دوستويفسكي واليهود: صفحات مثيرة للجدل من حياة الأديب الروسي وفكره
د. زياد أسعد منصور
نص مترجم ومحرر عن مادة منشورة باللغة الروسية، موجه إلى القارئ العربي المهتم بفكر دوستويفسكي، ومواقفه الفكرية، والدينية، والاجتماعية.
تستند المادة إلى نص روسي متداول عبر منصة يوتيوب، يتناول جانبًا من حياة الأديب الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي ومواقفه من المسألة اليهودية. وقد أُعيدت صياغته بالعربية، مع المحافظة على مضمونه وتسلسل أحداثه، لتقريب هذه المادة إلى القارئ العربي المهتم بتاريخ الفكر والأدب الروسي.
وهي موجهة على وجه الخصوص إلى القارئ الذي تعرّف إلى دوستويفسكي من خلال روايتيه الشهيرتين «الجريمة والعقاب» و«الإخوة كارامازوف»، وربما لم تتح له فرصة الاطلاع على كتاباته الصحفية ومواقفه الفكرية والسياسية والدينية، التي تكشف جوانب أخرى من شخصيته المعقدة، وتضع نتاجه الأدبي في سياقه التاريخي الأوسع.
المقصود من تقديم هذه المادة إتاحتها باللغة العربية بوصفها نصًا يستحق القراءة والمراجعة والبحث. وعنوانها:
دوستويفسكي: المذكرات السرية عن اليهود! ما الذي أُخفي طوال 140 عامًا بعد وفاة العبقري؟
كانت أمسية الثامن والعشرين من كانون الثاني عام 1881 آخر أمسيات أحد أعظم الأدباء الذين سبروا أغوار النفس البشرية، وكشفوا ما يعتمل في أعماقها من صراعات وأهواء وتناقضات.
في شقة متواضعة تقع في زقاق كوزنيتشني بمدينة سانت بطرسبورغ، كان الكاتب البالغ من العمر تسعة وخمسين عامًا يلفظ أنفاسه الأخيرة. فقد اشتد عليه النزيف الرئوي حتى تضاءلت آمال نجاته، على الرغم من وجود الطبيب إلى جواره. وكانت زوجته ممسكة بيده لا تفارقها، بينما وقف أطفاله عند عتبة الغرفة، وقد أذهلهم هول المشهد.
وفي الخارج، كانت العاصمة الروسية تمضي في حياتها المعتادة. عربات الخيل تعبر ساحة فلاديمير حاملة ركابها، والثلوج تتساقط على الطرقات في ذلك المساء الشتوي الكئيب.
هكذا كان يودّع الحياة مؤلف “الجريمة والعقاب” و”الأبله” و”الشياطين” و”الإخوة كارامازوف”، ذلك الأديب الذي امتلك جرأة نادرة على اقتحام أكثر مكامن النفس الإنسانية الأكثر ظلمة وغموضًا.
ولا يزال إرثه الأدبي والفكري، بعد مرور ما يزيد على قرن من وفاته، يثير مناقشات حادة بين الباحثين والقراء. ولعل من أشد القضايا المتصلة بسيرته إثارةً للجدل موقفه من اليهود، وما انطوت عليه كتاباته من أحكام وتصورات بشأنهم.
ففي السنوات الأخيرة من حياته، وجد دوستويفسكي نفسه عرضة لانتقادات مختلفة. إذ اتهمته الصحافة التقدمية بإذكاء العداء لليهود، بينما عاتبه بعض المحافظين على ما اعتبروه تساهلًا مفرطًا في معالجة المسألة اليهودية.
ومن هنا تبرز أسئلة لا تخلو من أهمية: ما حقيقة موقف فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي من اليهود؟ وما الأسباب التي جعلت هذه المسألة تستحوذ على جانب من اهتمامه الفكري والسياسي؟
وكيف يمكن تفسير التناقض بين تجربة رجل عاش سنوات الأشغال الشاقة إلى جانب سجين يهودي ربطته به علاقة إنسانية، وبين كتاباته اللاحقة التي استخدم فيها أوصافًا قاسية بحق اليهود، من بينها وصفهم بمصاصي الدماء؟
ولماذا كان الأديب الذي أنتج شخصية الأمير ميشكين، وجعل منها تجسيدًا للرحمة المسيحية والتعاطف الإنساني، يميل في بعض كتاباته إلى تحميل قوم بأكملهم مسؤولية أفعال بعض أفراده؟
إن البحث عن جذور هذه التناقضات لا يبدأ من صفحات “يوميات كاتب” الصادرة عام 1877، ولا من سنوات إقامته في سيميبالاتينسك وحدها، بل يعود إلى طفولته المبكرة في موسكو، وتحديدًا إلى مستشفى ماريينسكي للفقراء، حيث كان والده يعمل طبيبًا.
الولادة والطفولة
في الثلاثين من تشرين الأول عام 1821، وُلد فيودور، الابن الثاني للطبيب ميخائيل أندرييفيتش دوستويفسكي، في مسكن متواضع ملحق بالمستشفى. وكان شقيقه الأكبر ميخائيل قد أتم عامه الأول، ثم اتسعت الأسرة لاحقًا بولادة خمسة أبناء آخرين.
كان الأب، الذي بلغ الثالثة والثلاثين من عمره، يتقاضى دخلًا سنويًا يقارب ألفي روبل. وقد عُرف بحدة طبعه وصرامته الشديدة، فضلًا عن تدينه العميق الذي كان يمتزج أحيانًا بميل إلى التشدد والكآبة. وكان شديد القسوة في تربية أبنائه، يطالبهم بالطاعة والانضباط دون كثير من التسامح.
أما والدته ماريا فيودوروفنا، التي كانت في الثامنة والعشرين من عمرها وتنحدر من أسرة كانت تمارس التجارة، فقد كانت على النقيض من زوجها. فقد تمتعت بثقافة أدبية واسعة، وكانت تحفظ الكثير من كتابات المؤرخ والأديب الروسي نيقولاي كارامزين. وإليها يُعزى الفضل في غرس محبة الأدب والقراءة في نفوس أبنائها.
كانت الأسرة تقيم في شقة ضيقة لا تتجاوز غرفها الأربع، عبارة عن مكتب للأب، وغرفة للأطفال تزدحم بالأسرّة الصغيرة، وغرفة للجلوس تضم الأيقونات الدينية وخزانة الكتب، وغرفة نوم للوالدين. وفي هذا الحيز المحدود تشكل العالم الأول للطفل فيودور.
نشأ الصبي ميالًا إلى العزلة والتأمل، على خلاف شقيقه الأكبر الذي اتصف بالحيوية والنشاط. وكان يقضي ساعات طويلة جالسًا قرب النافذة، يراقب ساحة المستشفى وما يمر بها من فقراء ومرضى ومحتضرين.
كان مستشفى ماريينسكي يستقبل أولئك الذين تعجز أحوالهم المادية عن تمكينهم من العلاج في المؤسسات الطبية الخاصة. وهكذا أصبحت مشاهد الألم والبؤس والموت جزءًا من التجارب اليومية التي أحاطت بطفولة دوستويفسكي، وتركت أثرها العميق في حساسيته الإنسانية.
ضمت مكتبة الأسرة أعمال كارامزين وجوكوفسكي وبوشكين وديرجافين. وعلى الرغم من أن الأب لم يكن يشجع أبناءه على الإفراط في القراءة، فإن الأم كانت تمدهم بالكتب بعيدًا عن رقابته.
ويُروى أن فيودور، وهو في السابعة من عمره، كان قد ألمّ إلمامًا واسعًا بمضامين كتاب “تاريخ الدولة الروسية” لكارامزين.
وكان من أوائل معلميه الشماس ماتفي فاسيليفيتش باشماكوف، الذي تولى تعليمه مبادئ الدين واللغة الروسية والحساب. وقد امتاز هذا المعلم بقدرته على سرد القصص التوراتية في صورة حكايات حية تزخر بالمواقف الإنسانية والمآسي الأخلاقية.
وتركت قصة النبي أيوب، بما تحمله من معاني الصبر والمعاناة البريئة، أثرًا بالغًا في نفس الصبي. ولم يكن غريبًا أن تصبح قضية الألم الإنساني ومعاناة الأبرياء من أبرز الموضوعات التي ستلازم أعمال دوستويفسكي الأدبية والفكرية.
الجالية اليهودية في بطرسبورغ وموسكو والمسار الأدبي
كانت الجالية اليهودية في موسكو خلال عشرينيات القرن التاسع عشر محدودة العدد، في ظل القيود الصارمة التي فرضتها السلطات القيصرية على إقامة اليهود خارج نطاق الاستيطان المخصص لهم. ولم يكن مسموحًا لهم بالإقامة في العاصمتين إلا بتصاريح استثنائية، كانت تُمنح لبعض الفئات، ومن بينها كبار التجار وأصحاب المؤهلات العلمية.
أما في منزل دوستويفسكي، فقد ارتبط ذكر اليهود أساسًا بالروايات الدينية المسيحية، حيث كانوا يُقدَّمون في سياق قصة صلب المسيح ورفض رسالته.
وهكذا تشكلت لدى الطفل صورة دينية مجردة عن اليهود، قبل أن تتاح له فرصة الاحتكاك المباشر بهم والتعرف إلى حياتهم الفعلية.
ففي كانون الثاني عام 1838، التحق دوستويفسكي، وهو في السادسة عشرة من عمره، بإحدى المؤسسات العسكرية التعليمية المرموقة، وكانت الدراسة فيها تقوم على الانضباط الصارم والتدريبات العسكرية، إلى جانب الرياضيات والفيزياء والرسم الهندسي وفنون التحصين.
غير أن هذه العلوم لم تستهوِ الشاب الذي كانت نفسه تتوق إلى الأدب والتأمل في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحياة والوجود والمصير الإنساني.
وفي حزيران 1839، تلقى خبرًا مروعًا عن وفاة والده، الذي عُثر عليه جثة هامدة في ضيعته الواقعة بمحافظة تولا. أما عن سبب الوفاة، فقد أُعلن أن جراء سكتة دماغية، لكن شائعات انتشرت آنذاك تفيد بأن بعض الفلاحين الأقنان ربما قتلوه انتقامًا من قسوته وسوء معاملته لهم.
لقد كان وقع الخبر شديدًا على فيودور، الذي أخذت أسئلة الجريمة والذنب والعقاب تشغل تفكيره وتطارده.
وتربط الرواية بين هذه الصدمة وبداية نوبات الصرع التي سترافقه طوال حياته.
وفي عام 1843، تخرج في المدرسة العسكرية برتبة نقيب، وأُلحق بوحدة الهندسة العسكرية في بطرسبورغ. وكان راتبه السنوي، الذي قُدّر بنحو خمسمئة روبل، يكفي لتأمين حياة متواضعة. لكن العمل الإداري بدا له رتيبًا وخانقًا، لا ينسجم مع طموحاته الأدبية.
ولذلك قرر في عام 1844 تقديم استقالته والتفرغ للكتابة، في خطوة بدت شديدة المجازفة بالنسبة إلى شاب يفتقر إلى المال، والعلاقات، والنفوذ، والشهرة.
استغرق تأليف روايته الأولى «الفقراء» نحو عام كامل. وكان يقيم في غرفة متواضعة بجزيرة فاسيليفسكي، ويكابد ضيق العيش، بينما ينصرف إلى تصوير حياة الموظف البسيط ماكار ديفوشكين، وما يفعله الفقر بالنفس الإنسانية حين يسلب الإنسان كرامته وأمله.
وفي ربيع عام 1845، اكتملت المخطوط، فقام زميله غريغوروفيتش بعرضه على الشاعر نيكراسوف، الذي تأثر بها تأثرًا بالغًا، فسارع إلى تقديمها إلى الناقد الأدبي الشهير فيساريون بيلينسكي. ويُنسب إلى بيلينسكي أنه استقبل الرواية بحماسة قائلًا: “لقد ظهر غوغول جديد”.
وهكذا وجد دوستويفسكي نفسه، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وقد انتقل فجأة من عالم المغمورين إلى دائرة الشهرة الأدبية.
احتفى به بيلينسكي، وعرّفه إلى عدد من أبرز أدباء عصره، ومنهم تورغينيف ونيكراسوف وباناييف، غير أن النجاح المبكر أصابه بشيء من الزهو، فبدأ يتصرف بثقة مفرطة أثارت استياء بعض الأوساط الأدبية.
ولم تحظَ أعماله التالية بالحفاوة نفسها، فكانت خيبة الأمل قاسية على الشاب الذي ذاق طعم المجد سريعًا.
وفي خضم بحثه عن معنى جديد للحياة، اقترب من حلقة بتراشيفسكي الفكرية، التي كانت تناقش منذ عام 1846 القضايا الاجتماعية والسياسية، وتتداول كتابات الاشتراكيين الفرنسيين المحظورة في روسيا القيصرية. وقد كان بين المنتسبين إلى تلك الحلقة يهود اعتنق بعضهم الأرثوذكسية، بما أتاح لهم الإقامة في العاصمة.
وفي تلك المرحلة، كان دوستويفسكي يؤمن بأن الانتماءات القومية لا ينبغي أن تقف حاجزًا بين البشر، وأن الاشتراكية قادرة على إزالة الحدود والفوارق التي تفصل بينهم.
وفي الثالث والعشرين من نيسان عام 1849، ألقت السلطات القبض عليه بسبب مشاركته في نشاط الحلقة وقراءته رسالة بيلينسكي المحظورة إلى غوغول. وبعد أشهر من التحقيق، صدر بحقه حكم بالإعدام.
وفي الثاني والعشرين من كانون الأول عام 1849، سيق واحد وعشرون من أعضاء الحلقة إلى ساحة سيميونوف، حيث كانوا ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام رميًا بالرصاص. لكن في اللحظات الأخيرة، وصل ضابط يحمل قرارًا بإلغاء الحكم.
لم يكن ما حدث سوى مشهد مدبر بأمر من الإمبراطور نيقولا الأول، أراد به تلقين هؤلاء الشبان درسًا قاسيًا.
لقد تركت تلك الدقائق، التي وقف فيها دوستويفسكي على عتبة الموت، أثرًا لا يُمحى في نفسه، وأسهمت في تغيير نظرته إلى الحياة والإنسان والمصير.
في كل حال، فقد استُبدل حكم الإعدام بأربع سنوات من الأشغال الشاقة، تعقبها الخدمة العسكرية الإلزامية.
وفي الرابع والعشرين من كانون الأول عام 1849، اقتيد مكبلًا بالأغلال إلى سجن أومسك في سيبيريا، وقد استغرقت الرحلة قرابة شهر، قطع خلاله الطرق الشتوية القاسية في عربات زلاجة مغلقة.
لقد كانت تلك الرحلة بداية لسنوات من المعاناة، كما أن سجن أومسك أشبه بجحيم أرضي، حيث كان عبارة عن ثكنات مكتظة بالسجناء، وأسرّة خشبية متلاصقة، وأوضاع صحية مزرية، وأعمال شاقة تستنزف الأجساد.
كما أن قسوة المكان لم تكن أشد ما واجهه دوستويفسكي؛ فقد كان بعض السجناء الجنائيين يكنون عداءً شديدًا للسجناء السياسيين، ولا سيما المنحدرين من طبقة النبلاء.
يذكر أن دوستويفسكي تعرض للضرب والسرقة والإهانة، كما ازدادت نوبات الصرع التي كانت تنتابه. وفي تلك البيئة القاسية، التقى رجلًا يهوديًا يُدعى إيساي بومشتاين، كان قد أُدين بتهمة التهريب.
كان بومشتاين في الخامسة والثلاثين من عمره، قوي البنية، وقد بدأ الشيب يغزو لحيته، حيث ظل متمسكًا بدينه اليهودي، فلم يعتنق الأرثوذكسية، وكان يحافظ على شعائر يوم السبت ويؤدي صلواته بالعبرية. كما كان السجناء يهابون قوته وصلابة شخصيته.
لاحظ بومشتاين ما يتعرض له دوستويفسكي من إيذاء، فقرر حمايته، ومع مرور الوقت، نشأت بين الرجلين أحاديث طويلة في المساء، كان السجين اليهودي يروي خلالها جوانب من حياة اليهود داخل نطاق الاستيطان، ويحدث رفيقه عن تقاليدهم الدينية والتوراة.
وللمرة الأولى، وجد دوستويفسكي نفسه أمام يهودي يتعامل معه بوصفه إنسانًا وصديقًا، لا مجرد صورة دينية ورثها من بيئته الأولى.
كان بومشتاين، حين تصيب دوستويفسكي نوبات الصرع، يسارع إلى وضع سترته المبطنة تحت رأسه، ويحميه من السجناء الذين قد يستغلون عجزه لسرقته، ويأتيه بالماء. وقد مثّلت هذه العلاقة، تجربة إنسانية كشفت لدوستويفسكي أن اليهودي ليس فكرة دينية مجردة، بل ربما يكون أيضا بمثابة إنسان له كرامته وإيمانه وآلامه.
في هذا السياق، يذكر العديد من النقاد أن هذه السنوات الأربع -سنوات الاعتقال والأشغال الشاقة أحدثت تحولًا عميقًا في رؤية دوستويفسكي للعالم.
فلقد دخل السجن حاملًا أفكارًا اشتراكية، وخرج منه وقد تعزز إيمانه بالمعاناة طريقًا للتطهر الروحي، وبالشعب الروسي والأرثوذكسية.
ومع ذلك، يذكر بعض هؤلاء أن علاقته ببومشتاين، تركت أثرًا عميقًا في نفسه، وجعلته يدرك أن المسألة اليهودية أعقد من التصورات المبسطة التي عرفها في شبابه.
وفي عام 1854، وبعد انتهاء مدة الأشغال الشاقة، أُرسل جنديًا إلى سيميبالاتينسك. وهناك تعرّف إلى ماريا دميترييفنا إيسايفا، التي أحبها حبًا شديدًا امتزج بالألم والقلق.
وبعد وفاة زوجها عام 1855 نتيجة إدمانه الكحول، بدأت مرحلة طويلة من التقرب إليها، زادتها تعقيدًا منافسة رجل آخر له على حبها. وفي عام 1857، تزوجها، غير أن زواجهما لم يكن سعيدًا.
العودة من المعاناة والسجن والاعتقال
في عام 1859، حصل دوستويفسكي على إذن بالعودة إلى مسقط رأسه، حيث انتقل عبر تفير إلى بطرسبورغ، ليستأنف نشاطه الأدبي والصحفي. وفي عام 1861، أسس مع شقيقه ميخائيل مجلة «الوقت»، التي تبنت أفكار التيار الفكري المعروف بالارتباط بالأرض الروسية، والداعي إلى البحث عن جذور الهوية الوطنية في تقاليد الشعب وثقافته.
ونُشرت في المجلة رواية «المذلون والمهانون»، ثم «مذكرات من بيت الأموات»، التي استلهم فيها الكاتب تجربته في سجون سيبيريا. وفي هذا العمل، تحدث عن سجين يهودي يتمتع بعزة النفس والقدرة على الحفاظ على كرامته، على الرغم من قسوة الحياة في المعتقل.
وتقدم الرواية هذا التصوير بوصفه من أوائل النماذج الإيجابية للشخصية اليهودية في الأدب الروسي آنذاك.
لكن المفارقة أن مجلة «الوقت » نفسها نشرت مقالات تناولت المسألة اليهودية بلهجة لا تخلو من العداء.
فقد تحدث بعض كتّابها عن استغلال اليهود للفلاحين الروس، وعن الربا، وعن استنزاف موارد المجتمع. وكان دوستويفسكي، بصفته محررًا للمجلة، يجيز نشر تلك المقالات، بل كان أحيانًا يزيد من حدة نبرتها النقدية تجاه اليهود.
وقد أثار ذلك انتباه الصحافة اليهودية، ولا سيما صحيفة «راسفيت» الصادرة في أوديسا، التي اتهمت المجلة بإثارة الكراهية. فعليًا أدهشت هذه الاتهامات دوستويفسكي، الذي لم يكن يرى نفسه معاديًا للسامية.
فقد كان يستحضر علاقته الإنسانية بالسجين اليهودي الذي عرفه في أومسك، ويرى فيها دليلًا على خلو موقفه من الكراهية الشخصية.
غير أن الانتقادات تركت في نفسه أثرًا مؤلمًا، وفي عام 1862، أغلقت السلطات المجلة بسبب مقال تناول الانتفاضة البولندية.
وجد دوستويفسكي نفسه مجددًا في ضائقة مالية، وانغمس في لعب الروليت، فتوالت خسائره وتراكمت ديونه. وفي عام 1864، توفيت زوجته بعد معاناة مع مرض السل. ولم تمضِ سوى ثلاثة أشهر حتى فقد شقيقه ميخائيل. وهكذا اجتمعت عليه الأحزان والديون والمسؤوليات، وبدا مستقبله محفوفًا بالمصاعب.
وفي تلك الظروف القاسية، انصرف إلى كتابة «الجريمة والعقاب»، وكان يعمل ساعات طويلة من الليل، حتى ينهكه التعب وتشتد عليه نوبات الصرع. وقد حققت الرواية، التي نُشرت عام 1866 في مجلة «الرسول الروسي»، نجاحًا أدبيًا كبيرًا، حيث تظهر فيها شخصية المرابية أليونا إيفانوفنا، التي يقتلها راسكولنيكوف.
وقد رأى بعض النقاد في هذه الشخصية ملامح من الصور النمطية السلبية المرتبطة باليهود، على الرغم من أن دوستويفسكي لم يصرح بأنها يهودية.
عادت الصحافة اليهودية إلى انتقاد ما اعتبرته توظيفًا لصور اجتماعية تعزز الأحكام المسبقة. وفي عام 1867، تزوج دوستويفسكي من آنا غريغوريفنا سنيتكينا، وهي شابة في العشرين من عمرها كانت تعمل في تدوين نصوصه بطريقة الاختزال. وقد كان هذا الزواج أكثر استقرارًا وسعادة من زواجه الأول.
غادر الزوجان روسيا هربًا من الدائنين، وتنقلا بين ألمانيا وسويسرا وإيطاليا، حيث عاشا سنوات من الضيق المادي. وخلال إقامته في أوروبا الغربية، احتك دوستويفسكي بأوساط يهودية تختلف في أوضاعها الاجتماعية عن تلك التي عرفها في روسيا.
فقد كان بين اليهود في ألمانيا مصرفيون وأطباء ومحامون وأساتذة جامعات، اندمجوا في المجتمع الألماني، وتحدثوا لغته، واتبعوا أنماط الحياة الأوروبية.
وأثار نجاحهم الاجتماعي والمهني دهشته، إذ بدوا له مختلفين عن صورة الحرفيين الفقراء الذين عاشوا داخل نطاق الاستيطان الروسي.
غير أن هذه المشاهدات لم تدفعه دائمًا إلى مراجعة أحكامه السابقة، بل وجد فيها أحيانًا ما اعتبره دليلًا على تصورات تتعلق بنفوذ اليهود في المجتمعات المسيحية. وذكر بعض النقاد أن بعض رسائله الخاصة تضمنت إشارات إلى سيطرة اليهود على أوروبا من خلال المصارف والصحافة.
العودة إلى روسيا
عاد دوستويفسكي وزوجته إلى روسيا، حيث وبدأت مرحلة من أغزر مراحل إنتاجه الأدبي، حيث شهدت ظهور أعمال كبرى، منها “الشياطين” و”المراهق” و”الإخوة كارامازوف”.
وفي عام 1873، شرع في إصدار “يوميات كاتب”، وهي مطبوعة تولى بنفسه كتابة موادها وتحريرها ونشرها. وفي آذار عام 1877، صدر عدد أثار جدلًا واسعًا، بعدما تناول فيه دوستويفسكي المسألة اليهودية ردًا على اتهامات وجهتها إليه إحدى الصحف اليهودية.
فقد كتب مقالًا مطولًا بعنوان “المسألة اليهودية”، نفى فيه أن يكون مدفوعًا بكراهية اليهود، واستشهد بعلاقاته الشخصية معهم، وباحترامه لتاريخهم وثباتهم على معتقداتهم. لكنه انتقل بعد ذلك إلى توجيه انتقادات حادة إلى ما اعتبره ممارسات اقتصادية واجتماعية يهودية.
فقد تحدث عن استغلال الفلاحين الروس من خلال الحانات والربا، وعن ميل اليهود إلى الانعزال عن المجتمعات التي يعيشون فيها، وعن اعتقاده بأن انتظارهم للمسيح المنتظر يرتبط بتصورات عن السيادة على العالم. كما ساق أمثلة تتعلق بمستأجري الأراضي وأصحاب الحانات والمرابين اليهود.
كما تحدث عن مستأجر يهودي يفرض أثمانًا مرتفعة على الأراضي، وصاحب حانة يستغل إدمان الفلاحين الشراب ليستولي على ممتلكاتهم، ومرابٍ يقرض المحتاجين بفوائد باهظة. وقد اتسمت معالجته لهذه القضايا بالتردد والتناقض.
فمن ناحية، كان يوجه اتهامات عامة إلى اليهود، ومن ناحية أخرى، كان يعترف بأن المستغلين الروس لا يقلون عنهم سوءًا. وهنا طرح سؤالًا عما يمكن أن يحدث لو أُلغيت القيود المفروضة على إقامة اليهود في روسيا. هنا كان دوستويفسكي يخشى، أن يؤدي ذلك إلى استحواذ اليهود على مواقع اقتصادية واجتماعية مؤثرة، وأن يقع الفلاحون الروس تحت وطأة استغلال أشد.
وقد أثارت هذه الأفكار استياء الأوساط الليبرالية والقراء اليهود، الذين رأوا فيها تبريرًا للتمييز وإحياءً لأحكام مسبقة متجذرة في التاريخ الأوروبي.
ومع ذلك، ظل دوستويفسكي يؤكد أنه لا يضمر الشر لليهود، وأنه يؤيد تحريرهم ومنحهم المساواة في الحقوق، شريطة أن يتخلوا عما كان يراه نزعة إلى الانعزال. هنا جاء رد الصحافة اليهودية شديد اللهجة، حيث وصفته بعض الصحف بأنه عدو لليهود، واتهمته بالرجعية والتشبث بتصورات تنتمي إلى عصور التعصب الديني. كما انصب جانب مهم من النقد على تعميمه أحكامًا تتعلق بأفراد أو فئات اجتماعية محددة على شعب بأكمله.
لقد آلمت الكاتب هذه الانتقادات، إذ لم يكن يدرك، لماذا تُفسر كتاباته بوصفها تعبيرًا عن العداء لليهود، في حين كان يعتقد أنه يجمع بين النقد والاحترام والتعاطف الإنساني.
وهكذا نجده في عدد صدر في نيسان عام 1877، يخصص عامودًا تحت عنوان ” مع وضد” للرد على منتقديه، حيث أكد مجددًا أن مواقفه أُسيء فهمها، وأنه لم يقصد الإساءة إلى اليهود، وإنما أراد إثارة أسئلة تتعلق بعلاقاتهم بالمجتمع الروسي.
وعاد إلى الاستشهاد بصداقته مع السجين اليهودي الذي عرفه في سيبيريا، لكنه لم يتراجع عن اتهاماته المتعلقة بالاستغلال الاقتصادي، بل أصر على أنها وقائع لا ينبغي تجاهلها.
وطرح سؤالًا مضادًا: هل يمكن القول إن اليهود لا يتحملون أي مسؤولية عما يتعرضون له؟ وهل يمكن تفسير جميع مشكلاتهم بالاضطهاد وحده؟
كان هذا السؤال ينطوي على إشكال أخلاقي واضح، لأنه يحمّل المضطهدين جانبًا من المسؤولية عن الاضطهاد الواقع عليهم. في هذا السياق استحضر أمثلة من التاريخ الأوروبي، من بينها طرد اليهود من إسبانيا، وربط بعض أحداث العنف ضدهم بالصراعات الاقتصادية والربا.
لم يعتقد دوستويفسكي يوما، بل لم ير نفسه معاديًا للسامي، فقد كان يعتقد أن العداء لليهود يعني كراهيتهم لمجرد انتمائهم القومي أو الديني، بينما كان يعتبر انتقاداته موجهة إلى ممارسات اجتماعية واقتصادية بعينها.
وكان مقتنعًا بإمكان انتقاد اليهود دون التحريض على كراهيتهم، وبإمكان المطالبة بتقييد بعض حقوقهم دفاعًا عن المجتمع الروسي، مع الاحتفاظ بالمبادئ الإنسانية والمسيحية.
في هذا الإطار رأى بعض النقاد أن هذا الموقف ينطوي على تناقض عميق بين الدعوة إلى الرحمة والمساواة من جهة، وتبني أحكام جماعية وتبرير القيود من جهة أخرى، فقد اشتكى في بعض رسائله من إساءة فهم مواقفه وتحريف كلماته، مؤكدًا أنه لم يقصد إهانة أحد.
وخلال السنوات الممتدة من 1877 إلى 1880، انصرف إلى كتابة روايته الكبرى الأخيرة “الإخوة كارامازوف”.
وتشير الرواية التي إلى مشهدية في أحد الأديرة، تتحدث فيه مالكة أرض إلى الشيخ زوسيما، شاكيةً ما تزعم أنه استغلال اليهود للفلاحين العاملين في ضيعتها، وتطلب منه مباركة قرار طردهم من أراضيها. غير أن زوسيما يجيبها بهدوء وحزم بأن الحكم على شعب بأكمله من خلال أفعال بعض أفراده أمر لا يجوز. كما يذكرها بأن بين الروس أنفسهم من يرتكبون الشرور، وأن كل إنسان مسؤول عن أفعاله الشخصية، لا عن خطايا قومه. ثم يدعوها إلى الرحمة والمغفرة والمحبة المسيحية.
وتقدم الرواية هذا المشهد بوصفه تعبيرًا عن جانب آخر من فكر دوستويفسكي، يتجلى في رفض المسؤولية الجماعية والدعوة إلى التعامل مع البشر باعتبارهم أفرادًا لا جماعات متجانسة.
السنوات الأخيرة وبلوغ الشهرة
بلغت شهرة دوستويفسكي ذروتها وفي سنواته الأخيرة، وفي عام 1880، ألقى خطابه الشهير عن بوشكين، الذي قوبل بحفاوة بالغة وتصفيق حار. غير أن صحته كانت تتدهور، فقد عانى الصرع وانتفاخ الرئة ومشكلات في القلب.
وفي عدد كانون الثاني عام 1881 من «يوميات كاتب»، عاد إلى تناول المسألة اليهودية، ولكن بنبرة أكثر هدوءًا. إذ تحدث عن اليهود بوصفهم شعبًا عريقًا ذا تاريخ عظيم، أسهم في ترسيخ الإيمان بالتوحيد، وقدم للعالم الأنبياء والتعاليم الأخلاقية. كما أشار إلى الجذور اليهودية للمسيحية، وإلى ما عاناه اليهود عبر القرون من اضطهاد، معترفًا بمسؤولية المسيحيين عن جانب من تلك المعاناة.
في المقابل لم يتخل تمامًا عن أحكامه السابقة بشأن الاستغلال الاقتصادي والانعزال الاجتماعي، وإنما عبّر عنها بقدر أكبر من الحذر والاعتدال.
وفي الثامن والعشرين من كانون الثاني عام 1881، توفي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي إثر نزيف رئوي.
وينسب إليه كلمات أخيرة وجهها إلى زوجته: “لا تمنعيني، دعيني أرحل”.
وشهدت جنازته حضورًا جماهيريًا واسعًا، إذ سار آلاف الأشخاص خلف نعشه تكريمًا للأديب الذي ترك بصمة عميقة في الحياة الثقافية الروسية.
الجدل حول أرائه بشأن اليهود
على الرغم من وفاته ورحيله، فإن هذا الرحيل والموت لم يضع حدًا للجدل بشأن مواقفه من اليهود، بل ازدادت حدة الخلافات حولها مع مرور الزمن.
فقد استشهد المعادون للسامية ببعض كتاباته لتدعيم آرائهم، ونشرت صحف مرتبطة بحركة «المئة السود» مقتطفات من “يوميات كاتب”.
وفي المقابل، اتهمه مفكرون ليبراليون وكتّاب يهود بالإسهام في ترسيخ الصور النمطية التي غذّت مشاعر العداء لليهود.
أما المدافعون عنه، فشددوا على ضرورة قراءة نصوصه في سياقها التاريخي، وعلى التمييز بين انتقاد الممارسات الاجتماعية والاقتصادية وبين كراهية شعب بأكمله.
كما استحضروا علاقاته الشخصية باليهود، وما ورد في أعماله الأدبية من دعوات إلى الرحمة والتسامح.
وفي مطلع القرن العشرين، ومع تصاعد الحركات القومية المتطرفة وأعمال العنف ضد اليهود، أصبح اسم دوستويفسكي حاضرًا في السجالات السياسية.، بحيث استخدمت بعض الجماعات القومية الروسية المتشددة اقتباسات من كتاباته في منشوراتها الدعائية.
وإذا كانت أعمال الكاتب قد استمرت في الصدور بأعداد كبيرة خلال الحقبة السوفيتية، غير أن الجوانب المثيرة للجدل من كتاباته عن اليهود لم تحظَ دائمًا بالاهتمام نفسه الذي حظيت به رواياته الكبرى.
ففي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، تجدد النقاش بشأن مواقفه، في ظل عودة مظاهر معاداة السامية في الاتحاد السوفيتي.
لقد رأى بعض الباحثين أن كتاباته أسهمت في تشكيل تقاليد فكرية غذّت العداء لليهود، بينما دافع عنه آخرون باعتباره مفكرًا إنسانيًا ينبغي فهم مواقفه ضمن ظروف عصره.
أما في الغرب، فقد استمرت دراسة دوستويفسكي بوصفه روائيًا وفيلسوفًا ومحللًا بارعًا للنفس البشرية، وإن ظلت كتاباته عن اليهود تثير تساؤلات أخلاقية وفكرية.
وأشار عدد من الباحثين اليهود إلى أن عبقريته الأدبية لم تمنعه من تبني بعض الأحكام المسبقة التي كانت شائعة في المجتمع الأوروبي والروسي في القرن التاسع عشر، حيث حاول بعض الدارسين تفسير هذه التناقضات من زوايا متعددة.
فذهب بعضهم إلى أن دوستويفسكي كان ممثلًا للقومية الروسية المحافظة، مؤمنًا برسالة خاصة للشعب الروسي وبالمكانة المركزية للأرثوذكسية في تكوين الهوية الوطنية. ومن هذا المنظور، بدا اليهود في نظره جماعة مختلفة عن المحيط الروسي، يصعب إدماجها في التصور القومي الذي كان يتبناه.
في حين رأى اتجاه آخر أنه لم يكن معاديًا للسامية بالمعنى الحديث للكلمة، لأنه لم يدعُ صراحة إلى ممارسة العنف ضد اليهود، ولم ينكر كرامتهم الإنسانية، وإنما ركز انتقاداته على ممارسات اعتقد أنها موجودة داخل نطاق الاستيطان.
واستشهد أصحاب هذا الرأي بعلاقته بالسجين اليهودي بومشتاين، بوصفها دليلًا على قدرته على إقامة روابط إنسانية تتجاوز الانتماءات الدينية والقومية.
كما برز اتجاه ثالث، رأى أن شخصية دوستويفسكي كانت تنطوي على صراع داخلي عميق بين الرحمة المسيحية والقومية المحافظة، وبين التجربة الإنسانية المباشرة والأحكام الاجتماعية الموروثة. وفي هذا التصور، تعكس كتاباته صراعًا لم يتمكن من حسمه بصورة نهائية.
وفي خلاف الاتجاهات الثلاث، نرى أن اتجاهًا ثالثًا ذهب إلى ضرورة مراعاة السياق التاريخي الذي عاش فيه.
فقد كانت معاداة السامية واسعة الانتشار في أوروبا القرن التاسع عشر، وكانت الدولة القيصرية تفرض قيودًا قانونية واجتماعية على اليهود، بينما شهدت مناطق مختلفة من الإمبراطورية أعمال عنف واضطهاد.
ولذلك لم تكن آراء دوستويفسكي منفصلة عن المناخ الفكري والسياسي السائد في عصره، وبالتالي فإن تأثره بأحكام عصره المسبقة لا ينتقص بالضرورة من عبقريته الأدبية.
المسألة اليهودية والعلاقة باليهود وتقييمها
لقد ظلت المسألة اليهودية تشغل دوستويفسكي حتى سنواته الأخيرة، لا لأنها كانت مجرد تعبير عن كراهية شخصية، بل لأنها ارتبطت بأسئلة كبرى شغلت المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، تتعلق بالدين والقومية، والهوية، والعلاقات الاقتصادية، والاجتماعية.
لقد حاول الكاتب، بما امتلكه من حساسية فكرية وأخلاقية، البحث عن إجابات لهذه الأسئلة، وإن انتهى أحيانًا إلى مواقف يصعب التوفيق بينها وبين المبادئ الإنسانية التي دافع عنها في أعماله الأدبية.
ودون شك فإن تناقضاته ومحاولاته الجمع بين الرحمة المسيحية والنزعة القومية المحافظة تكشف جانبًا من تاريخ الصراع الإنساني الطويل مع التعصب والأحكام المسبقة.
واليوم لا تزال هذه القضية حاضرة، لأن المجتمعات البشرية لم تتوقف عن مواجهة الأسئلة المتعلقة بالاختلاف والتسامح والعدالة.
لقد استطاع دوستويفسكي أن يكشف في رواياته عن أعماق النفس الإنسانية، بما تنطوي عليه من خير وشر، ورحمة وقسوة، وإيمان وشك. ولم تكن نفسه، على ما يبدو، أقل تعقيدًا من نفوس شخصياته الروائية.
فقد اجتمعت فيها نزعة إنسانية عميقة مع تصورات اجتماعية وقومية ورث بعضها عن عصره وبيئته.
ومن ثم فإن دراسة موقفه من اليهود لا تقتصر على فهم شخصية أدبية بعينها، بل تفتح بابًا للتأمل في قدرة الأفكار السائدة على التأثير حتى في أعظم العقول، كما تكشف أن التجربة الشخصية، مهما بلغت قوتها، لا تنجح دائمًا في إزالة الأحكام التي يكتسبها الإنسان منذ طفولته وشبابه.
فالصداقة بين دوستويفسكي واليهودي بومشتاين لم تكن كافية لتغيير جميع تصوراته عن اليهود بوصفهم جماعة دينية وقومية. تبين لنا هذه القصة كذلك أن الإنسان قد يتمسك بأحكام متحيزة دون أن يدرك طبيعتها، وأن اعتقاده بصدق نواياه لا يحول بالضرورة دون وقوعه في التناقض.
ومن هنا تبرز أهمية فهم السياق التاريخي دون تحويله إلى وسيلة لتبرير الأفكار أو إعفاء أصحابها من المسؤولية الأخلاقية، سواء أخطأوا أم كانوا على صواب.
فالأعمال الأدبية العظيمة قد تحمل رؤى عميقة في الطبيعة البشرية، لكنها قد تتضمن أيضًا تصورات يراها البعض خاطئة وأحكامًا ضارة، ويراها البعض بطولة وموقفا حريصا ومستقلا وجريئا مهما كان السياق والزمن التاريخي. هنا لا ينبغي أن يحول الإعجاب بعبقرية الكاتب دون قراءة مواقفه الفكرية قراءة نقدية
يبقى فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي واحدًا من أعظم الروائيين في تاريخ الأدب العالمي، فلا تزال رواياته تفتح أمام قرائها آفاقًا واسعة للتأمل في الخير والشر، والجريمة والعقاب، والذنب والتكفير، والإيمان والشك.
كما أن موقفه من المسألة اليهودية يظل من أكثر جوانب إرثه الفكري تعقيدًا وإثارة للجدل.
تكشف مواقف دوستويفسكي من المسألة اليهودية عن جانب من التعقيدات الفكرية التي طبعت عصره، وتفتح المجال أمام تساؤلات تتعلق بتأثير الانتماءات الدينية والقومية والتجارب الشخصية في تكوين آرائه. وهي مواقف لا يمكن الحكم عليها حكمًا تاريخيًا منصفًا إلا بالعودة إلى نصوصه الأصلية، ودراسة سياقاتها، ومقارنتها بالشهادات والوقائع المعاصرة لها
وهذا لا يجعل دوستويفسكي أقل أهمية، بل يجعله شخصية تاريخية أكثر تعقيدًا، تستحق الدراسة بعيدًا عن التقديس والإدانة المطلقة.
ختاما من المرجح أن يستمر الجدل حول دوستويفسكي والمسألة اليهودية، وأن تعيد الأجيال المتعاقبة قراءة نصوصه وتفسير مواقفه في ضوء أسئلتها وتجاربها الخاصة.
وهذه إحدى سمات الأدب الكلاسيكي العظيم، إذ تظل أعماله قادرة على إثارة الأسئلة وإنتاج قراءات جديدة مع تغير الأزمنة.
لقد انتهت حياة الكاتب في تلك الأمسية الثلجية من شتاء بطرسبورغ، في الثامن والعشرين من كانون الثاني عام 1881.
أما الأسئلة التي أثارتها حياته وكتاباته، فما زالت مفتوحة، وستظل موضوعًا للتأمل والنقاش طويلًا بعد رحيله.
