العتبات النصية في رواية لودميلا للكاتبة السورية لينا كيلاني.. مقاربة سيميولوجية

العتبات النصية في رواية لودميلا للكاتبة السورية لينا كيلاني.. مقاربة سيميولوجية

د. عبدالجبار العلمي

        من الجدير بالملاحظة أن روايات لينا كيلاني الثلاث: “بذور الشيطان” ، ” الاختيار، “لودميلا “  تقدم لنا رسالة إنسانية سامية يمكن أن نجملها في محورين أساسيين:

1 ـ الدعوة إلى سيادة قيم المحبة والعدل والأخوة والسلام بين بني البشر دون اعتبار للاختلاف في الدين أو الجنس أو اللون أو الوطن .

2 ـ التنبيه إلى الأخطار الجسيمة للعلم والتكنولوجيا حين يستخدمان في أغراض تهدد حياة الإنسان والكائنات على الأرض ، وتؤدي إلى خراب العالم ودماره..

ترصدُ الكاتبة في رواية ” لودميلا” ، أكبر الكوارث الناتجة عن انفجار المفاعل النووي الشهير

تشيرنوبيل ” في الاتحاد السوفياتي، وتشجب بقوة ومرارة الآثار الخطيرة الناتجة عن منجزات العلم المدمرة المهددة لحياة الإنسان حاضراً ومستقبلاً. يقول السارد العليم: “البشر أمام مخترعاتهم وثوراتهم العلمية سواء … كلنا مهددون .. كلنا بين شياطين العلم تغدر بنا في أي وقت تشاء .” ( ص : 80 )

عتبات النص:

أول ما يثير انتباه القارئ قبل الدخول إلى الكون الروائي للرواية ثلاث عتبات : العنوان ـ غلاف الرواية ـ الإهداء . والملاحظ أنها كلَّها تثير جواً من الغموض والغرابة ، وتجعلنا نحس أننا مقبلون على عوالم جهنمية رهيبة ، يواجه الناس في أتونها العذابَ والمعاناةَ والمصيرَ المجهول.

أ ـ العنوان: يلاحظ أن العنوان لودميلا ” ينبني على العنونة المفردة المعرَّفة. هو اسم غير عربي غريب علينا ما يدفع المتلقي إلى التساؤل عن دلالته ووظيفته في المتن النصي، ويثير فضوله فيجعله يتلمس الطريق إلى الكشف عن سره، لذك كان العنوان “أول مثير ومنبه أسلوبي يتلقاه القارئ من النص”. (بلاغة العنونة القصصية، جميلة عبدالله العبيدي، مجلة أفكار، عدد: 279 ـ أبريل 2012 ، ص : 15 ). إنه اسم الكتاب الذي “يثير العديد من الأسئلة التي تجعل منه مُكوناً غير منفصل عن بقية مكونات النص ومراتبه القولية”.  (عبدالفتاح الحجمري ، عتبات النص/ البنية والدلالة، م. الرابطة، 1996، ص: 19)، فهل يتعلق الأمر باسم شخصية من شخصيات الرواية أو باسم مكان يمثل مسرحاً لأحداثها؟ إذا كان العنوان يتصل باسم شخصية روائية، فمن الطبيعي أن تكون هي شخصيتَها المحورية مادامتْ الكاتبةُ اختارتْ اسمَها عنواناً لروايتها ، وهذا ما تشير إليه كلمة ظهرالغلاف: “لودميلا”… هي بطلة الرواية الشاهدة على جحيم أرضي صاغته الكاتبة السورية لينا كيلاني بكثير من العذوبة والألم على مصائر الناس. “وغير خاف” أن اختيار العناوين عملية لا تخلو من قصدية… إنها قصدية تنفي معيار الاعتباطية في اختيار التسمية ليصبح العنوان هو المحور الذي يتوالد ويتنامى ويعيد إنتاج نفسه وفق تمثلات وسياقات نصية تؤكد طبيعة التعالقات التي تربط العنوان بنصه والنص بعنوانه. ” (عتبات النص، مرجع مذكور، ص: 19). وسيدخل العنوان “لودميلا” ضمن البنية الحكائية للنص الروائي في جمل سردية تشير إلى أهمية الشخصية التي تحمل هذا الاسم (لودميلا) باعتبارها البطلة الرئيسة في الرواية التي ستخوض غمار أحداث مهولة في عالم جحيمي رهيب، قائدة أسرتها في رحلة نحو المجهول في سيارة لم تسعِ الجميع، بعيداً عن مكان الحدث المشؤوم:

ـ “ارْحَلي يا لودميلا مع الأولاد وباقي أفراد الأسرة” (ص : 47) / ـ ” أما هي (لودميلا) ، فقد صمتت إذ تقع في حيرة شديدة .. ترحل إلى أين؟ وكيف؟ أمها المريضة والأولاد وأختها “تانيا” وأطفالها والعمة سارة”. (ص: 49)/ ـ “وقبل أن تعلن الساعة الدقاقة المثبتة في بهو المنزل الواحدة من صباح يوم 26 أبريل ، كانت “لودميلا” آخر من خرج من المنزل. وبدأ الرحيل .. ” (ص: 53) / ـ ” شهور لازمت فيها “لودميلا” غرف المشفى وأروقته تابعت فيها حالة أبنائها مع أولاد أختها حتى الشفاء .. و”تانيا” تتمدد في الجناح الغربي حيث مرضى السرطان”. (ص: 91)

من خلال الجمل والفقرات السردية التي يحضر فيها العنوان على امتداد المتن الروائي، يتبدَّى لنا عبرَ هذا الحضور المتكرر توالد أحداث الرواية وتناميها وتطورها.

ب ـ غلاف الرواية:   يتآزر الغلاف مع العنوان ليثير المزيد من الغموض والغرابة وأجواء الرهبة والخوف. أولُ ما يَلْفِتُ نظرَ المتأمل لصورة الغلاف:  فضاءٌ موحش، لا أثر فيه للأحياء. الأشجار يابِسة خالية من الأوراق نهائياً ، يقف بعضُها على يمين الصورة، ولا تبدو لنا في الجانب الأيسر منها إلا أغصانٌ جافة لشجرة كبيرة أخذَ يتساقطُ الكثيرُ منها على الأرض أسفل الغلاف دِلالةً على موتها ، وفي الجانب الأيسر في الأعلى أعوادٌ متدلية من الشجرة تنتظر أوانَ سقوطها. أما في وسط الصورة، فيقوم بيت كبير يهيمن عليه الظلام ويكاد يُخفي جدرانَه ونوافذَه، وهو أشبه ما يكون بتلك البيوتِ الكبيرةِ المخيفةِ العاليةِ الأسوار التي نراها في أفلام الرعب. يطغى على الغلاف اللون البنفسجي الذي يبدأ فاتحاً ثم ينتشر متدرجاً إلى أن ينتهي غامقاً ممتزجاً باللون الأسود في أسفله، الأمر الذي يزيده ظلمةً وقتامةً. ولكننا نلمحُ في أقصى الجانبِ الأيمنِ سيارةً سوداءَ ينبعثُ منها نورٌ أصفرُ أضاءَ بوابةَ البيتِ الحديدية المغلقَة، إلا أنه لمْ يستطعْ أن يزيحَ ما خلفَ حاجزها الحديدي من حُلكة وظلام . هل ثمة قصديةٌ من لدن صاحب الغلاف باختيار اللون البنفسجي الدال نفسياً على الكتمان والانطواء على الأسرار؟ الحقيقة أننا حين نلج عالم الرواية، نجد أن ثمة أسراراً خطيرة يراد لها أن تبقى طي الكتمان ، فالأمر يتعلق بالحرص على هيبة نظام دولة قوية متقدمة علمياً وتكنولوجياً.  أَمَّا عنوانُ الرواية “لودميلا” ، فنلاحظ أنه كُتبَ بالبنط الغليظ بلون أحمرَ يوحي بالعالم الجهنمي الملتهب الذي سيدخله أبطال الرواية ويعانون من أهواله. كما نلاحظ كذلك أنه وُضِعَ في أعلى الغلاف دلالةً على مكانة صاحبة هذا الاسم في الكون الروائي باعتبارها بطلة الرواية الشاهدة على الجحيم الأرضي الذي أبدعته الكاتبة كما ورد في كلمة ظهر الغلاف.  نجد فوق العنوان اسم السلسلة ” روايات الهلال ” الذي يغني عن كلمة التجنيس “رواية” التي تذيلُ بها عادة أغلفة الروايات، وفي أسفل الغلاف في الجانب الأيسر الشديد العتمة ، نجد اسم المؤلفة (لينا كيلاني) كتب باللون الأبيض الذي يضيء هذه العتمة. ألا يدل ذلك على أنها هي التي ستضطلع بإنارة طريق القارئ للكشف عن العالم الروائي المليء بالأحداث المهولة والأسرار الغامضة التي يوحي بها الغلاف؟

ج ـ الإهداء: يُلاحَظُ أن عبارة الإهداء موجهة إلى أشخاص عامين غير مُحَددين بضمير الغائب ـ الجمع : “إلى الذين عبروا إلى الضفة الأخرى.. عسى أن يقبضوا على مفاتيح الجحيم.. قبل أن ينفتح أمامهم أي باب من أبوابه”، وهو موقع بالاسم الشخصي للكاتبة ” لينا “. والإهداء ” باعتباره عتبة نصية ، لا تخلو من قصدية سواء في اختيار المُهْدى إليه / إليهم أو في اختيار عبارات الإهداء ” ( عتبات النص ، ص :  26) ) . فمن هؤلاء الذين اختارت المؤلفة إهداءَ كتابها إليهم؟ وماذا تعني الضفة الأخرى التي عبروا إليها؟ يبدو أن الخطاب موجه إلى كل العلماء والهيئات التي بيدها إمكانية إنقاذ العالم من الجحيم الذي يتهدده، والذين يقعون في ضفة أخرى تناقض ضفة الشر التي يقف عليها أعداء الإنسان والحياة . إنها توجه إهداءها إلى عقلاء العالم عسى أن يوجهوا جهودهم إلى تجنيب الإنسانية خطر الدمار والخراب والفناء الذي يهددها في أية لحظة.

الحياة / الجحيم

سندلف من خلال هذه العتبات النصية الدالة إلى العالم الجَحيمي الذي تَحْكي عنه الرواية. نجد أنفسنا إزاء عالمٍ محاط بالأسرار والمخاوف، مهدَّد بحدوث كارثة وشيكة، تذهب بالأخضر واليابس وبالبشر والحجر، وهكذا تأخذ الرواية منذ الفصل الأول بتلابيب القارئ فتضرم شوقَنا إلى اكتشاف الأسرار الغامضة والمصائر المجهولة. تستخدم المؤلفة عنصر التشويق، فلا يتعرف المتلقي على تلك الأسرار إلا بعد أن تتعرف عليها الساردة ـ المشاركة ـ وهذا ما يدعوه ت. تودوروف Tzvetan Todorov) بالراوي الذي يساوي الشخصية صاحب (الرؤية مع)ـ إننا نتعرف عليها من خلال أسرتين هما أسرة “لودميلا” وأسرة صهرها “إيفان” اللتين يعمل أغلب أفرادهما في المفاعل النووي. تصور لنا الكاتبة أكبر كارثة نووية عرفها العالم فاقت في هولها وخطورتها وآثارها الوخيمة ما خلفته قنبلة هيروشيما ومثيلتها قنبلة ناجازاكي من موت وخراب ودمار . (الرواية، ص: 66). وستتعرض الأسرتان لكثير من الأحداث خلال الرحلة نحو المجهول بحثاً عن ملاذ بعيداً عن منطقة الإشعاع: موت والدة لودميلا ـ موت “تانيا” أختها متأثرة بالإشعاعات النووية ـ التيه في الطريق ـ خضوع “إيجور” للتحقيق القاسي ـ جهلُ “لودميلا” وأبنائها وأختِها بمصير الأب والصهر “إيفان”ـ بحثُها الدائب في المستشفيات عن وزجهاـ مشاهدتها المرضى ضحايا الانفجار النووي ـ تطوعها بالعمل ممرضة في أحد المستشفيات..

بين الواقع والخيال

استطاعت الكاتبة أن تمزج بين الواقع والخيال، فقد رصدتْ أحداثاً واقعيةً سجلها التاريخ عن تلك الكارثة الشهيرة ، مازجة إياها بأحداث تخييلية صاغها خيالها المبدع، خالقة شخصياتٍ مؤثرةً نابضةً بالحياة ( الأم ” سارة ” التي رفضت أن تترك ابنها ” جوزيف ” وترافق ” لودميلا” طلباً للنجاة من خطر الإشعاعات ـ الجارة ” نتاشا ” التي كانت تقوم مقام الأم ” لودميلا ” في رعاية أبنائها لدى غيابها بزيارتها إيَّاهُم وهي محملة بأصناف من الحلويات ـ أم ” لودميلا ” التي ستموت أثناء محنة السفر بحثاً عن مكان آمن).

لقد استقت لينا كيلاني مادتها الروائية من قراءاتها حول حادثة “تشيرنوبي” التي حدثت عام 1986، كما استقتها كذلك من اطلاعها عن كثب، على الآثار السَّلبية الخطيرة التي خلَّفتها وستخلِّفُها على صحة الإنسان ومحيطه حين كانت تتردد مع خالتها على واحد من أهم مراكز العلاج في أوروبا الكائن في باريس. هنالك وقفت الكاتبة على هول تلك المأساة الإنسانية، وعلى مدى الخطر الجسيم الذي يهدد العالم بالدمار والفناء في أية لحظة نتيجة أي خطأ أو إهمال أو تهور في استخدام تلك القوة الفتَّاكة.

شارك هذا الموضوع

عبد الجبار العلمي

شاعر وناقد مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!