من كواليسِ اليسار المستباحِ إلى مذكرات الجلاد النظيف

من كواليسِ اليسار المستباحِ إلى مذكرات الجلاد النظيف

 عبد الرحيم التوراني

               لا أريد الخوض الآن في ما يتردد حول تصريحات شاردة لأحد نواب تحالف اليسار في البرلمان لاعتبارات شتى…

لكنّ ما يتفاعل داخل المشهد دفعني إلى التذكر… فقبل أعوام مضت طالعت مذكرات لصحفية أمريكية عملت في الشرق الأوسط وعاشت فترة في لبنان. وبقيت عالقة في ذاكرتي فكرة عابرة صادفتها بين السطور، لكنها بدت لي ومضة عميقة وموجعة في آن واحد، إذ كتبت ما معناه: إن العديد من التنظيمات الحاملة لأفكار نبيلة وثورية تحشد في صفوفها إلى جانب الشرفاء أفرادا مضطربين أو مصابين بالعته.

هذه العبارة التي استللتها مصادفة من بين صفحات كتاب يكاد يكون مغمورا، فتحت عيني على واقع عايشته وكنت قريبا من تفاصيله، واقع لا يتوقف عند حد الاختراق الأمني والبوليسي الفج، بل يتجاوزه إلى ظاهرة أكثر خطورة. وهي أن الأفكار الكبرى تجذب أطيافا متباينة، من بينهم من يفتقرون إلى التوازن النفسي والصلابة الأخلاقية، فيتخذون من العمل النضالي والتنظيمي غطاء لمآربهم أو تعويضا عن تشوهاتهم النفسية.

لكن الكارثة الفادحة تتجلى بحق حين تتسلل هذه النماذج المأزومة وتلك العناصر المخترقة إلى مواقع القيادة وغرف القرار، حيث يصير استقطاب أمثالهم وسحبهم إلى قاع الخيانة أسهل مما يتخيل المرء، والأمثلة على ذلك شاخصة أمام العيان ولا تحتاج إلى بيان.

وحين تنخر هذه الفطريات المشوهة جسد التنظيم، تتحول الشعارات البراقة إلى مجرد واجهات خاوية تستر خلفها أبشع صور الانتهازية والارتزاق.

ما ينطبق على النضال الفكري والسياسي المباشر، ينسحب بيسر مريب على الذمم والأمانات اليومية، فمن يمدون أياديهم إلى المال العام سواء كان مال دولة أو ميزانية بلدية، أو مالية حزب سياسي أو صندوق جمعية مهنية، بل وحتى اشتراكات اتحاد الملاك المشتركين في بناية سكنية (السانديك).. من هؤلاء الذين يتسربلون بلباس المناضلين، يكشفون عن الوجه العاري والوجع الحقيقي لهذه الخديعة. إنهم لا يكتفون باستباحة ما تحت أيديهم، بل يحترفون تبرير السرقة بمنطق مقلوب لا يرتكز إلا على خفة الضمير وغياب الوازع الأخلاقي.

وأحيانا يصبح هذا الواقع المر مستقطبا لشرك البكاء المنساب في عباءة الضحك، تماما كما وصفه أحمد بن الحسين.. أبو الطيب المتنبي في رائعته الخالدة:

(وكمْ ذا بمصر من المضحكات.. ولكنه ضحك كالبُكا)…

إذ لا يكتفي هذا “المناضل اللص الظريف” بسرقاته المادية التي يقترفها في جنح الليل أو واضحة النهار، بل تراه يطمح إلى ما هو أبعد، راغبا في ألا يشار إليه بحقيقته أو تمس حرمته وسمعته المزيفة، خصوصا بعدما تتجلى عليه أمارات الغنى المفاجئ وعلاماته الصارخة.

وحين تحاصره الأسئلة وتكشفه الحقائق، يعمد إلى خوض غمار الكتابة والتأليف، فيصوغ كتابا مشوها يهاجم فيه الآخرين، ويسكب اتهاماته الرخيصة يمينا وشمالا، كي يخرج القارئ بخلاصة مفادها أن الجميع خونة وفاسدون، وأن هذا “اللص الظريف” هو وحده المناضل الشريف المتبقي، وحامي حمى المبادئ والنقاء!!!

إنها ذروة العبث حين يتحول الجاني إلى قاض، واللص إلى حارس للأمين.

ولا بأس إن أخذتنا هذه السخرية السوداء إلى مشهد أكثر قسوة وبشاعة، مشهد يجعلنا نقف مشدودين أمام غرابة المأساة وشطط التاريخ. فلا تستغرب أبدا إذا صادفت جلادا متمرسا، ممن نكلوا بالمعتقلين السياسيين وساموهم سوء العذاب، وأجلسوهم قسرا على القناني وهشموا أرواحهم وأجسادهم في زنازين العتمة، وهو يتحول فجأة بقدرة قادر إلى مناضل سياسي وبرلماني وفاعل مدني يمارس المزايدة على الجميع، ويحاضر في قيم النزاهة وحقوق الإنسان!!!

في غمرة هذا العبث المتواصل كنت أود أن أقترح على هذا الجلاد تأليف كتاب ضخم يوسم بـ: “كنتُ جلادا”، اقتباسا أو اختلاسا من عنوان كتاب أصدره أحد المناضلين “الأجلاء”، كتاب يروي فيه الجلاد بطولاته وصولاته السادية دون نقصان، لعله يدرك في لحظة صحوة متأخرة أن الفعل “كان” في هذا السياق ليس ماضيا ولا ناقصا، بل هو حاضر ممتد يلاحق صاحبه في كل زمان ومكان.

ويختم بصفحة يرجو فيها الصفح والمغفرة، لا من الضحايا الذين هشم أجسادهم وسرق سنوات أعمارهم، بل من الخالقِ الغفور الرحيم، عله يتجاوز عما تقاطر من يديه. وكان الله غفور رحيم.. والوطن أيضا غفور رحيم، كما أخبرنا الملك الراحل الحسن الثاني.

للتذكير فقط فإن من عجائب هذا الزمن الرديء أن عدو حقوق الإنسان هذا قد أقدم في مرحلة ما على تأسيس جمعية تعنى بحقوق الإنسان، قبل أن تطوى وتختفي من الوجود لأنه في حقيقته وكنهه لا يحب سماع لفظ “حقوق” ولا يستصيغ كلمة “إنسان”. ورغم ذلك تراه يتجرأ بكامل الوقاحة ليفتح فمه بادعاء النقاء والوطنية، ويسكب شتائمه الرخيصة على الوطنيين الأحرار والشرفاء الحقيقيين، زاعما أنه الأطهر والأصفى والأنقى في هذا الوجود…

يا لها من نقاوة صفيقة مزيفة، لا تنافسها في القبح والنتانة إلا نظافة المواسير والمراحيض!

فاغلقوا أنوفكم أعزكم الله… من هذه الرائحة الكريهة التي تزكم النفوس وتلوث الضمائر، فبعض الأقنعة حين تسقط لا تكشف عن وجوه قبيحة فحسب، بل تترك خلفها إرثا ثقيلا من العفن الذي لا تطهره عقود من التبرير والمزايدة.

شارك هذا الموضوع

عبد الرحيم التوراني

صحفي وكاتب مغربي، رئيس تحرير موقع السؤال الآن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!