أوروبا ضد إيران: من “الوساطة” إلى المواجهة العسكرية
سمير سكاف
أصبح الأوروبيون طرفاً في الحرب ضد إيران! ولم يعد بإمكانهم بالتالي لعب دور الوسيط لوقف الحرب! فقد قرر الثلاثي الأوروبي فرنسا وألمانيا وبريطانيا دخول الحرب ضد إيران البارحة!
وقد حدد الأوروبيون الهدف من دخولهم الحرب بمشاركة دفاعية وليس هجومية! عملية دفاعية لتدمير القدرات العسكرية الإيرانية! وسيكون الهدف الأول شن “عمليات دفاعية متناسبة” لـ “تدمير قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والمسيّرات من مصدرها”! وسيكون الهدف الثاني حماية الممرات البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز، وأيضاً في البحر الأحمر وباب المندب. وسيكون الهدف الثالث حماية المصالح الأوروبية، وحماية الرعايا الأوروبية، وحماية المنشآت التي تضم رعايا أوروبيين. أما الهدف الرابع، غير المعلن، فهو بحث الأوروبيين الدائم عن دور لهم في لعبة الكبار الدولية!
فقد أعرب قادة الدول الثلاث في بيان مشترك لهم البارحة عن ذعرهم من الهجمات الإيرانية “العشوائية” ضد دول المنطقة. وقد أوضح الأوروبيون أنهم لم يشاركوا في الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد المنشآت الإيرانية حتى الآن. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد دور الثلاثي الأوروبي في التحضير لهذه الحرب!
وجاء ذلك، بعد فشل محادثاتهم مع وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي، وإطلاقهم لآلية الزناد، “السناب باك”، في مجلس الأمن، معلنين رفض إيران التعاون النووي، ومطلقين باقة العقوبات المالية الجديدة ضد طهران. وكل ذلك كان بالفعل تمهيداً للحرب العسكرية!
المشاركة البريطانية
يمكن القول إن المشاركة الأوروبية الأولى في الحرب ضد إيران كانت بريطانية! إذ دمرت طائرة “تايفون” تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني طائرة مسيّرة إيرانية كانت متجهة نحو قطر. كما وافق البريطانيون على أن تستعمل الولايات المتحدة الأميركية القواعد البريطانية في الخليج والعراق في عمليات ضرب إيران. ويوفر البريطانيون أيضاً تنسيقاً استخباراتياً مع واشنطن وتمركزاً دفاعياً في قواعدهم، مثل أكروتيري في قبرص، التي تعرضت لصاروخين إيرانيين، بحسب قراءة البعض.
المشاركة الفرنسية
قررت فرنسا من جهتها إرسال حاملة الطائرات الخاصة بها “الجنرال ديغول” إلى شرق المتوسط للمشاركة “الدفاعية” في الحرب! وقد اعتبر الفرنسيون أن واجبهم هو حماية مصالحهم وحماية حلفائهم في المنطقة! خاصةً وقد تعرضت قاعدة بحرية في أبو ظبي تضم جنوداً فرنسيين لقذيفة! وكانت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوترين قد أكدت عدم وقوع إصابات، مشيرة إلى أن اليقظة هي في أقصى درجاتها. وتحمل “الجنرال ديغول” حوالي 50 طائرة رافال مقاتلة، يمكنها أن تقوم بمهام عدة كاستطلاع والمواجهة الجوية ومواجهة الدرونات وضرب صواريخ باتجاه الأرض. وترافقها بالعادة غواصة نووية وعدد كبير من السفن العسكرية الأخرى!
المشاركة الألمانية
كان دور ألمانيا في الحرب ضد إيران يتبنى سياسة “الدبلوماسية أولاً”! ولكنه اتخذ اليوم موقفاً عسكرياً هو الأكثر صرامة منذ عقود! ففي المشاركة العسكرية الميدانية، هناك الدفاع الجوي البحري؛ فألمانيا هي الركيزة الأساسية لعملية “أسبيدس”. فرقاطاتها في البحر الأحمر وبحر العرب تقوم حالياً بصد الصواريخ الإيرانية التي تستهدف السفن المتجهة إلى أوروبا.
أما في الدعم اللوجيستي والاستخباراتي تستخدم ألمانيا قواعدها (مثل سيغونيلا في إيطاليا وقواعد في الأردن) لتوفير معلومات استخباراتية فورية لحلفائها عن تحركات المنصات الإيرانية. وفي حماية “أمن إسرائيل” كعقيدة سياسية، أعلن المستشار الألماني فرديريتش ميرتز أن “أمن إسرائيل هو مصلحة وطنية عليا لألمانيا”. لذا، فإن ألمانيا ملتزمة بتوفير غطاء دفاعي وحماية للمجال الجوي والبحري لمنع وصول الهجمات الإيرانية. وتمارس ألمانيا أيضاً الضغط السياسي والاقتصادي أوروبياً؛ فهي تقود الآن تياراً داخل الاتحاد الأوروبي لتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية بشكل كامل وشامل. وهي تعمل من أجل تجميد كافة الأصول الإيرانية المتبقية في المصارف الألمانية والأوروبية لتمويل “جهود الدفاع” ضد الهجمات الإيرانية.
وفي “الأفعال الدفاعية المتناسبة”، فإن ألمانيا مستعدة للمشاركة في ضربات “تدمير القدرات من مصدرها”. وهذا يعني أن الطيران الألماني (تورنادو أو يوروفايتر) قد يشارك في “تحييد” منصات إطلاق المسيرات إذا تعرضت السفن أو القوات الألمانية لخطر مباشر. لا تقود ألمانيا الهجوم، لكنها تحاول أن تكون “الدرع” الذي يحمي المصالح الأوروبية والإسرائيلية في البحر، وهي توفر الشرعية السياسية والغطاء القانوني لتحركات “الحلفاء” ضد طهران. من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن “جوانح صهيون”، أي الطائرة الرئاسية الإسرائيلية، قد توجهت البارحة إلى ألمانيا من أجل حمايتها من ضربة إيرانية محتملة.
أوروبا تعزز دورها البحري!
اعتبرت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في تصريح لها أن موت خامنئي يمنح “أملًا جديدًا للشعب الإيراني”، لكنها حذرت من مخاطر عدم الاستقرار ودعت لـ “انتقال موثوق” ينهي البرنامج النووي الإيراني! وفي إطار المشاركة البحرية الأوروبية، قررت فرنسا إرسال سفينتين عسكريتين إضافيتين إلى البحر الأحمر.
عملية “أسبيدس”
تطورت مهام عملية “أسبيدس” من مجرد حماية السفن التجارية من الحوثيين إلى تأمين خطوط الإمداد الحيوية لأوروبا في ظل الحرب المباشرة مع إيران. وتعتبر “أسبيدس” أكبر مهمة بحرية قتالية في تاريخ الاتحاد الأوروبي، وقوامها حالياً يضم:
- أ – القيادة: مقرها في لاريسا (اليونان)، والقيادة الميدانية على متن السفن غالباً ما تتداولها إيطاليا وفرنسا.
- ب – السفن المشاركة: تضم حوالي 7 إلى 9 قطع بحرية رئيسية (فرقاطات ومدمرات) بشكل دائم، أبرزها فرقاطة ألمانية وفرقاطة فرنسية ومدمرة إيطالية وقطع من اليونان وبلجيكا وهولندا.
- ج – التسليح: السفن مجهزة بأنظمة دفاع جوي متطورة قادرة على اعتراض الصواريخ البالستية والمسيّرات الانتحارية الإيرانية.
تقاطع الأهداف وفارق الأسلوب
على الرغم من عدم دخول الثلاثي الأوروبي كطرف مهاجم، إلا أن أهدافهم تتقاطع مع “الحلفاء” الأميركيين في 3 نقاط جوهرية: ضمان عدم وصول طهران لامتلاك سلاح نووي، حماية الممرات الملاحية ورعاياهم (إذ يوجد في دول الخليج مئات الآلاف من الرعايا الأوروبيين)، والضغط على إيران لوقف دعم الفصائل المسلحة.
إلا أن الثلاثي الأوروبي يصر على ضرورة “العودة إلى طاولة المفاوضات” من أجل حل تفاوضي في ظل القصف. ويفضل القادة الأوروبيون البقاء في إطار “الدفاع عن الحلفاء” بدلاً من “تغيير النظام” الذي يلوح به ترامب ونتنياهو، خاصة وأنه هناك معارضة داخلية قوية للدخول في “مغامرة عسكرية” جديدة. وبينما تركز واشنطن وتل أبيب على ضرب “رأس الهرم”، يركز الخطاب الأوروبي على “حق الشعب الإيراني في تقرير مصيره” بعيداً عن العنف.
أياً يكن التوصيف والأدوار، أوروبا دخلت الحرب فعلياً ضد إيران، وقد أدارت محركات طائراتها القتالية. وهي تنتظر الإشارة للانطلاق!
