سلاح “تغيير النظام” ذو الحدين: قراءة في عملية “الغضب الملحمي” وما بعدها

سلاح “تغيير النظام” ذو الحدين: قراءة في عملية “الغضب الملحمي” وما بعدها

إعداد:  عزيزة كنون

بينما تطوي المنطقة الساعات الأولى لعملية الغضب الملحمي، يجد العالم نفسه أمام منعطف جيوسياسي هو الأخطر منذ عقود. لم تعد العملية العسكرية التي أطلقتها إدارة ترامب بالتعاون مع حلفائها في تل أبيب مجرد جولة قصف تقليدية، بل هي “مقامرة وجودية” تستهدف اجتثاث الهيكل القيادي للجمهورية الإسلامية الإيرانية وتغيير وجه المنطقة قسراً.

في هذا التقديم، نسلط الضوء على الصدام بين الحسابات الرقمية لواشنطن، التي ظنت أن “قطع الرأس” سيؤدي إلى انهيار الجسد، وبين العقيدة الروحيةلطهران، التي استمدت من “الشهادة” وقوداً جديداً للاستمرار. ومع اغتيال المرشد الأعلى، لم يعد الصراع محصوراً في غرف العمليات، بل انتقل إلى الوجدان الشعبي، محولاً الهزيمة التكتيكية المفترضة إلى صرخة تحدٍّ جيوسياسية.

نستعرض في السطور التالية رؤية المحلل الاستراتيجي سكوت ريتر، الذي يفكك “أوهام” النصر السريع، محذراً من أن سلاح “تغيير النظام” قد يرتد ليصيب الداخل الأمريكي المشحون بانتخابات التجديد النصفي، ويضع الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط أمام اختبارها الأخير

    انطلقت عملية الغضب الملحمي بهدف معلن وهو إسقاط النظام الإيراني. وعلى الرغم من أن هذه الهجمات قد تنجح بالفعل في إحداث تغيير ما، إلا أن السؤال الجوهري يبقى: من سيبقى صامداً حين ينجلي غبار المعركة؟

خطة “قطع الرأس” والرهان المفقود

لقد راهن الرئيس ترامب بكل إرثه السياسي على تحقيق نصر خاطف وغير مكلف دموياً ضد إيران، واضعاً نصب عينيه —وعيون شركائه الإسرائيليين— هدفاً واحداً وهو “تغيير النظام”. اعتمدت الخطة التي أقنعه بها “وزير حربه” على استراتيجية قطع الرأس“: تصفية القيادة الإيرانية، تفكيك الجهاز الأمني، ثم انتظار استلام الشعب الإيراني لزمام الأمور. وفي مقطع فيديو نُشر عقب بدء الهجمات، خاطب ترامب الداخل الإيراني داعياً إياهم للسيطرة على حكومتهم، واعداً من يضع السلاح بالحصانة، ومتوعداً من يقاوم بالموت المحقق.

بناءً على معلومات استخباراتية، اغتالت إسرائيل نحو 46 كادراً من النخبة العسكرية والمدنية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. إن هذا الفعل، الذي جاء بعد “خديعة” مفاوضات السلام الوهمية، كشف عن فراغ أخلاقي، فخامنئي لم يكن مجرد زعيم سياسي، بل مرجعية دينية كبرى يعادل اغتياله في أثره الروحي لدى أتباعه اغتيال أعلى الرموز الدينية في العالم.

المفارقة: الشهادة كوقود روحي

لقد وُلد التشيع من رحم “الشهادة” في كربلاء عام 680 م، وجاءت رسالة خامنئي الأخيرة “باسم حيدر” لتكون صرخة تحدٍّ من وراء القبر. ظن ترامب أن الاغتيال سيكون شرارة الثورة ضد النظام، لكنه نجح وراء توقعاته الأكثر جموحاً بشكل عكسي، فالشوارع اليوم غصت بالمواطنين الذين يصرخون:  “عاش الشهيد خامنئي!”، معلنين بوضوح رفضهم لترامب وأمريكا وإسرائيل، وأي بدائل خارجية، متمسكين بالجمهورية الإسلامية.

خامنئي، الذي مات في منزله محاطاً برفاقه ولم يكن مختبئاً، منح بـ”شهادته” وقوداً روحياً للشعب للصمود. وفي الواقع، خسر ترامب وإسرائيل الحرب استراتيجياً في اللحظة التي أصابت فيها الصواريخ هدفها، لأن إيران دولة دستورية ذات تسلسل قيادي واضح لا ينهار بسقوط الأفراد.

تحليل سكوت ريتر: توازنات القوى في مهب الريح

يكشف تحليل سكوت ريتر، مفتش الأسلحة السابق، عن تحول جذري في توازنات القوى الإقليمية عام 2026، مفككاً “الأوهام” العسكرية الأمريكية عبر النقاط التالية:

1- تآكل الردع والصدام الوجودي: يرى ريتر أن واشنطن وتل أبيب وقعتا في فخ تاريخي، فاغتيال القيادات نقل الصراع من “خلاف سياسي” إلى “قضية وجودية مقدسة”. وهذا يعني تحول عقيدة “محور المقاومة” إلى المواجهة الشاملة والنهائية، مما يحول القواعد الأمريكية إلى أهداف مستمرة ويجعل بقاءها نزيفاً سياسياً وعسكرياً لا يمكن تحمله.

 2- الفشل في إدارة “اليوم التالي“:  نجاح الصواريخ هو نجاح تقني بحت، لكنه فشل استراتيجي ذريع. فالفراغ الذي خلّفه الاغتيال ملأته “اللحمة القومية”، وولّد جيلاً إيرانياً أكثر راديكالية وعداءً للغرب، مما يغلق أي نافذة للدبلوماسية لجيل كامل.

3-  التصدع الداخلي (القومية مقابل التبعية):  يشير ريتر إلى تصدع وشيك داخل قاعدة ترامب (MAGA). فعندما يبدأ “أكياس الجثث” في العودة، سيكتشف الناخب الأمريكي أن دماء أبنائه سُفكت لخدمة مشروع “إسرائيل الكبرى” وليس لأجل أمن أمريكا. هذا سيؤدي إلى شلل سياسي في واشنطن، وقد يضع ترامب تحت مقصلة العزل قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026.

4- السلاح الاقتصادي ومضيق هرمز: تمتلك إيران “زر الإغلاق” للاقتصاد العالمي. وفي حال استمرار الضغط، سيؤدي تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى ركود عالمي يضرب القوى الكبرى، مما قد يدفع روسيا والصين للتدخل المباشر لحماية مصالح الاقتصادية من “التهور” الأمريكي.

تخلص رؤية ريتر إلى أن عملية الغضب الملحمي قد تكون المسمار الأخير في نعش الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط. فبدلاً من “الشرق الأوسط الجديد”، نحن بصدد شرق أوسط بلا أمريكا، حيث تصبح إيران أكثر راديكالية، وإسرائيل أكثر عزلة، بينما يغرق ترامب في طيات النسيان التاريخي أو الشلل السياسي، وتستمر الجمهورية الإسلامية مستمدة قوتها من إرث “شهيدها” الجديد.

شارك هذا الموضوع

السؤال الآن

منصة إلكترونية مستقلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!