قوة الموقف من الصحراء المغربية تبدأ من الداخل
ذ. يوسف مقران
تفرض التطورات الأخيرة التي تعرفها قضية الصحراء المغربية إعادة النظر في الشروط الداخلية التي ينبغي أن تستند إليها المرحلة المقبلة. فبعد استدعاء الأمناء العامين للأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، ودعوتهم إلى تقديم مذكرات تتضمن تصوراتهم ومقترحاتهم بشأن تحيين وتفصيل مبادرة الحكم الذاتي، يحق لنا أن نتساءل عن مدى قدرة هذه الهيئات السياسية على التعبير عن الإرادة الشعبية في قضية يفترض أنها تعني المغاربة جميعا.
لا يتعلق الأمر بالاعتراض على إشراك الأحزاب في هذا الورش الوطني، ولا بالتقليل من أهمية مساهمتها السياسية، وإنما بالتذكير بأن التمثيلية البرلمانية، وإن كانت تستمد مشروعيتها من المؤسسات الدستورية، لا تعني بالضرورة أن الأحزاب الممثلة فيها تحظى بتأييد أغلبية المواطنين.
تكفي العودة إلى أرقام الانتخابات التشريعية الأخيرة لفهم حجم هذه المفارقة. فقد بلغت نسبة المشاركة 38.02 في المائة من المسجلين في اللوائح الانتخابية، أي إن نحو 9.8 ملايين مسجل لم يشاركوا في التصويت. وإذا احتسبنا أيضا المواطنين البالغين سن التصويت وغير المسجلين، فإن عدد الذين لم يشاركوا في العملية الانتخابية يناهز 22 مليون مغربي.
هذه الأرقام لا تسمح لنا باعتبار جميع غير المصوتين مقاطعين بإرادتهم، لكنها تضعنا أمام حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها: هناك كتلة واسعة من المجتمع لا تجد نفسها في العرض الحزبي القائم، أو لا ترى في المشاركة الانتخابية مدخلا فعليا للتأثير في القرار السياسي.
ومن هنا، أعتقد أن التعويل مجددا على أحزاب استنزفت رصيدها السياسي، وفقد بعضها كثيرا من قدرتها على التأطير والتعبئة، لن يكون كافيا لبناء الجبهة الداخلية التي تحتاج إليها البلاد في هذه المرحلة. فالقضايا الوطنية الكبرى لا ينبغي أن تظل رهينة حسابات النخب الحزبية، ولا أن تختزل المشاركة الشعبية فيها في بيانات التأييد ومواسم الانتخابات.
إن الرهان الحقيقي اليوم هو استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذا لا يتحقق بخطاب التعبئة وحده، ولا بتوسيع دائرة المشاورات لتشمل التنظيمات السياسية فحسب، وإنما بخطوات سياسية وحقوقية ملموسة تعيد الاعتبار للمواطن باعتباره شريكا في بناء وطنه، لا مجرد متلق للقرارات.
ولعل أولى هذه الخطوات وأكثرها دلالة هي الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، وفتح صفحة جديدة في مجال الحريات العامة، وحرية التعبير والتنظيم، وتعزيز استقلال القضاء، وإطلاق مسار جاد نحو ديمقراطية حقيقية، لا أقول انتقالا ديمقراطيا، وإنما ممارسة ديمقراطية فعلية تجعل المؤسسات المنتخبة قادرة على تمثيل المواطنين والتعبير عن تطلعاتهم ومراقبة السياسات العمومية ومحاسبة المسؤولين.
قد يبدو للبعض أن إثارة هذه المطالب في سياق الحديث عن قضية الصحراء أمران منفصلان، لكنني أرى العكس تماما. فالمصداقية التي يسعى المغرب إلى تكريسها لمقترح الحكم الذاتي لا ينبغي أن تقتصر على الحجج القانونية والدبلوماسية، بل تحتاج أيضا إلى نموذج سياسي وحقوقي يعكس في الواقع قيم المساواة والكرامة والعدالة والحق في المشاركة في تدبير الشأن العام.
إن تقديم المغرب نفسه باعتباره دولة قادرة على منح أقاليمه الجنوبية حكما ذاتيا موسعا، يقتضي أن تكون الممارسة الديمقراطية والحريات والحقوق جزءا أصيلا من واقعه الوطني، لا مجرد وعود مرتبطة بمستقبل تسوية النزاع.
بل إن اتخاذ خطوات شجاعة في هذا الاتجاه من شأنه أن يضع خصوم الوحدة الترابية أمام واقع يصعب تجاهله. فالدفاع عن الوحدة لا يكتمل بمجرد المطالبة بها، وإنما يتعزز حين تصبح الدولة، في نظر مواطنيها، فضاء للإنصاف والمساواة وصيانة الحقوق، وحين يجد المواطن نفسه شريكا في القرار والمصير.
ولا يتعلق الأمر هنا بضمان عودة الصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف بمجرد اتخاذ هذه الإجراءات، فذلك يرتبط بعوامل سياسية وتاريخية أخرى، وإنما بتوفير شروط واقعية تجعل العودة إلى المغرب خيارا يجد فيه هؤلاء مستقبلا سياسيا واجتماعيا قائما على المواطنة المتساوية، والحقوق المكفولة، والمشاركة الفعلية في تدبير شؤونهم.
في تقديري، لا يحتاج المغرب اليوم إلى جبهة داخلية تردد خطابا موحدا بقدر ما يحتاج إلى مجتمع يشعر بأن له مكانا حقيقيا في وطنه، وإلى مؤسسات تحظى بثقته، وأحزاب تستمد قوتها من قواعدها الشعبية لا من مجرد حضورها في المؤسسات.
إن قوة المغرب في ملف الصحراء لا تقاس فقط بعدد الدول التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي، ولا بحجم المكاسب الدبلوماسية المحققة، بل أيضا بمدى قدرته على بناء نموذج داخلي يجعل من الوحدة الوطنية اختيارا قائما على الثقة والحقوق والمشاركة، لا مجرد شعار سياسي.
