إيمانويل تود وقراءة في “انهيار الغرب” وبدايات الحرب العالمية
إعداد: عزيزة كنون
في مقابلة حديثة أجراها مع مجلة “دي فيلتفوخه” Die Weltwoche السويسرية، يقدم عالم الاجتماع والمؤرخ الفرنسي إيمانويل تود رؤية نقدية حادة للمشهد العالمي، معتبراً أن الغرب يعيش حالة من “فقدان الواقع” والانهيار الحضاري الذي يشبه في جوهره سقوط الاتحاد السوفيتي.
يرى تود أن الغرب قد خسر بالفعل الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أن هذه الهزيمة ليست مجرد خسارة عسكرية، بل هي كاشفة لضعف النظام الغربي في مواجهة “عدوه التاريخي” منذ عام 1945. ويؤكد تود أن موازين القوى تعتمد على معطيات ديموغرافية وتقنية، حيث يتفوق خصوم الغرب في القدرة على التعبئة الصناعية والتقنية (خاصة في أعداد المهندسين)، وهو ما جعل الهزيمة الأمريكية في هذا السياق أمراً لا يمكن للولايات المتحدة استيعابه أو تجاوزه، بخلاف هزائمها السابقة في فيتنام أو أفغانستان.
ويتناول تود سياسات دونالد ترامب، موضحاً أنه ورغم امتلاك ترامب لنوايا “صادقة” في الدفاع عن المصالح الوطنية الأمريكية، إلا أنه اصطدم بواقع اقتصادي واجتماعي متردٍ، يتمثل في نقص العمالة الماهرة وارتفاع نسب الأمية وتفكك القاعدة الصناعية. ويشير تود إلى أن ترامب لم ينجح في كبح جماح الإمبراطورية، بل ساهم في تسريع تراجعها من خلال تعدد مسارح العمليات (الصين، إيران، فنزويلا) واستخدام سياسات جمركية وابتزازية أدت إلى نتائج عكسية، مما دفع أعداء أمريكا (روسيا، الصين، إيران) إلى تحالف دفاعي غير مسبوق.
ويُبدي تود قلقاً خاصاً تجاه الدور الألماني، معتبراً أن أوروبا لم تعد اتحاداً لدول متساوية، بل خاضعة لهيمنة ألمانية متنامية. ويرى تود في وصول “فريدريش ميرتس” إلى منصب المستشار تحولاً جذرياً، حيث دفع هذا التوجه نحو “الروسوفوبيا” وعسكرة الصناعة الألمانية كطريقة للهروب من الأزمة الاقتصادية. ويحذر تود من أن انتهاء الحرب في أوكرانيا قد يترك القارة أمام واقع جديد: ألمانيا كقوة مهيمنة تمتلك أقوى جيش في أوروبا، مما يعيد إحياء مخاوف تاريخية، خاصة لدى فرنسا.
يصف تود النظام الإعلامي والسياسي الغربي بـ “إمبراطورية الكذب”، حيث تخلت النخب عن مشاريعها الوطنية الكبرى واستبدلتها بـ “الروسوفوبيا” كبوصلة وحيدة لتوجيه الرأي العام. ويخلص تود إلى أن الغرب يفتقر اليوم إلى الخيال والقدرة على التخطيط، ويعيش حالة من التشرذم الداخلي، حيث تنشغل فرنسا مثلاً بصراعات داخلية بين “الفاشيين والمناهضين للفاشية” التي تشل قدرتها على الحركة، مما يجعل النخب السياسية عاجزة عن تقديم حلول حقيقية للأزمات البنيوية التي تواجه حضارتهم.
وفقاً لإيمانويل تود، نحن لا نشهد مجرد حرب إقليمية، بل نعيش “بداية حرب عالمية” وتفككاً لمنظومة الهيمنة الغربية. إن التحدي القادم ليس فقط في توازن القوى الدولي، بل في قدرة هذه المجتمعات على مواجهة واقعها المتداعي في ظل غياب الرؤية الاستراتيجية واختفاء الروح الوطنية لصالح أيديولوجيات ما بعد وطنية لم تعد قادرة على الحماية أو البناء.
