المقعد الأخير: وجع الفقد وبصمات الوفاء

المقعد الأخير: وجع الفقد وبصمات الوفاء

المختار عنقا الادريسي

           إليها.. رفيقة البدايات.. صديقة الذاكرة.. الإنسانة التي أعادها الزمن بعد غياب قهري طويل، ثم اختطفها – في غفلة منا جميعا – وحتى قبل أن نتمكن من توديعها، كما يليق بمكانتها عندي.

هي صفحات ليست رثاءً بقدر ما هي وفاء، وليست استعادة للماضي بقدر ما هي بوح واعتراف بأن بعض الأشخاص يتركون في حياتنا مقاعد لا يشغلها أحد بعدهم. فثمة أمكنة لا نعود إليها، لكنها تظل تسكننا. وثمة مقاعد نجلس إليها مرة، دون أن يخطر ببالنا أنها ستصبح، بعد سنوات طويلة، جزءًا من حكاية لا نملك نهايتها.

ولعل أغرب ما في الذاكرة أنها لا تحتفظ بالأشياء وفق ترتيب وقوعها، وإنما وفق ما تتركه فينا من أثر. فقد تغيب بعض الوجوه سنوات طويلة، وتختفي تفاصيل كثيرة، ثم يكفي موقف عابر أو مكان مألوف أو أغنية قديمة كي تعيد إلينا الحياة دفعة واحدة، وكأن الزمن لم يمضِ. لم أكن أعرف أن للمقعد في حياتي معها أكثر من حكاية، ولا أن المقاعد التي جمعتنا ستتحول إلى محطات ثلاث في علاقة إنسانية امتدت من بدايات الشباب إلى سنوات العمر المتقدمة، قبل أن يترك لنا القدر مقعدًا رابعًا ظل فارغًا إلى الأبد.

المقعد الأول: بدايات في حافلة الخط رقم 4 بعين الشق

في بداية سبعينيات القرن الماضي، كنا نحن أبناء وبنات حيِّنا بعين الشق، نتابع دراستنا بأقسام الباكالوريا، كلٌّ حسب الثانوية التي ينتمي إليها، ونمتطي يوميًا الحافلات المخصصة للنقل المدرسي العمومي، المعتمد آنذاك. كنا عددًا من الأصدقاء والصديقات، أبناء الحي الواحد، وكانت “لطيفة” من أقربهم إليّ. كانت شابة جميلة في مقتبل العمر، هادئة الطبع، حتى إن أبناء الحي أطلقوا عليها لقب “الزيزونة”، ويقصدون به البكماء، لأنها لم تتحدث إلى الآخرين أثناء رحلات النقل المدرسي. غير أنها كانت تستثنيني من ذاك الصمت، إذ كنا الأقرب إلى بعضنا، واعتدنا تبادل الحديث في تلك الرحلات التي كانت تختصر المسافة بين الحي والثانوية، وتفسح المجال لعلاقات بريئة لم تكن تعرف من تعقيدات الحياة إلا القليل.

وأتذكر على وجه الخصوص واقعة امتحان الباكالوريا موسم 1969/1970، فقد تسرب إلينا أن درس (الشخصية) المقرر في مادة الفلسفة سيكون ضمن أسئلة الامتحان. وكانت المشكلة أننا تلاميذ ثانوية عبد الكريم لحلو لم نصل إلى ذلك الدرس، أو ربما كنت غائبًا حين تمت دراسته، فوجدت نفسي في حاجة إلى مساعدة “لطيفة”، فطلبت منها أن تزودني بالدرس، فلم تتردد. وفي ليلة الامتحان نفسها، نسخته بخط يدها وبقلم أحمر، وأرسلته إليّ مع أحد إخوتها. وقد أرفقت تلك المبادرة بتعليق لم أكن أتوقعه، جاء فيه بأنها لا تكترث كثيرًا بأمر النجاح، لأنها ملزمة بالزواج من ابن خالتها الذي كان موظفًا آنذاك بمدينة سطات.

كان ذلك موقفًا عابرًا في نظرنا، لكنه بقي في ذاكرتي، خصوصًا أن المفارقة شاءت أن تنجح “لطيفة” في الدورة الأولى، بينما لم أوفق أنا في الامتحان. وهكذا، قبل أن أتعلم الدروس من الحياة، كانت “لطيفة” قد منحتني درسًا في الصداقة، من خلال درس في الفلسفة. ثم حل الصيف، وخلاله تزوجت وانقطعت أخبارها عني. ومضت الأيام، ثم توالت السنوات، وتوزعت بنا مسالك الحياة، ولم أكن أعلم أنها التحقت، خلال تلك الفترة، بمركز تكوين الأساتذة بمدينة فاس، إلا عندما أخبرني أحد الطلبة الأساتذة الذين كانوا يتابعون تكوينهم معها بذلك. ثم علمت أنها عُينت بمدينة مراكش حيث كان يقيم زوجها. لكن تلك الأخبار لم تكن كافية لإعادة وصل ما مضى وانقطع، فظل المقعد الأول في حافلة عين الشق مجرد ذكرى بعيدة، أو هكذا كنت أعتقد.

المقعد الثاني: لقاء أعاد الماضي من غيابه

مرت سنوات أخرى… وفي يوم من الأيام، قرأت في إحدى الجرائد الوطنية خبرًا مؤلمًا عن أم مغربية كانت قد فقدت ابنها البكر في بلاد العم (غوركي)، بعدما قتلته عصابة روسية. وكان الخبر يتحدث عن معاناة الأسرة، وعن غياب الدعم والمساعدة اللازمين لكشف ملابسات الجريمة والوصول إلى مرتكبيها. كما أشار إلى الصعوبات التي واجهت نقل الجثمان إلى المغرب، والجهود التي بذلت في هذا الاتجاه -ومنها تدخل (ع. ش) المناضل اليساري الذي يعود له الفضل في نقل جثمان الفقيد للدفن بأرض أجداده بناواحي مدينة الجديدة-.

تأثرت بالخبر، مثلما يتأثر أي إنسان بفاجعة أم فقدت ابنها في بلاد الغربة، لكنني لم أكن أعرف أن تلك الأم هي “لطيفة”. وهكذا مر الخبر في حياتي دون أن أكتشف الصلة التي تربطه بذاكرتي القديمة. وتتوالى الأيام ويمضي الزمن، وتشاء الظروف أن أشارك في دورة تكوينية في التربية على حقوق الإنسان، بصفتي مسؤولًا عن جمعية التربية على حقوق الإنسان، إلى جانب وفود ومشاركين من عدد من البلدان العربية. وكنت قد وصلت يوم الافتتاح متأخرًا، فاخترت مقعدًا في نهاية القاعة حيث كانت تجلس سيدة وحيدة. وفي الحصة المسائية، اقتضت إحدى الأنشطة التكوينية أن يتوزع المشاركون إلى مجموعات ثنائية، فتشكلت الثنائيات وبقيت تلك السيدة وحيدة. وتدخلت إحدى المؤطرات وطلبت مني أن أشكل معها ثنائيًا حتى تستقيم اللعبة التكوينية.

لم يكن في الأمر ما يستدعي التردد، انتقلت وجلست إلى جانبها، ولم أكن أعرف أنني أجلس إلى جانب “لطيفة”، ولم تكن هي تعرف أن الرجل الذي اختار المقعد الأخير هو صديقها وابن حيها القديم من أيام عين الشق. أكثر من ثلاثين سنة مرت دون لقاء! تغيرت الملامح، تبدلت الأحوال، تراكمت تجارب العمر حتى أصبح التعرف إلى بعضنا أمرًا عسيرًا. بدأ الحديث بيننا في سياق الدورة، ثم أخذ يتجاوز موضوع التكوين إلى التعارف واستعادة الذاكرة. وعندما تكشفت حقيقة الأمر، اكتشفنا أننا لم نكن أمام تعارف جديد، وإنما أمام لقاء مؤجل منذ عقود، فكنت وكانت لطيفة! كانت صديقة الدراسة، ابنة الحي، رفيقة رحلات الحافلة المدرسية، وتلك التي نسخت لي درس (الشخصية) في ليلة الامتحان.

يا للمفارقة العجيبة! لم يعد المقعد الذي جمعتنا به قاعة التكوين مجرد مكان اختير مصادفة، بل أصبح جسرًا أعاد وصل حاضرنا بماضينا. غير أن استعادة الماضي لم تكن كلها ابتسامات، فقد بدأت “لطيفة” تحكي لي عن حياتها، عن زواجها، عن ابنها البكر الذي فقدته في روسيا، عن الألم الذي لازمها منذ وقوع الفاجعة.. ثم وجهت إليّ عتابًا لم أكن مستعدًا له: (كل الناس قدموا لي العزاء، إلا أنت!). كانت جملتها محملة بألم قديم. حاولت أن أشرح لها أنني لم أكن أعرف أن الأم التي قرأت خبرها في الصحيفة هي هي، وأن اطلاعي على الفاجعة لم يصاحبه أي علم بهوية صاحبتها. قلت لها -بما معناه-: (لطيفة، أقسم لك أنني لم أكن أعلم أنك المعنية بالأمر. لقد قرأت الخبر وتأثرت به، لكنني لم أكن أعرف أن الأم التي فقدت ابنها هي صديقة عمري القديمة).

لم تقتنع تمامًا، وربما كان من حقها ذلك، فالفقد لا يقاس دائمًا بمنطق المعرفة والجهل، والإنسان الذي يعيش مأساة كبيرة لا يبحث بالضرورة عن تفسير الغائبين بقدر ما يتمنى لو كانوا حاضرين. فجاء عتابها تعبيرًا عن مكانة قديمة لم أكن قد نسيتها، حتى وإن غيبتنا السنوات.

وتشاء الصدف أن تنظم الجهة المسؤولة عن الدورة التكوينية في ختام اللقاء -وأعتقد أنها كانت الوزارة المكلفة بحقوق الإنسان- سهرة احتفالية شاركت فيها إحدى المجموعات الغنائية. فكانت الأجواء عادية، وكان المشاركون يستعدون لإنهاء أيام من العمل والتكوين، لكن ما إن بدأت المجموعة تؤدي الأغنية الشعبية «امحمد يا وليدي» حتى انقلب المشهد، وغادرت لطيفة القاعة متأثرة واتجهت نحو الشاطئ لتنخرط في نوبة بكاء شديدة.

لم تكن الأغنية بالنسبة إليها مجرد كلمات ولحن، بل كانت استدعاءً موجعًا لابنها الغائب، وإعادة فتح لجرح الأمومة الذي لم يندمل. لم أعد أتذكر كيف بلغني الخبر، فخرجت مسرعًا أبحث عنها، فوجدتها غارقة في حزنها. اقتربت منها وعانقتها، وحاولت أن أواسيها وأخفف عنها، لكنني أدركت أن بعض الأوجاع أكبر من قدرة الكلمات على المواساة، وأن الأغنية تكلمت بما عجزنا عن قوله. بقيت إلى جانبها، ولم أكن أملك ما يعيد إليها ابنها، ولا ما يمحو عنها مرارة الفقد وسنوات المعاناة، ولم يكن في وسعي سوى أن أشاركها تلك اللحظة، وأن أشعرها بأنها ليست وحدها. فكان ذلك العناق الصامت، في تقديري، أكثر صدقًا من كل ما يمكن أن يقال.

وانتشر خبر اللقاء الغريب بيننا، وأصبحت قصتنا حديث المشاركين في تلك الليلة: كيف يمكن لصديقين انقطعت أخبارهما أكثر من ثلاثين سنة أن يلتقيا بهذه الطريقة وفي هذا الظرف؟ وكيف يمكن لامرأة أن تعاتب صديقًا قديمًا لأنه لم يقدم لها العزاء، دون أن تعرف أنه لم يكن يعلم أنها صاحبة المصاب؟ لقد كانت حكاية يصعب تصديقها، لكنها وقعت بالفعل.

المقعد الثالث: في بيتي.. حين تحول اللقاء إلى عتاب

منذ ذلك اللقاء، عادت المياه إلى مجاريها، بل إن العلاقة أخذت منحى أكثر قربًا ومتانة، انضمت لطيفة إلى جمعية التربية على حقوق الإنسان التي كنت المسؤول الأول عنها، وتوطدت علاقتنا على المستويين الإنساني والأسري. ولم تعد مجرد صديقة قديمة عادت من الذاكرة، وإنما أصبحت جزءًا من فضاء مشترك يجمع العمل الجمعوي والتكوين والتواصل الأسري. وللحقيقة والتاريخ، لا يمكنني أن أتحدث عن لطيفة دون أن أذكر فضلها الكبير عليّ، ماديًا ومعنويًا، في مساعدتي على شراء شقة للسكن الثانوي بمدينة مراكش، خلال الموسم الدراسي 2002/2003، حين كنت أزاول مهامي نائبًا لوزارة التربية الوطنية بمدينة زاكورة.

كان ذلك موقفًا أقدره، وأعتبره شاهدًا على عمق العلاقة التي جمعتنا، وعلى أن الصداقة ليست مجرد استعادة للذكريات، بل هي أيضًا مواقف ومساندة وتضامن حين تقتضي الظروف ذلك. لكن العلاقات الإنسانية، مهما بلغت درجة متانتها، ليست دائمًا طريقًا مستويًا، فقد حدث أن طلبت مني لطيفة لاحقًا أن أسافر معها إلى المملكة العربية السعودية لتأطير دورة تكوينية في التربية على حقوق الإنسان، بعد أن كانت قد استفادت من تكوين للمكونين في حقوق الإنسان بالعراق -حسب ما أذكر- دون أن تخبر الجمعية بذلك، فتحفظت على طلبها. وكانت قد نسقت مع أحد أعضاء مجموعتنا، وسافرت معه إلى اليمن للإشراف على دورة تكوينية هناك بعد أن تكلفت هي بها.

وعندما علمت بالأمر، دعوت المكتب المسير للجمعية إلى اجتماع ببيتي لمناقشة الموضوع. لم يكن الصديق المعني الأمر عضوًا في مكتب الجمعية، ولذلك لم يحضر الاجتماع. أما لطيفة، فكانت في مواجهة عتاب جماعي، ولم يكن الأمر سهلًا عليها. جلسنا في بيتي، وكان ذلك هو المقعد الثالث في حكايتنا، لكن الفرق بينه وبين المقعدين السابقين كان كبيرًا، ففي الحافلة بدأ التعارف، وفي قاعة التكوين استعادت الصداقة حضورها، أما في بيتي فقد جلسنا لمناقشة موقف أحدث شرخًا كبيرًا في العلاقة بيننا.

بعد أن كان العتاب قاسيًا، وربما تجاوز في بعض لحظاته حدود ما كان ينبغي أن يكون عليه، وأنا اليوم لا أريد أن أعيد محاكمة ذلك الموقف، ولا أن أبحث عمن كان محقًا أو مخطئًا، فقد كانت لكل منا اعتبارات وتقديرات، وكانت الجمعية بالنسبة إليّ فضاءً للعمل الجماعي والمسؤولية المشتركة. لكنني تعلمت، بعد كل هذه السنوات، أن الدفاع عن المبادئ والقواعد لا يعفينا من الانتباه إلى الأثر الإنساني للطريقة التي ندافع بها عنها، فقد نكون مقتنعين بصواب موقفنا، دون أن ننتبه إلى ما يتركه أسلوبنا في نفس من نختلف معه. وللأسف الشديد، فمنذ ذلك الاجتماع، بدأت علاقتنا تعرف شيئًا من المد والجزر، قلت اللقاءات، تباعدت المسافات، أخذت الظروف تتحكم في إيقاع التواصل بيننا.. ولم أكن أتصور أن ذلك التباعد سيصبح، بعد حين، مصدرًا لندم لا أملك اليوم سبيلًا إلى تجاوزه إلا بالاعتراف به.

المقعد الرابع: المكان الذي ظل فارغًا

توالت الأيام، واشتدت على لطيفة وطأة مرض عضال لم ينفع معه علاج. وفي إحدى المرات، أرسلت إليّ رسالة صوتية تطلب مني أن أزورها في بيتها بالدار البيضاء. كانت تلك رسالة عادية في ظاهرها، لكنها أصبحت اليوم أكثر الرسائل حضورًا في ذاكرتي. وللأسف الشديد، لم أنتبه إليها كما كان ينبغي، لم أستجب لطلبها، ومر يومان أو ثلاثة، ثم انتقلت لطيفة إلى عفو الله ورحمته.

وهنا فقط أدركت أن الرسالة التي لم أنتبه إليها كانت آخر فرصة أتيحت لي لأجلس معها. حضرت جنازتها، وكان وقع الرحيل عليّ شديدًا. لم يكن الأمر مجرد فقد صديقة قديمة، بل كان استحضارًا لكل ما جمعنا، ولكل ما تفرق بيننا، ولكل ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث. فعاد إليّ مقعد الحافلة في عين الشق، وعاد مقعد قاعة التكوين حين جلسنا إلى جانب بعضنا دون أن نعرف هويتنا الحقيقية، وعاد مقعد الاجتماع في بيتي بكل ما حمله من عتاب واختلاف، ثم حضرت الرسالة الصوتية.

فاكتشفت أن هناك مقعدًا رابعًا لم نجلس إليه قط! مقعد الزيارة الأخيرة التي لم تتحقق، مقعد كان يمكن أن يجمعنا في بيتها بعيدًا عن مشاغل الجمعية، وعن اختلاف المواقف، وعن كل ما تراكم بيننا. كان يمكن أن أجلس إليها، وأن نتحدث كما كنا نفعل في حافلة عين الشق، أو كما فعلنا في قاعة التكوين بعد عقود من الغياب. كان يمكن أن أقول لها: “لطيفة، لقد جمعتنا الحياة وفرقنا الزمن، واختلفنا أحيانًا، لكن ذلك كله لا يلغي ما كان بيننا من مودة وتاريخ ومواقف إنسانية”، وكان يمكن أن تقول لي ما تشاء، وأن نغلق معًا ما بقي مفتوحًا من صفحات العتاب.

لكن ذلك لم يحدث. لا أعرف إن كانت لطيفة تشعر بدنو أجلها حين أرسلت رسالتها، ولا أريد أن أنسب إليها إحساسًا لم تخبرني به، غير أنني لا أستطيع اليوم أن أمنع نفسي من التساؤل: أكانت تريد زيارة عادية، أم كانت ترغب في لقاء أخير يعيد شيئًا من الصفاء إلى علاقتنا؟ لن أعرف، وسأظل أجهل ما كانت تريد أن تقوله لي لو التقينا. وهذا بالضبط ما يجعل المقعد الرابع مختلفًا عن المقاعد الثلاثة الأخرى، فالمقاعد السابقة شهدت أحداثًا وقعت بالفعل، أما هذا المقعد فقد أصبح رمزًا للقاء الذي لم يحدث، والكلمات التي لم تُقل، وفرصة لم أعرف قيمتها إلا بعد أن انقضت.

خاتمة: ما الذي يتركه المقعد الفارغ؟

كلما عدت إلى حكاية لطيفة، وجدتني أمام سؤال يتجاوز حدود علاقتنا الشخصية: لماذا نؤجل أحيانًا لقاء الذين نعزهم، وكأن الوقت ملك لنا، وكأن الفرص التي تضيع اليوم ستعود إلينا غدًا؟ إن الحياة تعلمنا -وإن كان ذلك متأخرًا- أن العلاقات الإنسانية لا تعيش بالذكريات وحدها، ولا تكفي المواقف القديمة لحمايتها من تآكل المسافات وسوء الفهم. إنها تحتاج إلى رعاية مستمرة، إلى مبادرة، إلى قدرة على تجاوز العتاب، وإلى شجاعة الاعتذار حين يكون الاعتذار ضروريًا. وقد نختلف مع أصدقائنا، وقد نعاتبهم، وقد نبتعد عنهم، لكن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا ننسى أن ما جمعنا بهم قد يكون أعمق وأبقى من أي اختلاف عابر.

أما أنا، فقد بقيت لي من حكاية لطيفة أشياء كثيرة: درس (الشخصية) الذي نسخته لي في ليلة امتحان الباكالوريا، وذكريات الحافلة المدرسية، ولقاء لم يكن في الحسبان بعد أكثر من ثلاثين سنة، وعناق على شاطئ البحر، ومواقف إنسانية لا أنساها، ثم رسالة صوتية لم أنتبه إليها في الوقت المناسب.

وأمام هذه الذاكرة كلها، أجدني مدينًا لها بكلمة أخيرة تتلخص في القول: لتتأكد روحك المحلقة في العلياء أني لا أحمل في قلبي تجاهك أي عتاب، ولا أريد أن يبقى بيننا، بعد رحيلك، شيء من الحسابات القديمة. ودوماً أتخيلك بابتسامتك الصافية من خلف الغيمات تلوحين لي، تذكرينني بأننا قد كنا حكاية جميلة، وإن لم تخلُ من الاختلاف والعتاب. وكان لنا تاريخ يستحق أن يُذكر بالوفاء، لا أن تختزله لحظة خلاف.

وإذا كان لي اليوم أن أختار من كل تلك المقاعد واحدًا أحتفظ به في ذاكرتي، فسأختار المقعد الأول، حيث بدأت الحكاية، وحيث كانت فتاة جميلة تستثنيني من صمتها، وحيث لم نكن نعرف بعد أن الحياة ستأخذنا بعيدًا، ثم تعيدنا إلى بعضنا، قبل أن تفرقنا إلى الأبد. لكنني سأظل ألتفت، كلما استعدت هذه الحكاية، إلى ذلك المقعد الرابع.. المقعد الذي لم أجلس إليه، المقعد الذي كان ينتظر زيارة لم تتم، المقعد الذي لا أستطيع اليوم أن أملأ فراغه، مهما كتبت أو استعدت أو اعتذرت.

ولعل أقسى ما في الغياب ليس أن يرحل من نعز ونحب، وإنما أن يترك لنا فرصة أخيرة لم ننتبه إليها. فبعض المقاعد لا تصبح فارغة حين يغادرها أصحابها، بل حين ندرك أننا لن نستطيع الجلوس إليهم مرة أخرى.

رحمك الله يا لطيفة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما جمعنا من مودة ووفاء شاهدًا طيبًا على علاقة لم يستطع الزمن أن يمحوها، وإن عجزنا نحن عن إكمال آخر فصولها.

شارك هذا الموضوع

المختار العنقا الإدريسي

إطار تربوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!