«دفاتر الجديدة» تجربة رائدة في التاريخ المحلي بالمغرب
كوثر السملالي
تحظى الكتابة التاريخية المحلية بالمغرب باهتمام متزايد لما تتيحه من إضاءات دقيقة حول الذاكرة المجالية والتحولات المجتمعية. وفي هذا السياق، تبرز سلسلة «دفاتر الجديدة» كرافد توثيقي متميز، إذ جسدتْ منذ انطلاقها تجربة ناجحة استطاعتْ سبر أغوار ماضي حاضرة الجديدة وبلاد دكالة، واستنطاق شذراته بمنهجية تجمع بين استقصاء الأرشيف ورصد الذاكرة الحية. وفي إطار بحثي بسلك الدكتوراه حول ثغريْ أزمور ومازغان خلال العصر الحديث، حظيتُ مؤخرا بفرصة الاطلاع على مجموعة مختارة من مؤلفات الباحث المصطفى اجْماهري، الصادرة ضمن سلسلة «دفاتر الجديدة».
وتُعد هذه السلسلة، التي تمثل ثمرة مشروع بحثي مستقل وتطوعي، موسوعة للتأريخ المونوغرافي لمدينة الجديدة ومنطقة دكالة، فضلا عن استكشاف تحولاتهما الاجتماعية والاقتصادية والثقافية عبر تعاقب الأزمنة.
وتكمن القوة الجوهرية لأعمال هذا الباحث في جانبين، أولا في طابعها الريادي، إذ يُعد صاحبها من أوائل الباحثين المغاربة منذ عهد الاستقلال الذين نذروا أنفسهم، بمثل هذا الالتزام والتواتر، للخوض في هذا الورش التاريخي الفسيح المخصص للجديدة ومحيطها الجغرافي. وانطلاقا مما يشبه الفراغ المصدري شبه التام، استطاع إنقاذ شذرات من الذاكرة وفصول من الماضي من براثن النسيان والاندثار. أما الجانب الثاني فيتمظهر من خلال غزارة المعلومات التي توفرها أعماله للباحثين والقراء في جميع مجالات المدينة والجهة. ولبلوغ ذلك، اعتمد المصطفى اجْماهري مقاربة منهجية ميدانية، زاوج فيها بين جمع الروايات والشهادات الشفوية والتقصي المباشر للمصادر المنشورة وغير المنشورة، بُغية إعادة بناء التاريخ الحي للمنطقة.
وتُشكل سلسلة «دفاتر الجديدة» تجربة رائدة وموفقة في حقل التأريخ المحلي بالمغرب. فمنذ إطلاقها عام 1993، راكمتْ هذه السلسلة النشرية، على مدى أكثر من ثلاثة عقود من الحضور، زهاء ثلاثين مؤلفا مرجعيا، يضاف إليها رصيد غزير من المقالات التي نشرها الباحث اجْماهْري في منابر ومجلات ورقية وإلكترونية مختلفة باللغتين العربية والفرنسية، مما أسهم بمجمله في إغناء المتن البيبليوغرافي والتوثيقي المرتبط بتاريخ بلاد دكالة.
وقد أدرج كتابه، الموسوم بـ «حياة معمر في مازغان: مزارعون أجانب في دكالة»، ضمن قائمة أفضل 50 كتابا حول موضوع “المزارعين” الصادرة عن منصة غرافياتي (Grafiati) المتخصصة في تدبير المراجع واللوائح البيبليوغرافية آليا، ومقرها مدينة هيوستن بأميركا. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب قد نقله إلى اللغة العربية الأستاذ مصطفى الطوبي، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن زهر بأكادير.
وتتجلى القيمة العلمية لمساهمات الباحث المصطفى اجْماهري في معالجته لإشكاليات وقضايا لم تحظ قبله بدراسات ميدانية أو أكاديمية مستفيضة، وهو ما اقتضى منه أحيانا بناء المادة التاريخية انطلاقا من مصادر أولية ورصيد من الوثائق الأرشيفية. وينطبق هذا تحديدا على دراساته المخصصة لتاريخ ميناء الجديدة، وتاريخ الطائفة اليهودية بالمدينة، فضلا عن التاريخ القنصلي لمازغان استنادا إلى محفوظات الأرشيف الدبلوماسي. كما يسري الأمر ذاته على أبحاثه المتعلقة بقصبة بولعوان، التي أماط فيها اللثام عن البعد التذكاري المرتبط بمرور أنطوان دو سانت إكزوبيري بها سنة 1927.
من جانب آخر فهذا الباحث عالج كثيرا من الثيمات والقضايا المرتبطة بمسارات الأقليات (مثل الجالية الأوروبية، المكون اليهودي، البحارة، النساء..)، كما تناول من منظور سوسيولوجي ظاهرة الزواج المختلط بين المعمرين الأوروبيين والنساء القرويات بدكالة. كما نبش في السير الذاتية والأرشيفات الخاصة بالشخصيات الدكالية المحلية، معيداً الاعتبار لـلتاريخ الصغير للأفراد بوصفه جزءاً من الذاكرة الجماعية. فضلا عن بحوث أخرى عن القلعة البرتغالية، والمعمار بمدينة الجديدة وعن القمح الدكالي الذي كان البحارة الأوربيون يحملونه في بواخرهم لتغذية أوربا طيلة سنين.
ولا مراء في أن هذه الأعمال وغيرها تسدّ ثغرات جوهرية في الإنتاج المونوغرافي الجهوي، وتُوسع القاعدة التوثيقية المتاحة لعموم الباحثين. وبصفتي باحثة في سلك الدكتوراه في تخصص التاريخ الحديث، أُعرب عن فائق تقديري للأستاذ المصطفى اجْماهري، تقديرا لرصانته المنهجية وإخلاصه النموذجي في صون ذاكرة دكالة والذود عن التراث الوطني المغربي بصفة عامة.
