهذا العمل الروائي بين ليلة وضحاها انتشاراً واسعاً وذيوعاً كبيراً ، وثار بعد ذلك نقاش واسع آخر حول اللغة الواقعية السحرية الصقيلة التي استعملتها هذه الكاتبة الأمريكية اللاتينية في هذه الرواية، دون أن تصل آنذاك إلى مستوى الكتاب الكبار المشهود لهم بهذا الجانب الإبداعي في أمريكا اللاتينية، وعلى رأسهم القاص المكسيكي خوان رولفو، كما غالى بعض النقاد في اتهامها بمحاولة (استنساخ) رواية الكاتب الكولومبي غارسيا ماركيز الشهيرة «مئة عام من العزلة». كانت أييّندي  تقول عن ماركيز: “كان كل كتاب له يحصل على شهرة وشعبية لا حدود لهما، لذلك، يمكن القول إنه استحوذ على قلوب العديد من القراء، وانتشرت كتبه في جميع أرجاء العالم، لقد تحدث غارسيا ماركيز للعالم أجمع عن قارتنا، عن أمريكا اللاتينية، وجعلنا نتعرف على أنفسنا، وفي صفحات كتبه ورواياته كنا نرى أنفسنا وكأننا ننظر في مرآة». وتقول عن روايته الذائعة الصّمت (مئة عام من العزلة) «عندما بدأت في قراءة هذه الرواية، امتنعت عن الذهاب إلى العمل، بل مكثت في البيت أقرأها حتى انتهيت منها. كان كما لو أنه يروي لي قصتي الشخصية. إذ اكتشفت أن عائلتي كانت موجودة في الكتاب، وكان هناك بلدي والناس الذين أعرفهم، بل حتى جدتي كانت موجودة في  هذا الكتاب، فقد نشأتُ أنا أيضا في بيت جدي وجدتي مثله، كان هناك كثير من أوجه الشبه بيننا”.

وتؤكّد الناقدة المكسيكية “بياتريس مايير”  عن روايتها (بيت الأرواح): «من مميّزات هذه الرواية عرضها وسردها الإخباري العائلي المتواتر، وتجسيدها للحقيقة انطلاقاً من الواقع والغضب والحنق والعنف والسّخط المتفجر فيها، بأسلوبها المميّز فى كتابة  الروايات .

إزابيل أيّيندي وبلديّها الشّاعر الكبير نيرودا

وتقول إزابيل أيّيندي عن لقائها كصحافية مع  مواطنها الشاعر بابلو نيرودا قبل أيام قليلة من رحيله: «كان بابلو نيرودا، الأديب التشيلي الثاني الذي فاز بجائزة نوبل للآداب في بلدها بعد الشاعرة التشيلية غابرييلا ميسترال. كان ذا شهرة واسعة في جميع أنحاء العالم، وترجم شعره إلى مختلف لغات الأرض. وعندما داهمه المرض، عاد إلى بلده تشيلي، وبالضبط إلى مقر إقامته في “الجزيرة السوداء” لأنه كان يريد أن يموت ويدفن في منزله، حيث يوجد قبره في الوقت الراهن، قبل الانقلاب العسكري عام 1973 بفترة وجيزة، زرته في منزله، تناولنا الغداء ثم قلت له: «هل يمكنني أن أجري معك المقابلة الآن، لأنّ الوقت قد تأخر، وعليّ أن أعود الى سانتياغو؟» فقال: أية مقابلة؟ فقلت له: لقد جئت لأحاورك. عندئذٍ قال لي: على كل حال. فأنا لن أجعلك تجرين مقابلة معي. لأنك أسوأ صحافية في هذا البلد. أنت تكذبين طوال الوقت. ولا يمكنك أن تقولي الحقيقة. ولم تكوني أبدا موضوعية. وأنا متأكد من أنه إذا لم تكن لديك قصة، فأنت تختلقينها، لماذا لا تتحوّلين إلى كتابة الأدب، حيث تعتبر كل هذه المساوئ من المحاسن؟ إنني أنصحكٍ بذلك، ومنذ ذلك اليوم قرّرت أن ألج عالم الأدب والكتابة من أوسع أبوابه واختلاق القصص والحكايات  ولقد اصبحت أيّيندي  فيما بعد بالفعل  من رواد تيار الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية.

بين إزابيل أيّيندي وإدوَاردُو  غاليانُو

تعرّفت أيّيندي على صاحب الكتاب الذي ملأ الدنيا وشغل القرّاء «شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة» الكاتب الأروغوائي الكبير إدواردو غاليانو، فقالت عنه : غاليانو يمكن له أن يقصّ عليك ما لا نهاية له من القصص والحكايات بدون انقطاع، وبكلّ سهولة وسلاسة ويسر وجاذبية ، وذات مرة تقطعت بنا السبل في أحد الشواطئ في جزيرة كوبا ولم نعثر على وسائل النقل للعودة من حيث أتينا. وهكذا لعدة أيام استمتعت كثيراً وبلا حساب بالإصغاء لقصص فريدة، وحكايات مذهلة، فهو يتمتع بموهبة خارقة في رواية القصص، الشيء الذي جعل مؤلفه «شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة» كتاباً عظيماً يتميز بأسلوب جذاب، وكأنه قصة من قصص، أو حكاية من حكايات، أو مغامرات القراصنة المشوّقة… هناك قصة له فى هذا الكتاب السِّفر أحببتها كثيرا، جاء فيها: “كان هناك رجل عجوز يعيش بمفرده، وكانت تحاك حوله إشاعات مفادها أنه يخفي كنزاً باهظا في منزله، وذات يوم دخل اللصوص إلى بيته خفية، وصاروا ينقبون في كلّ مكان عن الكنز، وعثروا على خزانة بقبو سكناه، فأخذوها معهم، وعندما فتحوها وجدوها ملأى برسائل الحب، وكاد اللصوص أن يضرموا النيران في تلك الرسائل، إلا أنهم قرروا في ما بعد إعادتها إلى صاحبها، فصاروا يبعثون بها إليه واحدة، واحدة، كان العجوز يترقب بفارغ الصبر وصول ساعي البريد إلى منزله، وهو يحمل إليه رسالة جديدة في يده، وفي كلّ مرّة كان يشعر بسعادة عارمة لا حدود لها لتلقيه رسالة جديدة من تلك المرأة”.

 من أعمال هذه الروائية الفريدة   : بيت الأرواح ،عن الحب و الظلال ، إيفا لونا (،حكايات إيفا لونا (قصص قصيرة) ، الخطة اللانهائية، باولا (كتاب تذكاري) ،آفروديت (وصَفات، قصص، وأفروديتيات أخرى) ،ابنة الحظ ،صورة عتيقة ،مدينة البهائم  ،بلدي المُتخيل ،مملكة التنين الذهبي ، غابة الأقزام ( وهي روايات للأطفال و البالغين) ،وسواها من الاعمال الاخرى و،ومن الجوائز الادبية التي حصلت عليها  فى بلدها قبل جائزة بلانيتا الاسبانية  الجائزة الوطنية للآداب .* 

_________________________________

* تحريراً فى  (Torremolinos)  بُرج الطواحين  مالقة،  فى 20 اكتوبر 2026.

شارك هذا الموضوع

د. محمد محمد الخطابي

كاتب، وباحث، ومترجم من المغرب عضو الأكاديمية الاسبانية- الأمريكية للآداب والعلوم بوغوتا كولومبيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!