التخطيط والقوة في طهران: من يمسك بمفاتيح الحرب والتفاوض؟

التخطيط والقوة في طهران: من يمسك بمفاتيح الحرب والتفاوض؟

عقيل وساف

       في طهران اليوم، لا يمكن قراءة ملامح القرار السياسي والعسكري من خلال بيان رسمي واحد أو تصريح عابر؛ بل نحن أمام شبكة معقدة من الأصوات، بعضها صاخب يملأ الفضاء الإعلامي، وبعضها صامت يتردد صداه فقط في الغرف المغلقة حيث تُدار الحرب والسياسة في آن واحد. يبرز السؤال الجوهري في ظل هذا التداخل: مع من يتحدث الأمريكيون فعلاً؟ وأين يمر خيط التفاوض الرفيع بين الرسائل والقرارات ومراكز القوى؟ ومن يمسك بمفاتيح اللحظة الراهنة داخل هذا البناء المتداخل؟

نبدأ من صناعة القرار حيث تشير القراءة التحليلية للمشهد الإيراني إلى أن التفاوض لا يجري بالضرورة مع مؤسسات رسمية جامدة، بل مع شخصيات محددة تمثل ثقل القرار السياسي والعسكري. هؤلاء يمكن وصفهم بـ “رجال البقاء”؛ وهم الشخصيات التي تعمل على ضمان استمرارية نموذج الجمهورية الإسلامية في لحظة تُوصف بأنها “حرب وجود”.

وعلى رأس هذه القائمة يبرز اسم محمد باقر ذو القدر، الذي عُين مؤخراً أميناً عاماً لمجلس الأمن القومي. ذو القدر ليس مجرد مسؤول إداري، بل هو سليل المؤسسة الأمنية والعسكرية، وقائد سابق في الحرس الثوري تولى مناصب قضائية وأمنية حساسة، مما يجعله اليوم العقل المدبر للاستراتيجيات في هذه المرحلة الحرجة. وبجواره يبرز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، الذي يمثل التقاطع المثالي بين العسكر والسياسة؛ فهو القائد السابق للقوة الجوية في الحرس الثوري الذي “انتعش وتطور” البرنامج الصاروخي الإيراني تحت قيادته، وهو اليوم “رجل النظام البراجماتي” الذي يحظى بموثوقية عالية لدى مراكز القوى.

ولا تكتمل الدائرة دون ذكر أسماء مثل محمد علي جعفري، مهندس عقيدة الحرب غير المتكافئة، وحسين طائب، رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري السابق والمستشار الحالي في مكتب المرشد، وأحمد وحيدي، أول قائد لفيلق القدس، الذي يجمع بين الخبرة العسكرية والوزارية (الدفاع والداخلية). هذه الأسماء تمثل “حلقة المرشد الجديد”، وهي المرة الأولى في تاريخ النظام التي يكون فيها من يحكم البلاد هو نفسه من يفاوض ويتواصل وهو نفسه من يخوض غمار المعركة على الأرض.

مجتبى خامنئي و”حلقة المرشد الجديد”

يدخل المشهد الإيراني مرحلة استثنائية مع بروز دور مجتبى خامنئي كمرشد جديد يقود البلاد في خضم الحرب. القرارات الكبرى اليوم، وخاصة ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، تخضع لاعتبارات المرشد وحلقته المقربة في الحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء ورئاسة الأركان.

هذه الحلقة الأمنية العسكرية بامتياز، وإن مارست السياسة، هي التي تضع المحددات الاستراتيجية. والتواصل مع واشنطن، الذي بدأ بقنوات أمنية قبل أن تدخل وزارة الخارجية بقيادة عباس عراقجي على الخط، يتم تحت إشراف مباشر من هذه الحلقة. الهدف ليس مجرد التفاوض التقني، بل صياغة “إرث جديد” للمرشد الجديد؛ إرث يقوم على فكرة أن صناعة السلام وفق المفهوم الإيراني هي “عنصر انتصار” يضمن بقاء النموذج الحاكم.

شروط ترامب الـ 15 ومطالب طهران المضادة

على الجانب الآخر من طاولة التفاوض غير المباشرة، يبرز “عامل ترامب”. الرئيس الأمريكي تحدث عن 15 بنداً تشكل أساساً لتبادل الرسائل الجاري حالياً. ورغم أن هذه البنود لم تُعلن رسمياً بالكامل، إلا أن المؤشرات والتقديرات تشير إلى أنها تتجاوز القيود التقليدية على البرنامج النووي والصاروخي ومخزون اليورانيوم.

تتضمن المطالب الأمريكية المحتملة وضع حدود للقدرات العسكرية الإيرانية، وتقليص النفوذ الإقليمي في لبنان والعراق واليمن، بالإضافة إلى ملف “مضيق هرمز” الذي أصبح ورقة ضغط كبرى بعد فرض الحرس الثوري سيطرة عسكرية كاملة عليه. في المقابل، تضع طهران شروطها بوضوح: وقف الحرب، ضمانات بعدم تكرارها، دور معترف به في إدارة مضيق هرمز، والمطالبة بتعويضات مالية عن الدمار الذي لحق بالأراضي الإيرانية جراء الحرب، وصولاً إلى المطلب التاريخي بخروج القوات الأمريكية من المنطقة.

“الانتصار” كما نراه من منظور إيراني

يكمن جوهر التحليل في كيفية تعريف إيران لـ “النصر”. في هذه اللحظة، لا يقاس الانتصار بحجم الدمار أو المكاسب الجغرافية بقدر ما يقاس بـ “بقاء النموذج”. بالنسبة لطهران، إذا انتهت الحرب وبقيت الجمهورية الإسلامية كنموذج حاكم على رأسه ولي الفقيه، فإن هذا بحد ذاته هو الانتصار الأكبر.

الحرب بالنسبة لهم لم تحقق أهداف الخصوم ما دام النظام قائماً. لذا، فإن التوجه الحالي لدى حلقة القرار هو التواصل مع الولايات المتحدة ولكن “بمحددات جديدة وأهداف جديدة” تضمن خروج النظام من هذه الأزمة أقوى، أو على الأقل محافظاً على هيكليته الأساسية.

ومابعد الحرب: انتظار انجلاء غبار المعركة

أما عن الشخصيات السياسية والرؤساء السابقين، أو ما يُعرف بـ “الكتلة الصامتة”، فهم اليوم في حالة ترقب. هؤلاء الذين نادوا تاريخياً بعلاقة متوازنة مع الغرب، يجدون أنفسهم اليوم بلا مساحة كبيرة للحركة وسط دوي المدافع. الأرضية الداخلية الإيرانية الحالية، التي تخوض معركة عسكرية مباشرة مع واشنطن، لا تمنحهم القدرة على الخروج من صمتهم. ومع ذلك، يظل دورهم مؤجلاً إلى اللحظة التي يهدأ فيها غبار المعركة، حينها قد يتحول “التواصل الأمني” الحالي إلى “عملية سياسية” شاملة تستدعي وجوههم وخبراتهم.

وبالتالي نعرف إن القرار الإيراني اليوم هو قرار “مركزي” بامتياز، تديره حلقة ضيقة تجمع بين السلاح والدبلوماسية. ومع تعيين محمد باقر ذو القدر في مجلس الأمن القومي، تكتمل ملامح الفريق الذي سيخوض “مفاوضات البقاء”. لأن المنطقة اليوم أمام مشهد لا يتحدد فيه المصير بناءً على المطالب المعلنة فقط، بل بناءً على قدرة “رجال المرشد” على المناورة بين ضغوط الميدان وشروط ترامب الـ 15، في رحلة البحث عن انتصار يُعرف في طهران بالعبور إلى السلام ببدلات عسكرية.

شارك هذا الموضوع

عقيل وساف

كاتب وإعلامي عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!