أفق: الساعاتي
صدوق نورالدين
1/
أقمت في الدار البيضاء بداية الثمانينيات. كنت فيما مضى أتردد عليها لماما في يوم واحد للقاء صديق، المشاركة في ندوة أو التعرف على أحدث الإصدارات التي من النادر أن تصل مسقط الرأس (آزمور).
منذ الإقامة، وإلى اليوم، ما يزيد على الخمسين سنة، تعرفت على أماكن حملت أكثر من رمزية سواء على مستوى الخدمات التي تقدمها، أو نوعية الزبناء الذين يعدون جزء من المكان، أو تفصيلا من تفصيلاته، حتى أن بعض المقاهي أو الحانات باتت تحمل أسماء أدباء وكتاب، عوض أسمائها الحقيقية.
2/
يحلو فيما بقي من كأس الحياة، أن أتجول وسط الدار البيضاء محاولا استعادة رمزية بعض الأماكن. ما يلفت كون البعض انمحى تماما أو غدا أطلالا. وآخر اختار مالكوه مسايرة سرعة التحولات بتغيير الخدمة المقدمة للزبناء، فيما ظلت البقية تصارع سرعة التحولات.
3/
يحضرني مكان ظللت أتردد عليه إلى كتابة هذه السطور، وكلما مس عطل ساعة اليد التي أحملها. يقع في شارع محمد الخامس، بالتحديد زنقة إدريس العمراوي ويحمل اسم “بيك بن”.
حافظ الساعاتي نورالدين البعاج الذي توفي مؤخرا وفق ما أخبرت به _ وكان بالمناسبة يقرأ جريدتين في اليوم _ على رمزية المكان. لم يغير شيئا. ولم يحوله مقصفا أو دكانا لبيع حلويات و قنينات مياه، وبالرغم من أني كلما قصدته بعد ستة أشهر أو سنة كاملة، أجد المكان فارغا تعبر عنه رمزيته وقناعة الساعاتي بأن ما يقدم عليه خدمة إنسانية يجدر أن يقوم بها في راحة تامة واطمئنان ذاتي.
في أحيان، كنت أمر من أمامه فقط لأرى هل هو ما يزال قائما في ذات المكان، فيتلبسني فرح غامض.
على أني في زيارتي الأخيرة له، طلبت من مساعده الذي يتأهب لتقاعده، الاستمرار في الحفاظ وصيانة هذه الرمزية التي يعي المترددون عليها مدى قيمتها، ونبل الخدمات التي تقوم بها.
4/
كم من مكان غاب صاحبه، فتنازعته الأيدي بحثا عن كسب سريع. وكم من مكان يمثل نداء روحيا يستعاد وباستمرار دائم يقتضي الحفاظ عليه.
