القاعدة التي كتبت على ثلوج روسيا ودماء جيوشها (3)

القاعدة التي كتبت على ثلوج روسيا ودماء جيوشها (3)

د. زياد أسعد منصور

من الإمبراطورية إلى الميدان: عندما أصبحت الذاكرة نفسها ساحة حرب

       أخطر ما يمكن أن يفعله المؤرخ بالماضي هو أن يأخذ خريطة الحاضر ويضعها فوق خريطة عمرها ألف عام، ثم يتصرف كأن الناس الذين عاشوا في الماضي كانوا يعرفون الحدود والهويات التي ستظهر بعد قرون. فالأمم الحديثة ليست أوهامًا، لكنها أيضًا ليست كيانات ثابتة خرجت مكتملة من أعماق التاريخ.

وهذا ينطبق بصورة خاصة على الروس والأوكران والبيلاروس. فقد خرجت هوياتهم الحديثة من تراث شرقي سلافي وروسي قديم متداخل، ثم تشكلت عبر قرون من الاختلاف السياسي، والديني، واللغوي، والاجتماعي.

وفي القرن التاسع عشر، مع صعود القومية في أوروبا، أصبح سؤال اللغة والتاريخ والثقافة أكثر ارتباطًا بالسياسة. وما كان يمكن أن يكون في قرن سابق اختلافًا إقليميًا أو لغويًا بدأ يتحول إلى سؤال قومي: هل نحن فرع من شعب أكبر، أم أمة متميزة لها تاريخها وحقها في التعبير السياسي؟

الإمبراطورية: الوحدة لا تعني التطابق

ضمت الإمبراطورية الروسية شعوبًا وأديانًا ولغات كثيرة. عاش فيها الروس والأوكران والبيلاروس والبولنديون وشعوب البلطيق، والقوقاز، وآسيا الوسطى، وغيرهم. وكانت الدولة تحاول بدرجات متفاوتة بناء مؤسسات مركزية وربط أطرافها بالإدارة والجيش والاقتصاد الإمبراطوري.

لكن العيش داخل دولة واحدة لا يعني أن الفروق اختفت. فقد وجدت سياسات للدمج والروسنة، كما استمرت اللغات والتقاليد المحلية، وظهرت حركات ثقافية وقومية تطالب بمساحة أوسع للتعبير عن خصوصيتها.

وفي الأراضي الأوكرانية أخذ الأدب واللغة والتاريخ يصبحون أدوات في بناء وعي قومي حديث. وهنا لم يعد الخلاف على تفسير كييف وبيرياسلاف ومازيبا شأنًا للمؤرخين وحدهم؛ أصبح جزءًا من بناء تصور جديد للماضي.

الحرب العالمية الأولى: أبناء الأرض الواحدة في جيشين

عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى ظهرت إحدى نتائج القرون السابقة بأوضح صورها. فقد عاش سكان الأراضي الأوكرانية تحت إمبراطوريات مختلفة، ولذلك وجد بعضهم أنفسهم في الجيش الروسي، بينما قاتل آخرون في جيش الإمبراطورية النمساوية–المجرية.

وهكذا استطاعت الحرب الحديثة أن تضع أبناء جماعات متقاربة لغويًا وثقافيًا على جانبي جبهة واحدة، لا لأنهم قرروا جميعًا أنهم أعداء قوميون، بل لأنهم كانوا مواطنين أو رعايا لدول متحاربة.

وهذه نقطة مهمة لفهم المنطقة. فالدولة التي يعيش داخلها الإنسان كانت، في مراحل كثيرة، تحدد الجيش الذي يخدم فيه قبل أن تصبح القومية الحديثة المحدد الوحيد للولاء.

1917: عندما انهارت الإمبراطورية وانفتحت الاحتمالات

جاءت سنة 1917 فانهارت الإمبراطورية الروسية، ومع انهيار المركز انفجرت مشروعات سياسية متعددة في أنحاء الإمبراطورية السابقة. وفي أوكرانيا ظهرت قوى ومؤسسات ومشروعات مختلفة سعت إلى درجات متفاوتة من الحكم الذاتي والاستقلال، مدعومة من جهات خارجية شجعت على ذلك، ووجدت في بعض الأوكران مناخا خصبا لذلك.

ولم تكن تلك المرحلة قصة بسيطة عن دولة قومية جاهزة خرجت من تحت الاحتلال، بل حربًا أهلية وإقليمية معقدة تحركت فيها قوى قومية وبلشفية وبيضاء وبولندية ومحلية وأجنبية، وتغيرت السيطرة على المدن والأقاليم أكثر من مرة. وفي النهاية تشكلت جمهورية أوكرانيا السوفيتية وأصبحت واحدة من الجمهوريات المؤسسة للاتحاد السوفيتي.

وهنا دخل الروس والأوكران والبيلاروس مرة أخرى في إطار دولة سياسية واحدة، لكن هذه المرة تحت مشروع أيديولوجي مختلف جذريًا عن الإمبراطورية القيصرية.

الاتحاد السوفيتي: دولة واحدة وهويات متعددة

لم يكن الاتحاد السوفيتي «روسيا القيصرية باسم جديد»، مثلما لم يكن اتحادًا خاليًا من الدور الروسي المركزي. كان دولة اتحادية أيديولوجية معقدة ضمت جمهوريات قومية ومؤسسات مركزية وحزبًا واحدًا وجيشًا واقتصادًا شديد الترابط.

وبالنسبة إلى أوكرانيا كان العصر السوفيتي مليئًا بالتناقضات: تحديث وتصنيع وتعليم وتحضر من جهة، لكن بدأت جهات قومية متشددة تبتدع مشهديات عما يسمى القمع السياسي والكوارث البشرية والصراعات على الثقافة واللغة والذاكرة من جهة أخرى.

وهذا هو السبب الذي يجعل الحقبة السوفيتية حتى اليوم قابلة لقراءات متناقضة. فما يراه شخص عصرًا لبناء دولة عظمى وانتصار على النازية، قد يراه آخر عصرًا من القمع وفقدان السيادة، على أن الأخير قرر طوعا الالتحاق بالنازية التي دنست أرض الأجداد. والتاريخ الحقيقي يحتوي عناصر من التجربتين ولا يختزل بسهولة في ذاكرة واحدة.

الحرب العالمية الثانية: الذاكرة التي ستصبح لاحقًا موضع نزاع

عندما غزت ألمانيا النازية الاتحاد السوفيتي سنة 1941 أصبحت أراضي أوكرانيا إحدى أهم ساحات الحرب وأكثرها دمارًا. وخدم ملايين الأوكرانيين في الجيش الأحمر، إلى جانب الروس والبيلاروس وغيرهم من شعوب الاتحاد السوفيتي.

ولهذا فإن انتصار 1945 لا يمكن تاريخيًا اعتباره إنجازًا قوميًّا روسيًّا حصريًا؛ فقد كان انتصار دولة متعددة القوميات، دفعت شعوبها أثمانًا هائلة.

وفي الوقت نفسه كانت الساحة الأوكرانية أكثر تعقيدًا. فقد وجدت حركات قومية أوكرانية، وانقسمت منظمة القوميين الأوكرانيين، ودخلت بعض التيارات والأفراد في تعاون وثيق مع ألمانيا في مراحل وسياقات مختلفة، ثم دخلت قوى قومية في صراعات مع الألمان، والسوفييت، والبولنديين، وغيرهم.

 لقد كانت الساحة الأوكرانية خلال الحرب العالمية الثانية شديدة التعقيد، إذ لم يكن الأوكرانيون كتلة سياسية أو عسكرية واحدة، بل توزعت مواقفهم بين الخدمة في الجيش الأحمر، والمقاومة، والحركات القومية، والتعاون بدرجات متفاوتة مع الاحتلال الألماني. وكان أبرز الفاعلين القوميين منظمة القوميين الأوكرانيين (OUN) التي انقسمت سنة 1940 إلى جناح ستيبان بانديرا (OUN-B) وجناح أندريه ميلنيك (OUN-M). وقد راهن الجناحان، بدرجات وأساليب مختلفة، على الحرب الألمانية–السوفيتية لتحقيق الاستقلال الأوكراني، ودخل قوميون أوكرانيون في تعاون مبكر مع أجهزة ألمانية؛ فظهرت «كتيبتا ناخْتيغال (Nachtigall) ورولانت (Roland)» المرتبطتان بالاستخبارات العسكرية الألمانية ، وكان رومان شوخيفيتش من أبرز الضباط الأوكرانيين المرتبطين بناختيغال. كما خدم أوكرانيون في تشكيلات الشرطة المساعدة الواقعة تحت السلطة الألمانية، وقد استُخدم بعضها في حراسة الغيتوهات، وملاحقة المقاومين، وتجميع  المواطنين السوفييت وترحيلهم، وفي بعض المواقع في عمليات القتل المرتبطة بالهولوكوست ومعسكرات التعذيب. وفي سنة 1943 أُنشئت فرقة «فرقة فافِن إس إس «غاليتسيِن» (Waffen-SS Galizien)»، وتُعرف عربيًا أيضًا باسم «فرقة غاليسيا» الرابعة عشرة من متطوعين غاليسيين أوكرانيين تحت قيادة ألمانية، وقاتلت الجيش الأحمر، ولا سيما في معركة برودي سنة 1944. ومع ذلك، لم يكن التعاون القومي الأوكراني مع الرايخ تحالفًا ثابتًا أو متطابق الأهداف؛ فعندما أعلن جناح بانديرا قيام دولة أوكرانية في لفوف في 30 حزيران 1941 رفض الألمان ذلك واعتقلوا بانديرا وياروسلاف ستيتسكو وقمعوا قطاعات من منظمة القوميين الأوكرانيين-بانديرا ، كما تعرض جناح ميلنيك لاحقًا للاعتقالات والقمع.

ومنذ 1943 ازداد المشهد تعقيدًا مع صعود الجيش الأوكراني المتمرد (UPA)، المرتبط أساسًا بجناح القوميين التابعين لبانديرا وتحت قيادة شخصيات كان أبرزها رومان شوخيفيتش؛ فقد قاتل هذا التنظيم القوات الألمانية في بعض المناطق والمراحل، وفي الوقت نفسه حارب الأنصار السوفييت ثم الجيش الأحمر وأجهزة الأمن السوفيتية، ودخل في صراع دموي مع البولنديين ومع جماعات أوكرانية منافسة. وانتقل بعض الأفراد الذين سبق لهم الخدمة في أجهزة الشرطة الواقعة تحت الاحتلال الألماني والتحقوا بصفوف الجيش الأوكراني المتمرّد، وهو ما يوضح مدى تغير المواقع والولاءات خلال الحرب. كما نشط تشكيل بوليسكا سيتش بقيادة تاراس بلبا-بوروفيتس، الذي تعاون مع الألمان في مرحلة مبكرة قبل أن يدخل في صراعات لاحقة على امتلاك القرار. وفي المقابل ارتبطت قوات البوليسكا، ولا سيما في فولينيا وشرق غاليسيا خلال 1943–1944، بحملة واسعة من العنف والتطهير العرقي ضد السكان البولنديين، فضلًا عن وجود أدلة بحثية على قتل يهود نجوا من موجات الإبادة النازية على أيدي عناصر قومية في بعض المناطق، كما استمرت قوى قومية بعد عودة السلطة السوفيتية في حرب مسلحة ضد الجيش الأحمر ومفوضية الشعب لشؤون الأمن أن كي في دي .

في كل حال كانت الذاكرة السوفيتية بعد الحرب هي ذاكرة التضحيات في «الحرب الوطنية العظمى»، والانتصار المشترك، وأصبحت هذه الذاكرة جزءًا عميقًا من الهوية السوفيتية، ثم الروسية بعد 1991.

1991: عندما تحولت الحدود الداخلية إلى حدود دولية

في هذه اللحظة التاريخية، انهار الاتحاد السوفيتي، وهذه اللحظة لا يمكن المبالغة في أهميتها. فالحدود بين روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا لم تُرسم من الصفر سنة 1991، بل كانت في معظمها حدودًا بين جمهوريات داخل الاتحاد السوفيتي. لكن ما تغير جذريًا هو معنى الحدود.

فالخط الذي كان يفصل جمهوريتين داخل دولة واحدة أصبح حدًا دوليًا بين دولتين مستقلتين ذات سيادة.

وفجأة أصبحت المؤسسات التي كانت أجزاء من منظومة واحدة مؤسسات لدول مختلفة، والجيوش أصبحت وطنية، والسياسة الخارجية أصبحت مستقلة، وبدأت كل دولة في بناء سرديتها عن نفسها. لكن التاريخ لم ينقسم بالسرعة نفسها.

بقيت العائلات مختلطة، وبقي الروس في أوكرانيا والأوكرانيون في روسيا، وبقيت اللغة الروسية واسعة الاستخدام في مناطق أوكرانية، وبقي الاقتصاد والطاقة والصناعة مترابطين بدرجات كبيرة، وبقيت الذاكرة السوفيتية والحرب العالمية الثانية جزءًا من حياة ملايين الأسر. وهكذا أصبح هناك تناقض بين وضوح الحدود القانونية الجديدة وتعقيد التاريخ الاجتماعي القديم.

من الاستقلال إلى سؤال توجه الدولة

منذ استقلال أوكرانيا أصبح السؤال عن توجه لدولة الخارجي جزءًا متكررًا من السياسة. ما هو مقدار الاندماج مع أوروبا؟ وما شكل العلاقة مع روسيا؟ وهل يمكن المحافظة على علاقات وثيقة مع الطرفين، أم أن التنافس الجيوسياسي سيدفع البلاد إلى الاختيار؟

ولم يكن المجتمع الأوكراني موحدًا تمامًا حول هذه الأسئلة. فقد وجدت اختلافات سياسية وإقليمية ولغوية وتاريخية حقيقية، وتغيرت التحالفات الانتخابية والحكومات.

وفي انتخابات الرئاسة سنة 2010 فاز فيكتور يانوكوفيتش. وخلصت بعثة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا إلى أن الانتخابات استوفت معظم الالتزامات والمعايير الدولية وقدمت للناخبين خيارًا حقيقيًا بين مرشحين ذوي توجهات سياسية متنوعة. ولذلك فإن حقيقة وصول يانوكوفيتش إلى الرئاسة عبر انتخابات تنافسية معترف بها دوليًا مهمة لفهم ما حدث بعد أربع سنوات.

الميدان 2014: اللحظة التي انقسمت حولها الروايات

بدأت احتجاجات واسعة في أواخر 2013 بعد قرار حكومة يانوكوفيتش تعليق الاستعداد لتوقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. واتسعت الاحتجاجات، وتزايد العنف والاستقطاب، وتحولت الأزمة من خلاف حول اتجاه السياسة الخارجية إلى أزمة حول السلطة نفسها.

وفي شباط 2014 انهارت التسوية السياسية سريعًا وغادر يانوكوفيتش كييف. وفي 22 شباط  أصدر البرلمان الأوكراني القرار رقم 757-VII، وقال فيه إن الرئيس «تنحى ذاتيًا» عن ممارسة صلاحياته الدستورية، وحدد انتخابات رئاسية مبكرة في 25 أيار. وهنا بدأت واحدة من أكثر القضايا إثارة للخلاف في التاريخ الأوكراني المعاصر.

فأنصار الميدان يقدمون الأحداث باعتبارها ثورة الكرامة التي أطاحت رئيسًا فقد شرعيته السياسية بعد القمع والعنف وانهيار السلطة. أما موسكو وخصوم الميدان فيقدمون ما حدث بوصفه انقلابًا أو انتقالًا غير دستوري أطاح رئيسًا منتخبًا وغير اتجاه الدولة السياسي في ظل ضغط الشارع ودعم غربي للمعارضة.

والوقائع القانونية والسياسية يجب فصلها عن التوصيف، فيانوكوفيتش كان رئيسًا منتخبًا؛ غادر العاصمة وسط انهيار سياسي وأمني؛ والبرلمان لم يستخدم في قراره صيغة اكتمال إجراءات العزل التقليدية، بل أعلن ما سماه «تنحيه الذاتي» عن ممارسة صلاحياته وحدد انتخابات مبكرة. ومن هذه الوقائع خرجت قراءتان سياسيتان متعارضتان لا تزالان جزءًا من الصراع حتى اليوم.

ما بعد 2014: لم تتغير الحكومة وحدها

الأثر الأعمق لأحداث 2014 لم يكن استبدال رئيس بآخر. فقد أصبحت هوية الدولة واتجاهها السياسي وعلاقتها بالماضي أكثر حضورًا في المجال العام. تسارعت سياسات إزالة الرموز السوفيتية، وتغيرت أسماء مدن وشوارع، وأعيد تقييم شخصيات تاريخية، وأصبحت الحركات التي قاتلت من أجل استقلال أوكرانيا أكثر حضورًا في الذاكرة الرسمية.

ومن منظور مؤيدي هذه السياسات، كان ذلك جزءًا من بناء دولة وطنية مستقلة وتحرير المجال العام من رموز نظام شمولي وإرث إمبراطوري. ومن منظور منتقديها، ولا سيما في روسيا وداخل قطاعات أوكرانية، كانت العملية تعيد صياغة تاريخ مشترك وتدفع أوكرانيا بعيدًا عن المجال الثقافي والتاريخي الذي جمعها بروسيا. وهنا أصبح الخلاف على التمثال واسم الشارع والكتاب المدرسي خلافًا على معنى الدولة نفسها.

من التاريخ المشترك إلى التاريخ المتنازع عليه

في السردية التاريخية الروسية، لا تبدو العلاقة مع أوكرانيا علاقةً عادية بين دولتين متجاورتين تشكلت لكل منهما ذاكرة منفصلة، بل علاقةً داخل فضاء تاريخي وحضاري واحد تعود جذوره، وفق هذا التصور، إلى روس الكييفية واعتناق المسيحية في عهد فلاديمير الكبير سنة 988. ومن هنا يُقرأ فلاديمير وياروسلاف الحكيم بوصفهما جزءًا من أصل تاريخي مشترك للروس والأوكرانيين والبيلاروس، لا شخصيتين يمكن حصرهما بأثر رجعي داخل حدود الدول القومية المعاصرة. ويُنظر في هذا الإطار إلى اتفاق بيرياسلاف سنة 1654، الذي وضع القوزاق بقيادة بوهدان خميلنيتسكي في علاقة سياسية مع القيصر الروسي، باعتباره محطة في استعادة الصلة بين أراضٍ وشعوب ذات جذور روسية-أرثوذكسية مشتركة؛ ولذلك رسخت الذاكرة الإمبراطورية ثم السوفيتية وصفه باعتباره «إعادة توحيد»، في حين أصبح هذا التوصيف نفسه موضع رفض واسع في التأريخ الوطني الأوكراني. وبالمنطق ذاته ظهر إيفان مازيبا في الذاكرة الروسية التقليدية باعتباره رجلًا نقض ولاءه لبطرس الأكبر وانضم إلى شارل الثاني عشر السويدي أثناء الحرب الشمالية الكبرى، ومن ثم ترسخت صورته بوصفه «خائنًا»، بينما أعادت الذاكرة القومية الأوكرانية الحديثة قراءته رمزًا لمحاولة التحرر من الهيمنة الروسية.

وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في ذاكرة الحرب الوطنية العظمى (1941–1945). ففي التصور الروسي الرسمي، لا يُفهم انتصار 1945 باعتباره إنجازًا روسيًا قوميًّا محضًا، بل انتصارًا سوفيتيًا تحقق بتضحيات شعوب الاتحاد السوفيتي، وكان الأوكرانيون من أكبر المشاركين فيه ومن أكثر الشعوب تعرضًا لخسائر الحرب والاحتلال النازي. ومن هذا المنظور، تبدو محاولات فصل الذاكرة الأوكرانية للحرب عن الإطار السوفيتي، أو إعادة تقييم شخصيات وتنظيمات قومية قاتلت السلطة السوفيتية مثل OUN وUPA، وكأنها إعادة كتابة لذاكرة كانت، في الرؤية الروسية، مشتركة. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991 أخذ هذا الماضي المشترك يتوزع بين دول قومية مستقلة، لكل منها مؤسساتها ومناهجها التعليمية وسياساتها للذاكرة؛ إلا أن الخطاب الروسي استمر في النظر إلى روسيا وأوكرانيا بوصفهما شعبين شديدي القرب تاريخيًا وثقافيًا ودينيًا، وهي الفكرة التي جعلها فلاديمير بوتين محور مقالته «حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين» المنشورة في 12 تموز 2021. وفي هذا الخطاب ترتبط أزمة ما بعد 2014 بتوسع المؤسسات الغربية وحلف الناتو شرقًا، والتحول السياسي في كييف، ووضع اللغة الروسية والناطقين بها، والصراع في دونباس، وتُقدَّم الحرب اللاحقة باعتبارها نتيجة مسار تاريخي وأمني طويل لا حدثًا بدأ في فراغ. وهذه، بطبيعة الحال، هي بنية الحجة الروسية الرسمية وتفسيرها للصراع، وليست توصيفًا محايدًا للأسباب القانونية والسياسية للحرب.

وتساعد كلمة Родина (رودينا) على فهم البعد الوجداني لهذه السردية؛ فهي تعني «الوطن»، لكنها تستدعي أيضًا الأصل والأرض والانتماء والذاكرة التي يشعر الإنسان بأنه خرج منها. ومن داخل المخيال الروسي تصبح أوكرانيا، وخصوصًا كييف، مكانًا يصعب التعامل معه بوصفه «خارجًا» تاريخيًا كاملًا، لأن جزءًا من الرواية الروسية عن نشأة الدولة والمسيحية والثقافة يبدأ هناك. ولهذا يبدو النزاع على فلاديمير الكبير، وياروسلاف الحكيم، وبيرياسلاف، ومازيبا، والحرب الوطنية العظمى، في هذه الرؤية، أكبر من خلاف على أسماء وتماثيل وكتب مدرسية؛ إنه نزاع على رودينا تاريخية متخيلة بوصفها فضاءً مشتركًا: من يملك حق رواية الماضي، ومن يرث رموزه، وأين تنتهي الذاكرة المشتركة وتبدأ ذاكرة الدولة المستقلة. وهنا تكمن إحدى مفارقات الموقف الروسي المعاصر: فالإصرار على عمق القرابة التاريخية بين الروس والأوكرانيين لا يحسم مسألة السيادة الحديثة، لأن الاشتراك في تاريخ سابق لا ينشئ، في القانون الدولي المعاصر، حقًا لدولة في إخضاع دولة أخرى. ولذلك ينبغي قراءة مفهوم «الوطن التاريخي المشترك» بوصفه مفتاحًا لفهم الخطاب الروسي وذاكرته، لا بوصفه سندًا قانونيًا لتغيير الحدود بالقوة.

وعندما ننظر إلى الصراع الروسي–الأوكراني من هذه الزاوية نفهم لماذا يصبح أكثر من نزاع حدودي في وعي كثيرين. فهناك عائلات ممتدة على جانبي الحدود، ومدن انتقل الناس بينها لعقود عندما كانت الحدود داخل دولة واحدة، وأجداد قاتلوا في الجيش نفسه، وشخصيات تاريخية يضعها الطرفان داخل روايتهما.

لكن هذا لا يعني أن الطرفين يملكان اليوم الوطن نفسه. فالأوكراني الذي يعتبر أوكرانيا وطنه المستقل يمتلك تصورًا قوميًّا وسياسيًّا قائمًا، والروسي الذي يرى في التاريخ المشترك جزءًا من رودينا التاريخية يمتلك ذاكرة مختلفة. المأساة تبدأ عندما يصبح الماضي المشترك سببًا للصراع بدل أن يكون جسرًا للتعايش.

عندما تتحول الذاكرة إلى قوة مادية

بدأت هذه الحلقة بسؤال الهوية وانتهت بالحرب. وهذا ليس مصادفة؛ لأن الدول لا تخوض الحروب بالدبابات وحدها. تحتاج إلى سردية تشرح لشعوبها لماذا تتحمل الثمن، ومن هو العدو، وما الذي تدافع عنه.

وهنا نصل إلى روسيا من زاوية جديدة. لقد تحدثنا عن ألف عام تقريبًا من التاريخ، لكن بقي السؤال الذي يطرحه الاستراتيجي لا المؤرخ وحده: كيف تتحول الجغرافيا والموارد والصناعة والذاكرة إلى قدرة فعلية على خوض حرب طويلة؟ لماذا استطاعت روسيا أن تنهزم في حروب ثم تعود قوة كبرى؟ ولماذا انهارت في 1917 و1991 رغم مساحتها ومواردها؟

وهل العقوبات والخسائر العسكرية تكفي وحدها لإسقاط دولة بهذا الحجم؟

هذه هي أسئلة الحلقة الرابعة.

شارك هذا الموضوع

د. زياد منصور

باحث في القضايا الروسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!