الكوميسير عرشان: إصرار على محو الذاكرة وتحدي ضحايا الانتهاكات

الكوميسير عرشان: إصرار على محو الذاكرة وتحدي ضحايا الانتهاكات

عبد الرحيم التوراني

         عقب ظهوره المثير للجدل رفقة نجله ووريثه السياسي خلال المشاورات الحكومية مع الأحزاب الممثلة في البرلمان (فاتح أكتوبر 2026)، وهو الظهور الذي فجّر موجة استنكار واستياء واسعين في أوساط الرأي العام، ولا سيما لدى ضحايا سنوات الرصاص وعائلاتهم ورفاقهم، عاد محمود عرشان مجددا ليعبر بصلافة عن تحديه للمستنكرين والمحتجين، ممتطيا هذه المرة منصة مجلس المستشارين إبان مناقشة التصريح الحكومي.

لم يتجه عرشان في كلمته إلى مناقشة أي من مضامين البرنامج الحكومي، بل اغتنمها فرصة للتنصل من ماضيه والتغطية على سجله، مستميتا في الدفاع عن أدواره الدبلوماسية المزعومة، ومشيدا بما اعتبره أفضال والده على الأمة في مرحلة الحماية الاستعمارية…

وفي غمرة استعماله المتكرر والمفرط لضمير الأنا، لم يفته أن يسبغ على نفسه وعلى التشكيل الحزبي الذي غرست نبتته في دهاليز وزارة الداخلية إبان عهد إدريس البصري، صفات “الأنقى” والأطهر.

لعل الأشد إثارة واستفزازا هو احتجاجه العلني على قناة التلفزيون الرسمي، إذ اتهمها بإهمال بث اللقطات التي ظهر فيها وهو يجالس رئيسة الحكومة المعينة ومستشاريها الثلاثة مسميا إياهم بالاسم (لقجع واخشيشن مع وهبي) في معرض إقحامهم ضمن ما اعتبره مؤامرة حبكت ضده، ليوجه تساؤلا استنكاريا لرئيسة الحكومة:  “هل سنبدأ التضليل منذ الآن؟”… وتناسى عرشان أو حاول فرض حالة من النسيان الجماعي.. أنه هو التضليل بشحمه ولحمه وشيبه وحركته الحزبية، يتركل ويركل المشهد السياسي.

إن كان ثمة تضليل يذكر فهو التضليل شخصيا الممارس بعينه، إذ استهلك عرشان صناعة الزيف وأفرط في ممارسته حتى خُيل إليه أن الباطل هو الحق الذي لا يأتيه الشك. وتتجلى ذروة الانفصال عن الواقع في تحديه لضحاياه، ومطالبته بمناظرتهم ومواجهتهم على شاشة التلفزة الوطنية لإطلاع الرأي العام حسب زعمه، على من يكون الجلاد ومن الضحية…

يصح القول إن عرشان هنا صار الضحية، ولكن ضحية ماضيه الذي يلاحقه كالثقل الكابوسي ولا يستطيع الفكاك منه، وضحية التنمر والتحرش والتحقير المجتمعي الذي يلقاه، إذ لم تفلح ميدالية فرنسا التي يفتخر بها في غسل الدماء الملتصقة بوجهه ويديه وفي عنقه، كما لم تنفعه رئاسته لجمعية “الشرفاء الأدارسة” التي ربما تضم أشخاصا فوق العادة، في منحه طوق نجاة أخلاقي.

ولأنه يدعي السير في ركاب جيش التحرير وحركة المقاومة، لا يزال حاضرا في الذاكرة الحية للمغاربة ذلك المشهد الفاضح الذي أطل فيه الكوميسير عبر شاشة التلفزيون الرسمي بدار البريهي خلال ثمانينيات القرن الماضي، في محاولة لتلميع صورته كفاعل سياسي. يومها رفع الجلاد أمام الكاميرا بطاقة انتمائه لأسرة المقاومة، فبدت البطاقة تحت أضواء التصوير تشع بريقا ووميضا، كأنها سحبت طازجة قبل ساعة واحدة من دخوله الاستوديو، وهو الاحتمال الأرجح، لتقدَّم كوثيقة إثبات لمن يساوره الشك في تاريخ “المجاهد الكبير” الجلاد عرشان!

لقد كان الرجل جلادا بامتياز في خدمة أجهزة الأمن، يؤدي الدور الموكل إليه بإخلاص تام ضد من اعتبرهم النظام أعداء له.. ولم تكن المعتقلات السرية الرهيبة، من قبيل “درب مولاي الشريف” أو “دار المقري”، في منظوره سوى مقرات عمل ومكاتب مهنة “شريفة” يؤديها بأناقة وإتقان “الشريف الوطني مولاي عرشان “.

لم يقف الكوميسير عرشان عند هذا الحد، بل واصل هجومه الضاري ضد الضحايا الذين سامهم سوء العذاب وأشرف بنفسه على تنكيلهم وجلدهم داخل السجون والكوميساريات والمعتقلات السرية، واصفا إياهم بـ “الطابور الخامس”، ومحذرا في توصية ملغومة من أن “الذاكرة الوطنية يجب ألا تتلوث“، علما أن هذه الذاكرة لم تتلوث بشيء قدر تلوثها بوجود أمثاله واقتحامهم المشهد السياسي وولوجه المؤسسة التشريعية.

إن النسيان مرض قد يصيب الإنسان فيتلف ذاكرته وصولا إلى الخرف والزهايمر، لكنه يغدو آفة متعمدة حين يتخذ شكل فيروس يسعى آخرون لحقنه في أوردة المجتمع للقضاء على ذاكرته الجمعية المشتركة..

لقد بدا عرشان مصابا بهذا النسيان الذاتي الممنهج، إذ خُيّل إليه وهو يتحدث تحت قبة البرلمان أنه ما يزال يمسك بزمام الأمور داخل قبو من أقبية التعذيب في سنوات الرصاص… ولا بأس في ذلك، فلعل الجناس اللفظي يتكفل بتفسير هذا الذهول، بين “القبة” و”القبو” هو ما أغواه بهذا الالتباس..

إن المجتمع المغربي بأسره يعيش على وقع تحد جارف وعارم لإرادته الحرة وطموحاته وتطلعاته المشروعة، إذ تؤكد كافة الأحداث والتطورات المتلاحقة أن ما يجري ويدور يستند إلى منطق التمرد على نبض الشارع ومخالفة رغبات أوسع الفئات والمواطنين. ولقد سمعنا هذا التحدي صراحة ودون مواربة خلال الحملة الانتخابية من وزير العدل عبد اللطيف وهبي، حين ألقاها بالفم المليان متوعدا: “أتحداكم“… ولمسناها بوضوح فاضح عند موعد المحطة الانتخابية وصناديقها المثقلة بكرات من الحديد التي تشد الغرقى بلا مبالاة إلى أعماق القاع السحيق. وتجدد هذا الاستعلاء في طبخة تشكيل الحكومة والتصريح الحكومي، ولا يزال الحبل على الجرار.

إن هجوم الجلاد وعربدته الكلامية والسياسية ليس سوى تفصيل عابر في مشهد عام أرحب وأكثر قتامة، مشهد يعكس هوة ساحقة بين السلطة ونبض الأمة الحي، حين يصبح الاستعلاء الرسمي هو العنوان السائد والمتحكم في المشهد السياسي.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!