الجيد بين الجمالية والوظائفية والرمزية

الجيد بين الجمالية والوظائفية والرمزية

 الدكتورة رشيدة أفيلال

          في إطار سلسلة الجسد التي تنظمها غرفة “صديقات اجمل العمر”، ألقت المهندسة والفنانة التشكيلية كوثر العلوي يوم السبت 3 أكتوبر 2026 عرضا قيما بعنوان “الجيد بين الجمالية و الوظيفية والرمزية”.

  تم اللقاء في جلسة علمية وثقافية متميزة امتزج فيها العلم بالأدب وتجاورت فيها الإشارات القرآنية مع الشعر وتداخلت فيها المعرفة اللغوية مع التأمل في حضارات الشعوب وثقافتها. لم تكن الجلسة درسا جافا في تشريح الجسد، بل رحلة ممتعة في اكتشاف ما تخفيه أعضاؤه من معان تتجاوز وظائفه الظاهرة. كانت جلسة اجتمعت فيها ملكة الإلقاء بخزان لغوي ومعرفي غني وببلاغة رنانة تشهد لصاحبة العرض عن جمالية اللغة العربية وبهائها.

خلالها، حاورني الجيد محدثا:

الجيد: قد يبدو لك أنني مجرد مساحة صغيرة في الجسد تفصل الراس عن بقية البدن. لكنني أحمل من المعاني والوظائف ما يتجاوز حجمي بكثير.  فمن خلالي، يتصل العقل بالجسد والفكر بالفعل والكلمة بالصوت. وفي الوقت نفسه، أنا موضع للجمال ورمز للكرامة ومنطقة تقاطع الثقافة والتاريخ والذاكرة الإنسانية. 

أجبته:

لقد أثرت فضولي. فلنبدأ باللغة. كيف أصبحت رمزا للجمال حتى إن العرب خصوك بلفظ بديع يختلف عن العنق والرقبة؟

أجابني قائلا:

الجيد في اللغة العربية هو العنق وجمعه أجياد وجيود ويقال امرأة جيداء إذا اتصفت بطول العنق وحسنه. ولا سيما عندما يتزين الجيد بعقود اللؤلؤ والذهب والجوهر. وبحسب السياقات، هناك تمايز الجيد والعنق والرقبة. فغلب على الجيد سياق المدح بينما ورد لفظ العنق في سياقات أخرى منها ما هو محايد ومنها ما هو سلبي.

 قلت متعجبة:

وكيف ذلك؟ أليس في الأمر بعض التضليل؟

تابع حديثه موضحا:

اسمعي ما هو أكثر. إن لفظ العنق يحمل أيضا في بعض الاستعمالات معنى السرعة. فيقال أعنق في سيره أي سريع السير. ففي هذا العضو الصغير يجتمع الجمال والحركة والتوازن والتواصل مع العالم.

أمام كل هذه الأبعاد، ألح علي فضولي المعرفي فسألته:

ما سر هذه الأهمية الوظيفية الحيوية؟ فقياسا بسائر أعضاء الجسم، تبدو مساحة الجيد صغيرة؟

أجاب مبتسما:

هناك تكمن المفارقة. فصغر المساحة لا يعني ضآلة الأهمية. ففي العنق يمر المجرى الهوائي والمريء وتعبره أوعية وأعصاب حيوية. كما توجد به عقد لمفية تؤدي دورا مناعيا حيويا. وإذ يصل الرأس بالجدع، فهو مسؤول عن حركة الرأس واتجاه النظر وإخراج الصوت. فسلامة هذه المنطقة من سلامة وظائف حيوية كثيرة.

وهو يواصل حديثه، انتقل بي من اللغة إلى القرآن قائلا:

لعلك تحفظين سورة المسد؟ فقد ورد فيها لفظ الجيد في قوله تعالى: ” في جيدها حبل من مسد”.   

ثم دعاني إلى التأمل مردفا:

إن صورة الجيد في سورة المسد تكتسب قوتها من المفارقة بين الزينة والقيد. وبين ما يتخذ للتجمل وما يتحول إلى علامة للخزي العقاب. فجاء الجيد كوعيد قرآني. وهكذا، يتحول الجيد من موضع للزينة إلى موضع للإذلال والعقاب.

بعدها، حلق بي إلى الشعر الجاهلي حيث احتل الجيد مكانة متميزة لوصف جمال المرأة وارتبط في أحيان أخرى بالغزال كرمز الرشاقة والاعتدال والجمال. فقال لي مستشهدا ببيت من معلقة أمرؤ القيس:

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش    إذا هي نصته ولا معطل

وأنا أتابعه منبهرة، سمعته يردف مفصلا:

ولم يكتف الشعراء بالتشبيه. بل بلغ بهم حد التماهي مع المحبوب كما هو حال مجنون ليلى الذي كان يستبدل الحقيقة بالشوق الذي يسكن وجدانه.

وأنا بين تعجب وسخرية قلت له:

 ألهذه الدرجة كان الشاعر مهووسا بجسد المرأة؟

أجابني بتفلسف:

الجمال في الشعر يسكن عين من يراه. فالعاشق لا يصف العالم كما هو ولكن كما يشكله وجدانه. 

قلت مجيبة:

استعصى الفهم علي. أخبرني. هل تغنى الشعراء الرجال فقط بالجيد أم حضر الجيد في التجربة الشعرية النسائية أيضا؟

كان جوابه سريعا:

بالتأكيد. لقد احتل جسد المرأة مساحة واسعة في الشعر العربي وظلت المرأة زمنا طويلا موضوعا للوصف. ولكن في الشعر النسائي الحديث، أصبحت الشاعرة تتحدث عن جسدها. وعليه، لم يعد الجيد علامة على الجمال بل صار رمزا للتعبير عن التجربة الشخصية والاختناق الاجتماعي والرغبة في الحرية والتحرر.

قلت له:

؟ لقد قدتني إلى تجربة فدوى طوقان حيث يتجاوز الجيد حدود الجمال ليلامس الألم. هل توافقني الرأي.

أجابني مفكرا:

نعم، في سياق الشعر الفلسطيني، يمكن أن يتحول الجيد إلى مقاوم شاهد على القمع والاضطهاد والأرض المحاصرة والمعاناة.

بعد وقفة تأملية، عرج بي على بعض الحضارات. فأفصح مخبرا:

يكشف تاريخي بأن الإنسان باختلاف الحضارات لم ينظر إلى جسده كمادة بيولوجية فحسب، بل حمله معاني الجمال والمكانة الاجتماعية والمعتقد والسلطة. ففي الحضارة المصرية مثلا، ارتبطت الحلي التي تزين العنق بالزينة وبالمكانة الاجتماعية بالثروة وبالسلطة. وفي السياقات الدينية والجنائزية في بلاد الرافدين، ظهرت تمائم وقلائد اعتقد أنها توفر الحماية. وكان الجيد الطويل والنحيف في التمثلات مؤشرا على الرشاقة والحضارة والتمدن. بينما استخدمت الأطواق في بعض السياقات لتمييز الأسرى والعبيد.

أمام هذا الكم الهائل من المعلومات، قلت له:

لقد اقتربت الجلسة من نهايتها. فالجيد لم يعد عضوا بل نافذة نطل منها على تاريخ طويل من التصورات والتفاعلات الإنسانية. بدأت بالحديث عن عضو صغير، فإذا بك ترحل من القرآن والبيان والشعر والحضارات والسياسة والهوية. فهل يمكن اختصار هذه الرحلة في فكرة مقتضبة.

أجابني بنبرة الحكيم:

الجيد ليس مجرد مادة صامتة أو موضعا للجمال ولا مجرد حلقة وصل بين الرأس والجسد. هو مساحة رمزية أعادت الثقافات تشكيلها وفق تصوراتها عن الإنسان والحياة. فاللغة تمنحه أسماء والشعر يمنحه صورا والدين يعطيه دلالات والتاريخ يشهده على العادات والمعتقدات. لذلك، يمكن قراءة كل عضو باعتباره جزءا من قصة كبيرة هي قصة الإنسان نفسه.

انتهى الحوار. سبحان الله المصور الخلاق العليم.

شارك هذا الموضوع

د. رشيدة أفيلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!