حدود الهيمنة ما بين السياسي والإعلامي

حدود الهيمنة ما بين السياسي والإعلامي

جمال المحافظ

على الرغم من تعقد العلاقة ما بين المحدد السياسي والمحدد الصحفي والإعلامى – كما هو الشأن بالنسبة للعلاقة ما بين البعد الثقافى والسياسي- فإن ذلك قد يسمح ببناء فرضيات ومعطيات مساعدة على تركيب العلاقة بين الحقلين، في الوقت الذي تتجاذب التفكير فى موضوع علاقة الثقافي بالسياسى في الأغلب الأعم إرادة الهيمنة والإستقطاب، وهو ما يكشف المواقف الضدية المتباينة جانبا من خلفيات التنافر القائم بين المجالين، كما يرى كمال عبد اللطيف: في مقال له بعنوان “الثقافي والسياسي، الاستقلال، التقاطع، والإسناد المتبادل”. 

بيد أنه لا يمكن فهم  الإعلام فهما شموليا، دون التطرق إلى مؤسسات المجتمع ونظمه المختلفة، إذ يتفق معظم دارسى الإتصال على أن وسائل الإعلام، تشكل جزء من البناء الإجتماعي، وأن تطورها – حسب باحثين- يعد نتيجة  لعمليات التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وأنها تتأثر، تأثرا مباشرا بالأوضاع الإجتماعية والثقافية والتنظيمات السياسية والأنساق الإيديولوجية، كما أنها تؤثر فيها كذلك.

علاقة عضوية

وباعتبار أن الاستقلال النسبي بين الحقول يصعب العثور عليه في النسق السياسي الوطني، فإن مؤسسات الإعلام لا تسطيع البقاء مستقلة عن البيئة المحيطة بها، ولكنها رغم ذلك تأخذ إلى حد ما شكل الهيكل الإجتماعي والسياسي الذى تشتغل في اطاره، مما يجعل العلاقة مابين المؤسسة الاعلامية والمجتمع وثيقة وعضوية “، حسب ما سجلته الباحثة المصرية جهان رشتي في كتابها “نظم الاتصال: الاعلام في الدول النامية”.وتتمثل هذه العلاقة القائمة ما بين الاعلام والمجتمع في الطريقة التي يتم بها تنظيم هذه المؤسسات ومراقبتها. وتحدد الفلسفة السياسية لكل دولة – بناء علي ذلك- حجم ومضمون وسائل الإعلام التى تعكس واقع المجتمع الذى يعيش فيه المرء، فضلا عن مساعدتها على تحديد طبيعة ذلك المجتمع.

      ويلاحظ على المستوى الوطني، فإن الطبقة السياسية، لم تنفضل بصورة نهائية عن الماضي، وانعكس هذا الإستمرار في المحافظة على نفس أسلوب الحياة والسياسية، فجو الصراع والعداوة المبالغ فيها بين جماعات النخبة، يؤديان منذ القديم إلى تماسك عناصرها، وليسلى تفتيتها.

   النخبة والمجتمع

  ويتوازن انقسام النخبة بفضل الدفاع عن المصالح المشتركة، في الوقت الذي توحد العلاقات الإقتصادية ما تفرقه الاختلافات السياسية الآنية، وهو ما ” يجعل سلوك النخبة، يعكس سلوك مجموع المجتمع المغربي” كما كان يرى الباحث الامريكي جون واتربوري في كتابه الشهير بعنوان “أمير المؤمنين- الملكية  والنخبة السياسية المغربية “.

   وأصبح ينظر إلى السلطة على أنها جهاز دفاعي تؤمنه المجموعة وليس الفرد، ولكن تظل جميع الأبواب مفتوحة، لأي تحالف جديد تبرره الظروف أوالمصالح، أكثر مما تمليه الإختيارات الإيديولوجية، لذلك تبدو التحالفات غير مستقرة ويستطيع الأفراد أن يتنقلوا من جماعة  إلى أخري، وأن تكون لهم بالتالي إنتماءات متعددة.

      تحالفات غير مستقرة

وعلى خلاف العديد من البلدان العربية والافريقية، لم يفض الكفاح من أجل الاستقلال إلى إقامة نظام الحزب الوحيد وإلى تكريس هيمنة حزب معين، بل على العكس من ذلك، عرف المشهد السياسي، منذ السنوات الأولى للاستقلال، تطورا واضحا نحو التعددية السياسية والحزبية، وبالتالي شكل التعدد السياسي، كضمان ونتاج للكفاح من أجل نيل الاستقلال، وانعكاس للبنية الاجتماعية وللدستور الذي يمنع الحزب الوحيد، منذ أول دستور سنة 1962.

      كما أن المغرب وإن كان من بين دول الجنوب القليلة التي أقرت في وقت مبكر، التعددية الحزبية التي ظلت إلى حدود الستينات والسبعينات “منطقية وعقلانية”، لكونها تعد انعكاسا لضرورات سياسية وقوى اجتماعية محددة، فإن الإنشقاقات الأولى التي عرفتها الحركة الوطنية، كانت نابعة من تطور المجتمع الذى تتحرك في نطاقه، ونتيجة حقيقية لتطور المجتمع، و”لم تكن انشقاقات مصنوعة”.

   الصحافة والسياسة

   وإذا كانت التعددية الحزبية ضرورية للبناء الديمقراطي وللتنمية، تنطوي على تعدد في الإجتهادات والتصورات السياسية، فإن مواكبة الإنشقاقات الحزبية، يكشف الوتيرة العالية لتناسل الأحزاب أمام مشهد تعددي، لا يترجم في الحقيقة الإنتماءات الطبقية، بقدر ما تترجم  إرادات إحتلال مواقع الصدارة والزعامة، حسب ما تذهب إليه بعض الآراء.

   وارتبطت الصحافة المغربية في مجملها بالفضاء السياسي من جهة، وبالعمل الحزبي من جهة ثانية، وظلت وظيفة الصحافة الحزبية في عهد الاستقلال محكومة بمنطق الصراع السياسي، الذى يختزل في إطاره الصراع بين النخب، وطموح الحركة الوطنية في كسب ود الجماهير وممارسة الحكم، مما جعل حياة الصحيفة تظل رهينة بملابسات وتجاذبات الحياة السياسية، وذلك بالنظر الى التلازم التام بين الصحيفة والحزب الذى تعد دراسة تاريخه بالمغرب، تتم عبر دراسة جريدته الناطقة بلسانه.

   صحافة حزبية

   وتميزت فترة الاستقلال باختيار المغرب بشكل طبيعي لنظام التعددية، مستفيدا من الزخم القوي للمقاومة وتعدديتها، ومشاربها السياسية والفكرية المختلفة، وكان من الطبيعي أن تسعى كل الاتجاهات السياسية للحصول على مكان لها في الساحة الإعلامية.

  وتنافس الفاعلون في الصحافة على اكتساح سوقها المتجدد، إذ يلاحظ أن الذين كانوا يصدرون الصحف، كانوا من المناضلين الذين لم يكن لهم إلمام بتقنيات الصحافة، سواء من حيث التحرير أو الادارة أو الانتاج أو الإعلان، حيث كان كل انتاجهم من اجتهادهم الشخصي الذى يغديه وعيهم الوطني بما كانوا يعتبرونه واجبهم في ميدان الاعلام.

   بيد أن الصحافة الحزبية تعرضت منذ سنة 1961، للتضييق والمنع، وتعلم الصحافيون أن يتعاملوا مع هامش الحرية الذي أصبح يتقلص بسرعة قصوى خلال هذه المرحلة. وبالإعلان عن حالة الاستثناء سنة 1965، تزايدت عمليات حجز ومنع الصحف، فترة طغى خلالها الطابع السياسي على العمل الصحافي .

   فتعامل الصحف مع الأحداث، كان يخضع بالدرجة الأولى لرؤى وتوجهات سياسية لهذا الحزب أو ذاك، وهذا ما يفسر تباين وجهات النظر والتأويلات التي يتعرض لها الحدث الواحد.

   تكنولوجيا و تواصل سياسي

   وظلت السمة الغالبة على الصحافة المغربية، قبل تسعينات القرن الماضي، تتمثل في هيمنة الأحزاب التي كانت تحدد وظيفة الصحيفة في نشر أفكارها ومبادئها، وتمرير خطابها السياسي والتواصل مع مناضليها مع توجيه الرسائل الى من يهمه الأمر،  في الوقت الذى تعطى الأولوية لعلاقة الحزب بالمناضلين، على حساب العلاقة ما بين الصحيفة والقراء، بدلا من صحيفة موجهة لجمهور لقراء تختلف حاجياتهم المعرفية والثقافية. وهذا ما جعل الاحزاب السياسية تستمد اختياراتها في ميدان الاتصال الجماهيري من تجربة الحركة الوطنية، وارتبطت الصحافة في نشأتها وتطورها بهذه الأحزاب، في حين ظلت تغفل عوامل أخرى مؤثرة منها الأداء المهني وحاجيات القراء والتسويق.

لن نتحدث عن مستوى  العلاقة ما بين السياسة والاعلام في الألفية الثالثة، بقدر  يتعين الانتباه الى التحولات التي طالت التواصل السياسي ومجتمع الاعلام بفضل الثورة التكنولوجية التي جعلت وسائل الاعلام  الجماهيرية من صحافة ورقية واعلام سمعي بصري والكتروني ووسائط الاتصال، تكتسى أهمية بالغة، نتيجة التأثير الواسع الذي تمارسه على تشكيل الرأي العام وتوجيهه، وتحولت بذلك هذه الوسائط، بتأثيراتها المباشرة، الى موجه  لطريقة تمثلنا للعالم، وجعلت علاقتنا بهذا العالم، لا تتم وفق تجربتنا  المباشرة، بل تتم وفق الرؤية التي يقدمها لنا الإعلام جاهزة، وذلك بغض النظر عن مستوى العلاقة القائمة ما بين الإعلام والسياسة، وأوجه التداخل والتوتر والتكامل على ضوء الأدوار التي يضطلع  بها كل واحدة منهما.

 

شارك الموضوع

جمال المحافظ

باحث متخصص في شؤون الإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *