القصر الكبير تحت الحصار المائي.. أكبر عملية إجلاء في تاريخ الشمال
خاص- السؤال الآن:
منذ أواخر شهر يناير المنصرم ومع إشراقة مطلع فبراير 2026 دخلت مدينة القصر الكبير، جوهرة حوض اللوكوس في شمال المغرب، في صراع مرير مع قوى الطبيعة. تعيش المدينة اليوم وضعاً استثنائيًا لم تشهده منذ عقود، إثر موجة فيضانات عارمة وُصفت بالظاهرة غير المسبوقة، حيث تحولت الشوارع والأحياء إلى مجارٍ مائية هادرة، مما وضع المنطقة تحت استنفار أمني ولوجستي هو الأكبر من نوعه في الذاكرة المعاصرة للمغرب.
حتى تاريخ اليوم الجمعة 6 فبراير، سجلت السلطات المغربية أرقاماً تعكس حجم الكارثة، إذ تم تنفيذ عمليات إجلاء واسعة طالت ما يقرب من نصف سكان المدينة. وتشير المعطيات إلى تأمين خروج أكثر من 50 ألف نسمة من أصل 110 آلاف داخل المدار الحضري، بينما ذهبت تقارير استراتيجية أبعد من ذلك، مؤكدة أن عدد الأشخاص الذين جرى نقلهم وتأمينهم في أقاليم الشمال: العرائش، القنيطرة، سيدي قاسم وسيدي سليمان، قد تجاوز حاجز 108 آلاف شخص.
هذا النزوح الاضطراري حوّل القصر الكبير إلى ما يشبه مدينة أشباح، حيث اتخذت السلطات تدابير وقائية صارمة شملت إغلاق المداخل الرئيسية، وقطع إمدادات التيار الكهربائي، والماء، والإنترنت، لتفادي وقوع حوادث ناتجة عن تسربات المياه للشبكات التحتية.
يرجع السبب الرئيسي لهذا الفيضان الكاسح إلى الوضعية الاستثنائية لسد وادي المخازن، سادس أكبر السدود المغربية. فقد سجل السد نسبة ملء تاريخية تجاوزت 146% من سعته الإجمالية. وأمام خطر الفيض العشوائي، اضطرت المصالح التقنية لوزارة التجهيز والماء إلى إجراء عمليات تفريغ محكومة للمياه، مما أدى إلى ارتفاع منسوب نهر اللوكوس بشكل حاد، متجاوزاً ضفافه ليغمر الأحياء المنخفضة بالكامل.
خسائر الموسم الفلاحي الفيضانات كارثة إنسانية فحسب، بل وجهت ضربة موجعة لحوض اللوكوس الاستراتيجي، المعروف بكونه “سلة الغذاء” الرئيسية للمغرب. وتتمثل الأضرار الفلاحية في ثلاثة محاور:
– تلف المحاصيل الاستراتيجية: غرق مساحات شاسعة من مزارع الشمندر السكري والأرز، مما ينذر بعجز في الإمدادات المحلية.
– تدمير البنية التحتية: تحطم قنوات الري والبيوت المغطاة الخاصة بالفواكه الحمراء، التوت والفراولة، المعدة للتصدير، مما يهدد موارد العملة الصعبة.
– بالنسبة للثروة الماشية، سجلت المنطقة حالات نفوق واسعة في صفوف الأبقار والأغنام، مما قد يؤثر على أسعار اللحوم والحليب مستقبلاً.
في مواجهة هذا الطوفان تحركت الدولة المغربية بكل ثقلها، حيث تم نشر وحدات متخصصة من القوات المسلحة الملكية، مدعومة بفرق الوقاية المدنية، الدرك الملكي، والقوات المساعدة. تعمل هذه الوحدات على مدار الساعة لتأمين الإنقاذ باستخدام المروحيات والقوارب المطاطية. وبالتوازي، جرى تجهيز مخيمات إيواء مؤقتة مزودة بكافة الاحتياجات الطبية والغذائية لاحتواء العائلات المنكوبة.
بينما تشهد المدينة حالياً أمطاراً خفيفة مع حرارة تبلغ 13°C، إلا أن الترقب سيد الموقف. تشير خرائط الطقس إلى احتمال استمرار التساقطات المطرية اليوم وغداً السبت، مما يثير مخاوف لجان اليقظة من تجدد الضغط على المجاري المائية. وتظل حالة “الاستقرار الحذر” هي السائدة، مع رسائل طمأنة رسمية تؤكد أن وضعية السدود تحت السيطرة والمراقبة المشددة.
