التراث الاحتفالي الأجمل يأتي من المستقبل

التراث الاحتفالي الأجمل يأتي من المستقبل

د. عبد الكريم برشيد

فاتحة الكلام

       في حضرة الفن يغيب الموت، أو يغيب رعب الموت، وقد يكون هذا الموت خلاصاً في كثير من الحالات، كما يكون في حالات كثيرة مجرد فكرة مرعبة، أو يكون مجرد إشاعة، كما قد يكون سفراً إلى ما وراء الطبيعة وإلى ما وراء التاريخ؛ تماماً كما كان سفر “عوليس” إلى مملكة “هاديس”، والتي هي مملكة الموت والموتى. وبهذا يكون هذا الموت في خيال الشعراء هو مجرد حلم بمعانٍ أخرى مدهشة، وهو حلم تتبعه يقظة أخرى، وذلك في حياة أخرى، وفي عوالم أخرى؛ هكذا قال ويقول الاحتفالي دائماً.

وبالنسبة لهذا الاحتفالي، المسافر والحالم دوماً في عوالم الإبداع، فإن كل شيء في شعرية الأحلام ممكن؛ لأن هذا الشاعر يراهن على تلك السلطة المخبأة في الفن، والتي هي سلطة المعرفة والخيال، وهو يدرك بأن الفن الصادق قوة سحرية عجيبة، قد تفوق في قوتها قوة المعرفة، وبهذا فقد كانت المعرفة هي أن يقول العارف: “لا أعرف”. وفي هذا المعنى يقول “ألبرت أينشتاين”: (الخيال أهم من المعرفة؛ لأن المعرفة محدودة والخيال لا حدود له).

ولعل هذا ما يفسر أن يكون خيال الشعراء، في الملاحم وفي المسرحيات الإغريقية، هو مَن ألهم علماء النفس في معرفة الإنسان.

وفي مقالة سابقة، في سلسلة هذه الكتابة الاحتفالية، تحدثت عن مسرح عربي يجد نفسه اليوم أمام شبح الموت، أو أمام إشاعة الموت، مع أن الأصل في هذا المسرح هو أنه الحياة وأنه الحيوية، تماماً كما أن هذه الحياة، في معناها الظاهر أو الخفي، ما هي إلا مسرح.. هي مسرح بسعة الوجود وبسعة الحياة وبسعة التاريخ وبسعة الخيال وبسعة العبقرية الإنسانية. ونحن كلنا في هذا المسرح ممثلون، وأشرف كل الممثلين، وأصدق كل الممثلين، هو الذي يعرف أنه ممثل، وهو من يمثل دوره بصدق، وهو من يختار دور البطولة في هذا المسرح الوجودي، وهو من يرفض أن يكون مجرد رقم بين الأرقام، أو مجرد صوت في جوقة الهتافين. والمطلوب اليوم من هذا الممثل الحر، في مسرحية الوجود الحرة، هو أن يؤدي دوره المحدد في الحيز الزماني المحدد، وأن يكون في مستوى المسرحية التي اختارته واختارها. أما أسوأ كل الممثلين فهو ذلك الذي لا يعرف أنه يمثل، والذي لا يعرف طبيعة المسرحية التي يمثل، ولا يعرف موضوعها ولا مضمونها، ولا يعرف أن الأضواء التي عليه هي أضواء مؤقتة، وأن الستارة يمكن أن تنزل أمامه في أي وقت، وأن يختفي في الظلام، وأن يبتلعه أول النسيان وكأنه لم يكن له وجود من قبل.

وهذا المسرح، بالنسبة للاحتفالي، هو حياة أخرى، وأكوان أخرى، وعوالم أخرى، ولغات أخرى، وسياقات أخرى، ومناخات أخرى، وهو طقوس اجتماعية وسياسية ودينية وشبه دينية أخرى.

المسرح الذي يلتفت إلى الأمام

وفي هذا المسرح الوجودي يمكن أن يصبح للموت أسماء أخرى، وأن يكون يقظة بعد نوم، وأن يكون حضوراً بعد غياب، وأن يكون عودة بعد رحيل، وهو في ختام أية مسرحية فإنه لا يمكن أن يكون له إلا معنى واحد أوحد، والذي هو الطلاق؛ أي طلاق الجسد الفاني مع الروح الخالدة.

وفي هذا المسرح تحضر كل الممكنات، ويصبح المستحيل ممكناً، وهو بهذا أزمان يمكن استحضارها من الماضي، أو استدعاؤها من المستقبل. وقصة الصراع بين الفن والموت هي قصة قديمة جداً، و”كلكامش” ملك “أوروك”، ذلك الذي أخذ منه الموت صديقه “أنكيدو”، هو من خرج للبحث عن نبتة الخلود، وفعلاً وجدها بعد مسيرة بحث، ولكن سرقتها منه أفعى.

أما في الميثولوجيا الإغريقية، فنجد “أورفيوس” الذي أخذ منه الموت زوجته، والذي نزل إلى العالم السفلي (هاديس) ليستردها بعد موتها، ولأنه شاعر وعازف، فقد استعان بفنه في مخاطبة (إله) الموت “هاديس”، وبموسيقاه السحرية توسل إليه أن يعود بزوجته “يوريديس” إلى عالم الأحياء، فتم قبول طلبه، ولكن بشرط: وهو ألا ينظر إلى وجهها، وألا يلتفت إليها، إلا بعد أن يغادرا مملكة الموت والموتى. ولكن، وهما في طريق العودة إلى مملكة الحياة والأحياء، وعند آخر الخطوات، التفت خلفه فخسرها إلى الأبد. وبهذا فإنني، أنا الاحتفالي العاشق للحياة والحيوية، أتساءل دائماً أمام نفسي وأقول: — ألا يكون معنى هذا الشرط، هو أن الحياة موجودة في الأمام، وأن الموت موجود في الخلف، وأن من يطلب الحياة ملزم بأن ينظر أمامه وليس خلفه؟

وربما كان هذا هو ما ضمن للاحتفالية حياتها وضمن لها حيويتها؛ فهي سير إلى الأمام، وهي نظر يتجدد عبر الأزمان، وذلك باتجاه الممكن غداً، وليس باتجاه ما كان بالأمس.

ولعل أصدق ما في هذه الاحتفالية هو أنها راهنت على الثوابت في الوجود، والتي تمثلها الحياة في مقابل الموت، ويمثلها الإنسان في مقابل الوحش، وتمثلها المدينة والمدنية في مقابل الغابة، ويمثلها العيد الاحتفالي في مقابل المأتم الجنائزي.

التراث بين حد الحياة وحد الموت

ولمن يعتقد بأن التراث مكانه الماضي، وأنه التفات إلى الخلف وإلى الوراء، نقول له ما يلي: إن هذا الذي نسميه التراث هو بالتأكيد فعل في التاريخ، فعل أوجده الوجدان البشري العام، وأبدعته العبقرية الإنسانية عبر كل مراحل التاريخ. وتربط كثير من الأقلام بين التراث والماضي، وتصر على أن تجعل هذا الماضي مرادفاً للتخلف دائماً، مع أن الحقيقة غير هذا تماماً؛ لأنه لا يعقل، بالنسبة للاحتفالية، أن يكون هذا الحاضر (المتقدم جداً) قد وصلنا من ذلك الماضي المتخلف جداً، وأن هذا الامتلاء الحضاري قد جاء من ذلك الفراغ الهمجي. ويصعب على الاحتفالي أن يتصور هذا الماضي وهو كتلة واحدة جامدة، أو أن يضعه في خانة واحدة، وأن يصدر في حقه حكماً واحداً، وأن يكون هذا الحكم نهائياً وغير قابل للنقاش أو المراجعة.

ومن أغرب الغرائب أن يصدر مثل هذا الحكم من الذين يدعون الانتساب إلى روح العلم وإلى روح العصر، مع أنه لا مطلقِيّة في روح وعقل هذا العصر، وكل شيء فيه نسبي؛ وبذلك فإنه لا مجال لأحكام القيمة العامة والفضفاضة، والتي ينتجها المزاج، أو تنتجها المرحلة التاريخية العابرة، أو تنتجها وجهة النظر الخاصة، أو تشكلها زاوية النظر الحادة والمحددة والمحدودة، أو يخلقها الاصطفاف الحزبي أو الأيديولوجي، أو يشكلها التخندق في الخنادق الشعوبية والقومية الضيقة.

إن التراث الحقيقي لا يموت أبداً؛ لأنه الأفكار الحية، خصوصاً عندما يكون لهذه الأفكار انتساب إلى الحقيقة، وهل يمكن للحقيقة أن تموت؟ وهذا التراث الذي نحيا فيه، ويحيا فينا وبنا، هو تراث مسكون بالعبقرية ومؤثث بالعبقرية، وهل يمكن تمثُّل تاريخ الإنسان خارج هذه العبقرية الجديدة والمتجددة على الدوام؟

وهذه الاحتفالية، باعتبارها رؤية ورؤيا، تنطلق دائماً من القناعة المبدئية التالية: وهي أن الماضي ما وجد إلا لصناعة المستقبل، وأن النخلة التي غُرست في الماضي قد غُرست من أجل المستقبل، وأن الذين بنوا الأهرام قد بنوها للمستقبل، وقد كانوا بذلك يتحدون الزمن، ويتحدون الموت، وينشدون الاستمرار. والأساس في الفنون عموماً أنها إبداعات عابرة للأزمنة والأمكنة، وعابرة للغات والثقافات والحضارات، كما أن الأشعار التي قيلت في الماضي قد قيلت للإنسان في المستقبل، أو قيلت لهذا الإنسان في المطلق من الزمان والمكان، وأن كل الذين اخترعوا واكتشفوا وابتكروا في الماضي قد فعلوا ذلك من أجل المستقبل، أي من أجل مستقبل كل الإنسانية. وبهذا فقد أمكن للاحتفالية أن تقول ما يلي: إن كل التراث، المادي واللامادي والمكتوب والشفهي، هو أساساً إبداع العبقرية الإنسانية، وأن وجهة هذا الإبداع الفكري والجمالي هي المستقبل بالضرورة، وهو الإنسان والإنسانية، وهو الحياة والحيوية، وهو المدينة والمدنية وهو الجمال والجمالية.

وجاءت الاحتفالية مبشرة بالحياة

وفي إطار هذا الجدل الفكري، حول هوية المسرح العربي، بين أن تكون أو لا تكون، وكيف يمكن أن تكون، جاءت هذه الاحتفالية، وكان لابد لها أن تأتي؛ في أواسط السبعينيات من القرن الماضي تحديداً أتت، ليس قبل هذا التاريخ ولا بعده. جاءت عندما نضجت الشروط الفكرية والجمالية في الواقع المغربي والعربي الحديث، وجاءت مع جيل جديد من خريجي الجامعة المغربية، وجاءت تحديداً من وطن يسمى المغرب، والذي اختار بعد الاستقلال أن يكون فضاءً للحريات العامة وللتعدد وللتنوع، سواء على المستوى السياسي والنقابي أو على المستوى الفني والفكري.

وانطلاقاً من قانون الحريات العامة لسنتي 1957 و1958 تم استبعاد الحزب الواحد، وتم القفز على النقابة الواحدة وعلى الرأي الواحد، ولهذا كانت الاحتفالية ابنة شرعية للمناخ الليبرالي الذي ارتضاه المغرب لنفسه، والذي هو نفس المناخ الذي عاشه على امتداد قرون طويلة جداً. وبهذا فقد كانت هذه الاحتفالية تعبيراً عن رؤية عيدية واحتفالية للإنسان المغربي، وهي رؤية مركبة تلتقي فيها كل الألوان وكل الثقافات وكل اللغات وكل الحساسيات الجمالية. وبهذا فقد كانت هذه الاحتفالية أساساً مع الفنون، والتي هي روح العيد وروح الاحتفال، وكانت مع الفنون الجميلة التي تشكل ملتقى النفوس وملتقى الأرواح، ولم تكن مع الأيديولوجيات والمذهبيات المغلقة، والتي تشكل مفترق الأفراد والجماعات ومفترق الفئات والطبقات.

وبالنسبة للدكتور مصطفى رمضاني، والذي واكب المسيرة الاحتفالية ابتداء من درجة التأسيس إلى الآن، فإن هذه الاحتفالية قد جاءت (لتبشر بنوع جديد من التفكير المسرحي يستجيب لذوق المتلقي وهمومه، بعدما كان المسرح السائد مقلداً للمسرح الأرسطي والغربي منه على وجه الخصوص) هكذا نطق د. مصطفى رمضاني في ندوة (الاحتفالية بالمسرح المغربي.. الأصول والامتدادات) جريدة (المساء).

وهذه الاحتفالية هي تفكير أولاً، وهي تفكير (جديد) ومتجدد ثانياً، وهي مخاطرة فكرية وجمالية ثالثاً، وهي اجتهاد نظري وجمالي رابعاً. ولعل أهم ما ميز هذا الاجتهاد (الجديد) أنه جاء في سياقه التاريخي والجغرافي، وأنه قد تم في فضاء متسامح، لا يمنع التفكير الحر، ولا يصادر الحق في الاجتهاد، ولا يقصي الآخر المختلف والمخالف. وبهذا فقد كان تأسيس الاحتفالية عنواناً على المناخ السياسي والثقافي الذي تأسست فيه، وكان العنوان الأبرز فيها هو الرغبة في التحول والتطور والتجدد والتجريب، وكان الأساس في اشتغالها هو الانتقال من الاتباع إلى الإبداع، ومن النقل إلى العقل، ومن الحرفة المسرحية إلى الفكر المسرحي وإلى العلم المسرحي؛ مما يدل على أنها كانت تؤشر ـ من حيث تدري أو لا تدري ـ على بلوغ المسرح المغربي العربي سن الرشد الجمالي والفكري.

وخلف هذه الاحتفالية يكمن الفعل المؤسس بكل تأكيد، وتكمن تلك الأرواح والعقول والنفوس المؤسسة. وبخصوص هذا التأسيس يقول الاحتفالي: (لم يكن هذا التأسيس فعلاً سهلاً، ولقد تطلب الأمر خوض معركة وجود استمرت خمسة عقود كاملة. في تلك البداية الأولى لم نكن نعرف لهذه الاحتفالية غاية ما، وقد كانت عندنا غايتُنا نفسها، وكانت عندنا ـ وما تزال ـ أعز ما يُطلب. لقد استكتبتنا فكتبنا، واستنطقتنا فنطقنا، وحرضتنا على الاجتهاد والتجريب والإبداع فاجتهدنا وجربنا وأبدعنا). هذا ما قاله وكتبه الكاتب الاحتفالي في كتاب (أنا الذي رأيت) الصادر عن منشورات “إيديسوفت” بمدينة الدار البيضاء سنة 2016.

وبخصوص علاقة د. مصطفى رمضاني بالاحتفالية فكراً وفناً، يقول د. المنور أبو بكر بأنه هو (أول من عرّف بالاحتفالية وقدمها للعالم بصورة علمية، حتى إن بعض كتبه أدرجت ضمن مراجع مكتبة الكونغرس الأمريكي، وهذا يكفي شهادة على حضوره الوازن في مجال البحث العلمي). جاءت هذه الشهادة في ندوة (الاحتفالية بالمسرح المغربي.. الأصول والامتدادات).

وفي ختام هذا النفس الجديد، أقول ما يلي: إن التراث الاحتفالي هو ما يمكن أن يتبقى، والذي هو حرية متجددة نحو المستقبل، وهو ما بدأ معنا، وهو ما يمكن أن يتواصل مع الاحتفاليات القادمة من المستقبل، ومع الاحتفاليين القادمين من المستقبل.

شارك هذا الموضوع

د. عبد الكريم برشيد

كاتب مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!