أفق: ناشرون وكتاب
صدوق نورالدين
1/
تتأسس علاقة الكاتب بالناشر غالبا على الاستمرار. إذ لا يمكن تداول الاسم العلم للكاتب في غياب الناشر. الأمر ذاته بالنسبة للأخير من منطلق مؤداه كونه من يخلق الرمزية والتداول لأدباء وكتاب في الحقل الأدبي والثقافي. فثمة كتاب انحصرت أسماؤهم في دائرة ضيقة لا يكادون يتخطونها نحو الأفق الأكثر تلقيا. ومنهم الاسم الجديد الباحث عن الذيوع والتداول، ومن يعزز موقعه ليكسبه إشعاعا واسعا.
2/
ارتبطت أسماء كتاب عرب بناشرين. وبات القارئ العربي ينتظر ويتساءل عن جديد هذه الدور من الإصدارات. وحتى نمثل، فالروائي والمترجم الراحل سهيل إدريس أسس في بدايات النشر مجلة “الآداب”. كان في 1953، حيث استطاعت استقطاب أسماء عربية وازنة يمكن عدها الطريق الماهد لما سيأتي لاحقا، وأقصد “دار الآداب” التي اسست في 1956.
بيد أن من أريد التوقف عنده الروائي السوري الراحل حنا مينه. نشر فاتحة رواياته “المصابيح الزرق” في هذه الدار، فنيفت رواياته على الثلاثين، إلى كتب نقدية تأملية. من ثم ارتبط اسمه بالدار وارتبطت به وحافظ القارئ على وفائه لهما. وأذكر في جلسة جمعتني والروائي نبيل سليمان والباحث محمد جمال باروت في الدار البيضاء بمقهى “لاشوب”، أن السؤال كان حول سر اهتمام القراء المغاربة بحنا مينه، فأجبتهم على الفور أن السر يعود للناشر “دار الآداب”.
وأما الروائيون عبد الرحمن منيف، إبراهيم الكوني ومؤنس الرزاز، فتم تداول أسمائهم من خلال “المؤسسة العربية للدارسات والنشر” التي أسسها الراحل عبد الوهب الكيالي في 1969، فمن خلالها تدوولت “خماسية مدن الملح”، “رباعية الخسوف” إلى “المجوس” في جزئها الأول والثاني، و”جمعة القفاري” ثم “متاهات الأعراب في ناطحات السحاب”.
ولعل من بين الدور التي شكلت علامات فارقة على مستوى النشر من حيث الجرأة وكسر حواجز الرقابات العربية “دار رياض الريس للكتب والنشر”. تم تأسيسها في لندن سنة 1986. وبالموازاة أصدرت مجلة “الناقد” في 1988. ضم العدد الأول أسماء أدبية وازنة نذكر منها تمثيلا :رياض الريس نفسه، أنسي الحاج، زكريا تامر، الصادق النيهوم، سميح
القاسم، يوسف الشاروني وغيرهم.
وستجسد هذه الأسماء أهم المؤلفين الذين تولت الدار مهمة نشر كتبهم ومنها _ كما سلف _ التي منعت في مراحل زمنية متقدمة، وأخص بالذكر كتب الليبي الصادق النيهوم المثيرة انطلاقا من عناوينها. كمثال: ” الإسلام في الأسر”،
“إسلام ضد الإسلام”، “محنة ثقافة مزورة” إلخ… وبالإضافة لهذا أسهمت الدار في نشر التراث الجنسي لدى العرب في طباعة فاخرة من خلال ثلاثية تعد مرجعا معتمدا إلى اليوم : “نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب” للتيفاشي، “رجوع الشيخ إلى صباه” لأحمد بن سليمان بن كمال باشا و “تحفة العروس ومتعة النفوس” لمحمد بن أحمد التجاني.
وأستحضر بالمناسبة أن مجلة “الناقد” تولت نشر دراستي عن فصول من سيرة جبرا إبراهيم جبرا ” البئر الأولى” الموسومة ب” خصوبة الذاكرة وإمتاع الكتابة” (ماي/1989)، وأعلنت عن ذلك في غلافها الخارجي.
وإذا كانت “دار الآداب” و”رياض الريس” تعملان على مواصلة النشر والحضور، ، فإن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” و”المركز الثقافي العربي” الذي تعود شهرته إلى المفكرين المغاربة الراحل محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي وطه عبد الرحمن، تراجعا في المراحل الأخيرة لانتصار التجاري على الفكري والأدبي.
3/
تظل علاقة الكاتب بالناشر، والناشر بالكاتب مطبوعة كما جاء في البداية بالاستمرار. وهو الدليل على قوة حضور الكتاب في الحياة الأدبية والثقافية العربية.
