الإلهام الاحتفالي يعرف أهله
د. عبد الكريم برشيد
فاتحة الكلام
أعترف بأن ما يسعدني في هذه الكتابة أكثر، والتي هي تفكير بصوت مرتفع، والتي هي تمرين فكري شبه يومي متجدد، هو وجود عقول واعية تستوعب معناها، وتدرك مبناها، وتتذوق جمالياتها. وإن هذه الكتابة لها في مجتمع المثقفين من يقرؤها ومن يفهمها ومن يحاورها ومن يضيف إليها، وهذا أعز ما يُطلب، وبعد هذا ليس لدي أي طلب أطلبه.
والمهم هو أن هذا الصوت الاحتفالي لا يقابله الصمت، ولا يقابله الصدى ولا رجع الصدى؛ وفي هذا الحوار الفكري والجمالي يكمن المعنى الحقيقي لفعل الاحتفال، والذي هو المشاركة وهو الاقتسام، وهو التحرر من اللحظية لمعانقة الأبدية. وقد يحضر الماضي في هذا المسرح من خلال مسرحيات رموزها تاريخية وتراثية، ولكنها لا تلجأ لهذه التقنية حباً في الماضي، بل سعياً نحو الآتي الممكن، وليس تكراراً لذلك الماضي الذي كان. ونحن اليوم جميعاً، من خلال إعادة التفكير في المسرح العربي، نسعى من أجل القبض على شيء أوحد؛ والذي هو إنسانية الإنسان، هو حيوية الحياة، وهو مدنية المدينة.
وبخصوص هذه الاحتفالية، والتي هي عنوان وجود، وهي منظومة أفكار، وهي نظام حياة، وهي دستور آداب وفنون، يقول الأستاذ الباحث عبد العزيز با حافيظ في تعقيبه على المقالة السابقة، مخاطباً كاتبها: (جعلتَ الاحتفالية متجدّدة باستمرار، لا تشبه ذاتها، تغير القشور الزائدة، وتحتفظ بالجوهر الدائم… احتفاليتك لا تهجر التراث قطعاً، تنبني عليه، وتبني به المفاهيم والهيكل، وتمرّر من خلاله الرسائل المشفرة والمضمرة، وأحياناً تؤسس على بعضه رؤية/ات جمالية، معرفية، فنية، احتجاجية… الفنان الاحتفالي يتجدد في كلامه اليومي، وأحاسيسه الشخصية… وحتى صمته…، لكن حين تتلاقى الأيقونات الثلاث: (النحن، الآن، هنا) يتغير الكل من الجمود إلى التغيير، ومن السكونية إلى الحركية، ومن الهمس إلى الجهر والعلانية…).
نعم، هو الرهان على “النحن” الإنسانية، وهو الرهان على “الآن” الزمانية، وهو الرهان على المكان “هنا”. ويؤكد الاحتفالي دائماً على أنه في زمنميته المحدودة منفتح على كل الأزمان وعلى كل الأماكن اللامحدودة.
أما المخرج المسرحي الكبير الأستاذ صلاح الدمرداش، فهو يبعث من مدينة بورسعيد الرسالة التالية: (حقاً أيها الاحتفالي العظيم.. هكذا عرفناك وهكذا الدنيا الاحتفالية تزهو بكم.. دمت سيرة ومسيرة مشرفة وازدان عالم المسرح بكم وبعطائكم.. ودمتم بخير وصحة وسلامة أستاذنا الرائع). وهل كان ممكناً لهذه الاحتفالية أن تسافر عبر الزمان، من غير وجود أرواح وعقول ونفوس تؤمن بفلسفة التعييد الاحتفالي، وتؤمن بالإنسان الاحتفالي الجديد، وتؤمن بالقيم الاحتفالية الجميلة والنبيلة؟
أما الكاتب المسرحي والسيناريست الأستاذ عبد الإله بنهدار فقد قال في تعقيبه ما يلي: (المكر السيء لا يحيق إلا بأهله أستاذي وصديقي العزيز.. ومعظم من ينتقد الاحتفالية يشتغل عليها وبها إلى اليوم بوعي أو بدون وعي، تحياتي).
ولعل أسوأ شيء، هو أن يكون من يتبرأ من الاحتفالية احتفالياً وهو لا يدري، وأن يعيش عصر الاحتفالية وهو لا يعرف في أي عصر يعيش، ولا يعرف أن هذه الاحتفالية هي مناخ قبل كل شيء، وأنه لا أحد يمكن أن يعيش ويحيا إلا داخل هذا المناخ وداخل هذا الغلاف الفكري والجمالي والأخلاقي، والذي هو مناخ احتفالي.
فكرة طيبة في مناخ طيب
والأصل في هذه الاحتفالية هو أنها فكرة نبتت في أرضها، وأنها ارتقت سلم الحياة وسلم النمو في مناخها الطبيعي؛ وهذه الفكرة لم تأتِ من وادي عبقر، ولا كانت من وحي الجن والشياطين، ولكنها فكرة الإنسان المدني الحر في المجتمع الإنساني والمدني العاقل والراشد والمتحرر، وقد يكون في هذه الفكرة شيء من الإلهام، والذي يكافئ المجدين والمجتهدين.
وفي معنى هذا الذي نسميه الإلهام، والذي يظل لغزاً محيراً في عملية الإبداع الأدبي والعلمي والفكري والجمالي، يقول الاحتفالي ما يلي: بأن الإلهام يعرف طريقه، ويعرف صاحبه، ويعرف مكانه، ويعرف زمانه، بل ويعرف توقيت لقائه بصاحبه. وهذا الإلهام لا يمكن أن يأتيك إلا عندما تطلبه وتسعى إليه، وعندما تلح في الطلب، وعندما يعرف وزنك، وعندما تعرف أنت عنوانه، وعندما يعرف هو أيضاً عنوانك. ومن لا عنوان له في الإبداع، لا يمكن أن يكون له وجود في مملكة الإبداع. وهذا الإبداع يأتيك عندما تعمل وتجتهد وتحترق، وعندما تسأل السؤال العلمي في العلم، وعندما تسأل السؤال الشعري في الشعر، وأن تعرف أنت من أنت، وما هو حجمك، وما هو طريقك، وما هي غايتك؛ كل هذا من أجل أن يأتيك الإلهام السحري بما تطلبه.
إن الإلهام الشعري يعرف طريقه، وهو يقصد الشعراء لأنه يعرفهم ويعرف عناوينهم، والإلهام العلمي يذهب للعلماء لأنه يعرف أسئلتهم العلمية التي يجيب عليها، وأما إلهام الحكمة فهو يذهب إلى أحبابه وصحبه من أهل الحكمة. أما عندما لا تكون شاعراً، ولا تكون عالماً ولا معلماً، ولا تكون كاتباً ولا حكيماً ولا حالماً، فمن أين يمكن أن يأتيك الإلهام؟ وما حاجتك بهذا الإلهام أصلاً؟ ولماذا يأتيك هذا الإلهام إن كنت لا تعرفه، وكان هو لا يعرفك، ولا يعرف عنوانك، ولا يعرف أسئلتك ولا يعرف مسائلك؟
وهذا الإلهام ماذا يكون؟ هل هو فيض النفوس وفيض الأرواح؟ وكل إناء يفيض بما فيه، والأواني الفارغة لا تفيض إلا بالفراغ، وقد يكون لها صوت مثل كل الأواني الفارغة، ومثل الطبول الممتلئة بالهواء وحده.
ووجود إلهام بلا عمل هو إلهام لا معنى له، ووجود إلهام بلا تفكير سابق هو مجرد لا شيء. ونعرف أن الإبداع المسرحي، باعتباره عملاً جماعياً، فإنه يحتاج إلى مؤسسة، وأن تكون هذه المؤسسة هي الفرقة، أو هي الجماعة أو هي الجمعية أو هي الشركة أو هي التعاونية أو هي المعمل المسرحي أو هي المختبر المسرحي؛ وبغير وجود هذا العنوان كيف يمكن أن تبدع، وأن تؤسس، وأن توجد شيئاً لم يكن له من قبل وجود؟
إن من يدخل عالم المسرح ملزم بأن يسأل نفسه السؤال التالي: ــ وما المسرح؟
وإذا قلت بأن هذا المسرح هو مجرد تسلية، فإن أقصى ما يمكن أن تصل إليه هو ارتجال فرحة حسية خالصة، وبذلك تظل عند بوابة المسرح من غير أن تدخل عالم المسرح. أما إذا اقتنعت وقلت بأن هذا المسرح هو مهنة وحرفة وتجارة، فستجد نفسك بالتأكيد في المسرح التجاري، وستصبح محكوماً بقانون العرض والطلب وبقانون السوق. وإذا قلت بأن المسرح هو فعل تجريبي، تختبر فيه، ومن خلاله، السلوك الإنساني اليومي، فمن المؤكد أنك سوف تلقى نفسك في المسرح التجريبي. أما إذا قلت بأن هذا المسرح هو درس علمي أو هو درس تربوي أو هو درس أخلاقي أو هو خطابة سياسية، فإنه لابد أن تجد نفسك في المسرح التعليمي أو في المسرح المدرسي أو في المسرح التحريضي أو في المسرح التوجيهي أو في المسرح السياسي.
والمسرح عندما لا يكون مطلوباً لذاته، فإنه لا يمكن أن يستحق اسم المسرح، ولقد سعت هذه الاحتفالية دائماً من أجل إيجاد مسرح يكون هدف نفسه، وأن يكون عنوانه هو المسرح، وأن لا يكون مجرد طريق يمكن أن يؤدي إلى ما وراء المسرح، أو إلى ما بعد المسرح، أو إلى ما قد يشبه المسرح وما هو بمسرح.
المبدع الحر والإبداع المسرحي الحر
وهذه الاحتفالية لا تلزم أي أحد بأن يرى المسرح بنفس رؤيتها، لأن الأصل في هذا المسرح هو أنه فكر وفنون وعلوم وآداب وصناعات موحدة ومتضامنة ومتكاملة ومتناغمة، والعنوان الأكبر والأخطر في عالم هذا المسرح هو الحرية وهو التحرر وهو الاستقلالية. وفي علاقة الاحتفالي بشركائه المسرحيين، في مختلف التيارات والاتجاهات، يقول ما يلي: ـ هم يؤمنون بالتفاضل بين التجارب المسرحية، أما نحن فإننا نؤمن بالتكامل فيما بينها.
ونحن في حبنا لهذه الاحتفالية نصرّ على أن نكون في هذا الحب مبصرين، لأن بعض الحب، وفي حالات كثيرة، قد يكون مدمراً وقاتلاً، وبحسب الاحتفالي فإن الحب الأعمى مثل الكراهية العمياء. ومنذ انطلاقة المسيرة الاحتفالية في أواسط السبعينات من القرن الماضي، أكد الاحتفاليون على أن المسرح هو: (التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر)
ويمكن أن نضيف اليوم ما يلي: بأن المطلوب هو البحث عن (المسرح الجاد في المؤسسة المسرحية الجادة في المناخ المسرحي السليم) وهو البحث عن (المسرح الحر والمستقل في المؤسسة المسرحية الحرة والمستقلة).
وهناك أشياء كثيرة اليوم في هذا المسرح العربي تحتاج إلى النقد الذاتي، وتحتاج إلى التصحيح والتوضيح وإلى المراجعة؛ فباسم الواقعية، تقترب كثير من التجارب المسرحية من قشور الواقع أكثر، وتبتعد أكثر عن روح الفن وعن جوهر الفن، وهناك من يضيف لقبح هذا العالم قبحاً آخر من عنده، وكأن كل هذا القبح الذي في الناس وفي الأشياء وفي العلاقات وفي البنيات لا يكفي، وبهذا يكون من حقنا أن نتساءل: ــ ما معنى أن نضيف لهذا الظلام الذي في الواقع وفي الوقائع ظلاماً إضافياً؟ ــ وما معنى أن نضيف لهذا العالم المأساوي رؤية مأساوية من عندنا؟
هذا المسرح هو رؤية عاقلة لعالم مجنون، وهو مقاربة منطقية لفوضى الواقع، والأمر يحتاج اليوم لأن نعيد النظر في كل شيء وأن نشتغل بشكل دائم، في الفن كما في العلم وفي الفكر، لصناعة الجمال ولصناعة النور ولصناعة البهجة والفرح.
ونحن الذين ألهمنا الله هذه الاحتفالية لم نقل في أي يوم من الأيام بأن هذه الاحتفالية هي احتفاليتنا وحدنا، ولقد اقتسمنا فكرتها، واقتسمنا جمالياتها مع كل الناس. ويشهد الله، ويشهد التاريخ أن الاحتفالي الذي يسكنني لم يقل ولم يكتب (أنا ومن بعدي الطوفان)، كما أن هذا الاحتفالي لم يقل (أنا) ولم يؤمن بالأنانية، ولكنه قال (نحن) وآمن بـ (النحنية) الجماعية والمجتمعية في بعدها الإنساني والكوني.
وبخصوص فعل الاحتفال، فإنه لم يطرح على نفسه سؤال: لمن يحتفل هذا المحتفل؟ وفي مقابل هذا، فقد تساءل دائماً وقال: ــ مع من يمكن أن يحتفل المحتفل المسرحي؟
