الولايات المتحدة: الحليف الاطلسي الذي التهم أوروبا من أزمة الطاقة إلى استقطاب الصناعة (1-2)

الولايات المتحدة: الحليف الاطلسي الذي التهم أوروبا من أزمة الطاقة إلى استقطاب الصناعة (1-2)

الدكتور عبد الواحد غيات

كيف تحوّلت واشنطن من مظلة أمنية للقارة العجوز إلى منافس يستقطب مصانعها ويبيعها الطاقة؟

  مقدمة: حين يصبح الحليف مستفيدًا من أزماتك

     لم تحتج الولايات المتحدة إلى إرسال جندي واحد لاحتلال المصانع الألمانية، ولا إلى الاستيلاء بالقوة على منشآت فرنسا الصناعية. كان يكفي أن تتغير معادلة الطاقة، وأن ترتفع كلفة الإنتاج في أوروبا، وأن تفتح واشنطن خزائن الدعم أمام المستثمرين، حتى تبدأ رؤوس الأموال في إعادة حساباتها، وتجد الصناعة الأوروبية نفسها أمام سؤال لم تستعد للإجابة عنه: ماذا لو كان الحليف الذي نعتمد عليه أمنيًا هو نفسه المنافس الذي يستفيد اقتصاديًا من تراجع قدرتنا؟

ليست هذه مجرد “مصالح مكشوفة” عابرة، بل عقيدة استراتيجية أمريكية تقوم على مبدأ بقاء القطب الأوحد؛ فحيثما وجدت مصلحة قومية أمريكية، لا تتردد واشنطن في إخضاع حلفائها وخصومها على حد سواء لخدمة هذه المصلحة. وأوروبا التي سلمت أمنها للمظلة الأطلسية وربطت رفاهيتها الصناعية بالطاقة الرخيصة، وجدت نفسها تدفع فاتورة نظام أمني هندسته واشنطن لتبقي القارة تابعة ومرتهنة لقراراتها.

المفارقة أن أوروبا لم تخسر بعض مزاياها الاقتصادية فحسب، بل اكتشفت أن التحالف العسكري لا يمنحها حصانة من المنافسة الاقتصادية، وأن التضامن السياسي لا يعني بالضرورة تطابق المصالح. فالولايات المتحدة التي تؤكد التزامها بأمن القارة الأوروبية لا تتردد في استخدام أدواتها المالية والصناعية والتجارية لتعزيز موقع شركاتها، حتى عندما تكون النتيجة زيادة الضغوط على الصناعة الأوروبية.

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تستفيد من ضعف أوروبا، بل لماذا وصلت أوروبا، بكل ثقلها الاقتصادي والتكنولوجي والصناعي، إلى وضع يسمح لحليفها بأن يتحول إلى مستفيد من أزماتها، بينما تكتفي هي بالتحذير من النتائج بعد وقوعها؟

 الغاز: أوروبا تدفع الفاتورة وأمريكا توسع حصتها

لم يكن الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي مجرد خيار تجاري عادي، بل كان الشريان الحيوي للنموذج الصناعي الألماني والأوروبي. لكن واشنطن رأت في هذا التكامل تهديدًا استراتيجيًا لهيمنتها، فجاءت الحرب الأوكرانية عام 2022 لتفتح الباب أمام إعادة هندسة سوق الطاقة الأوروبية بالكامل.

لم تكن واشنطن متفرجة بريئة تستفيد من الصدفة؛ بل حرصت على قطع شريان الغاز الرخيص وإغلاق أي أفق للحلول الوسط، لتجد أوروبا نفسها مجبرة على الارتماء في أحضان “الغاز الطبيعي المسال الأمريكي” بأسعار باهظة وتكاليف شحن خيالية. وفي الوقت الذي كانت فيه المصانع الأوروبية تختنق تحت وطأة ارتفاع فاتورة الطاقة، كانت شركات الطاقة الأمريكية تحقق أرباحًا غير مسبوقة وتعزز سيطرتها الاحتكارية على السوق الأوروبية.

كان الغاز الروسي الرخيص أحد الأعمدة الأساسية للنموذج الصناعي الألماني، وعنصرًا مهمًا في القدرة التنافسية لقطاعات أوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة. لم يكن مجرد سلعة تعبر الأنابيب، بل جزءًا من معادلة اقتصادية ربطت الموارد الروسية بالقدرات الصناعية الأوروبية، وأسهمت في توفير شروط إنتاج أقل كلفة. وعندما اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، انكشفت هشاشة هذا النموذج، وتراجعت الإمدادات الروسية عبر الأنابيب، وتصاعدت العقوبات والقطيعة السياسية، لتجد أوروبا نفسها أمام ضرورة البحث عن بدائل سريعة لتأمين احتياجاتها.

كان الغاز الطبيعي المسال الأمريكي أحد أبرز هذه البدائل. لكنه لم يكن بديلًا مطابقًا للغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب، لا من حيث تكاليف التسييل والشحن وإعادة التغويز، ولا من حيث آليات التسعير والتعرض لتقلبات السوق العالمية. وعندما تتسع الفجوة بين الأسعار في الأسواق المختلفة، تصبح الوجهة الأكثر ربحية عاملًا مؤثرًا في قرارات المنتجين والمصدرين.

هنا ظهرت المفارقة الأوروبية بكل وضوح. فقد احتاجت القارة إلى الغاز لتعويض تراجع الإمدادات الروسية، بينما وجدت الشركات الأمريكية سوقًا واسعة أمام صادراتها. وفي الوقت الذي كانت فيه قطاعات صناعية أوروبية تواجه ارتفاعًا في تكاليف الطاقة، كانت الولايات المتحدة تعزز موقعها بوصفها أحد الموردين الرئيسيين للغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا. الأزمة التي رفعت كلفة الطاقة على قطاعات أوروبية فتحت في الوقت نفسه فرصًا تجارية واستراتيجية أمام المنتجين الأمريكيين.

وهنا ينبغي طرح السؤال الذي لا تحب بعض الخطابات الأطلسية مواجهته: هل كانت واشنطن مطالبة بالتضحية بمصالح شركاتها من أجل حماية الصناعة الأوروبية؟ بالطبع لا. لكن هل كان من الحكمة أن تبني أوروبا جانبًا من قدرتها الصناعية على افتراض أن علاقاتها السياسية والأمنية ستضمن لها دائمًا شروطًا اقتصادية ملائمة؟ هذا هو السؤال الذي يستحق المساءلة.

أما تفجير خطوط أنابيب «نورد ستريم»، فقد أضاف عنصرًا بالغ الخطورة إلى المشهد. فمن يستفيد استراتيجيًا وماليًا من قطع حبال وصل الطاقة بين موسكو وبرلين هو من يدير خيوط اللعبة من خلف الستار لضمان تبعية أوروبا لواشنطن. والتحولات اللاحقة في سوق الطاقة غذّت تساؤلات مشروعة حول المستفيدين من تراجع الإمدادات الروسية؛ ففي الصراع الدولي، لا تُقاس المسؤولية بالاعترافات المعلنة، بل بتوزيع المكاسب والأعباء.

والنتيجة أن أوروبا دفعت كلفة انتقال طاقي فرضته الحرب والاعتبارات الأمنية، فيما عززت الولايات المتحدة موقعها في سوق الطاقة الأوروبية. وعندما تتعارض المصالح، لا يكفي التحالف لحماية الطرف الأقل استعدادًا للدفاع عن مصالحه.

 روسيا وأوروبا: فرصة تاريخية ضائعة أم استبعاد استراتيجي؟

إن تتبع مسار العلاقات الأوروبية الروسية منذ نهاية الحرب الباردة يكشف عن حقيقة ساطعة: أن واشنطن لم تكن لترسم أو تسمح بقيام فضاء اقتصادي وأمني أوروبي-روسي مشترك.

فلو تكللت مساعي التقارب التاريخي بين موسكو وعواصم القارة بالنجاح، وتكاملت الموارد الطبيعية الروسية مع التكنولوجيا الصناعية الأوروبية، لظهر إلى الوجود قطب دولي عظيم شرس ومستقل يهدد هيمنة الولايات المتحدة ويجعل المظلة الأطلسية بلا قيمة. من هنا، جاء التوسع المحموم لحلف الناتو شرقًا، وتغذية التوترات المنهجية، لقطع الطريق على أي استقلال استراتيجي أوروبي. إن واشنطن لا تدير غرفة عمليات سرية ليوم واحد، بل تدير استراتيجية طويلة الأمد تقوم على قاعدة: “إبقاء الخصوم ضعفاء والحلفاء تابعين”. واليوم، تدفع أوروبا ثمن هذا الفخ الاستراتيجي بعزلة تامة وتراجع اقتصادي مهول.

لفهم المأزق الأوروبي الراهن، لا يكفي الرجوع إلى الحرب الأوكرانية أو أزمة الغاز. ينبغي العودة إلى السنوات التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، حين بدا أن أوروبا تستطيع بناء علاقة جديدة مع روسيا، تتجاوز منطق المواجهة الذي حكم القارة لعقود. خلال التسعينيات، عبّر الرئيس الروسي بوريس يلتسين ومسؤولون روس عن تطلعات إلى تقارب أوروبي روسي أعمق، ووصلت بعض التصريحات إلى طرح فكرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لكن هذه التصريحات لم تتحول إلى مسار تفاوضي رسمي للعضوية، ولم تتوافر الشروط السياسية والمؤسسية اللازمة لتحويلها إلى مشروع متكامل.

ومع وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم، برزت بصورة أوضح رغبة موسكو في إقامة شراكة مع أوروبا تحفظ لها مكانة قوة مستقلة، بدل الاندماج في منظومة تضعها في موقع الطرف الذي يتلقى القواعد والشروط. وفي المقابل، كانت هناك تحفظات أوروبية مرتبطة بطبيعة النظام السياسي الروسي، وبالمعايير المؤسسية للاتحاد، وبالخلافات المتصاعدة حول الأمن والنفوذ في المجال الأوروبي. لكن المسألة لم تتوقف عند حدود العلاقات الاقتصادية. ففي الوقت الذي كان فيه الغرب يتحدث عن بناء نظام أوروبي جديد بعد الحرب الباردة، كان حلف شمال الأطلسي يتوسع شرقًا، وهو مسار أثار اعتراضات ومخاوف روسية متزايدة، وعمّق الخلاف حول شكل النظام الأمني الذي ينبغي أن يحكم القارة.

كان من الممكن أن يفتح تعميق الشراكة الاقتصادية بين روسيا والاتحاد الأوروبي مجالًا أوسع للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، لو اقترن بضمانات أمنية متبادلة وبإطار سياسي قادر على احتواء الخلافات. فالموارد الطبيعية الروسية والقدرات الصناعية والتكنولوجية الأوروبية كان يمكن أن تشكل أساسًا لتكامل اقتصادي واسع، يمنح الطرفين مكاسب متبادلة ويقلص اعتماد أوروبا على بعض الموردين الخارجيين. وقيام فضاء اقتصادي أوروبي روسي أعمق كان سيؤثر بالضرورة في حسابات واشنطن، خصوصًا إذا قلص بعض مصادر النفوذ الأمريكي في أوروبا، أو خفف اعتماد الدول الأوروبية على المظلة الأطلسية في إدارة أمنها.

لم تكن الفرصة الضائعة بالضرورة مشروعًا جاهزًا أفشلته قوة واحدة، بل احتمالًا تاريخيًا لم تنجح الأطراف المعنية في تحويله إلى ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة. ومع ذلك، فإن النتيجة التي تواجه أوروبا اليوم قاسية: تكاليف طاقة أعلى مما اعتادت عليه في مراحل سابقة، وضغوط متزايدة على قطاعات صناعية، واعتماد دفاعي كبير على الولايات المتحدة. لقد ضاقت الخيارات الأوروبية بفعل الحرب والقرارات السياسية والخلافات الأمنية وفشل بناء بدائل كافية في الوقت المناسب.

في العلاقات الدولية، لا تحتاج القوة الكبرى دائمًا إلى إصدار أوامر مباشرة حتى تؤثر في خيارات الآخرين. فقد يكفي أن تدافع عن منظومة تخدم مصالحها، وأن تحافظ على موقعها داخلها، ثم تستفيد من النتائج عندما تتوافق مع أهدافها. وهذا بالضبط ما فعلته واشنطن: لم تصنع الأزمة الأوروبية بيدها، لكنها رتبت المنظومة الأمنية والاقتصادية التي جعلت أوروبا عاجزة عن تجنبها، ثم حصدت مكاسبها.

قانون خفض التضخم: حين فتحت أمريكا خزائنها لاستقطاب الصناعة الأوروبية

لم يأتِ قانون خفض التضخم الأمريكي عام 2022 كإجراء بيئي بريء، بل كان طعنة اقتصادية مدبرة في عقر دار الصناعة الأوروبية. باستخدام المال العام وحزم التحفيز الضريبي الضخمة، وضعت واشنطن الشركات الأوروبية أمام خيار مرّ: إما الإفلاس تحت وطأة أزمة الطاقة، أو الفرار برؤوس الأموال والمصانع نحو الأراضي الأمريكية.

إنها ليست منافسة حرة ولا سوقًا متكافئة، بل هي حرب اقتصادية باردة تشنها واشنطن على حلفائها لامتصاص دمائهم الصناعية والتقنية. قُدّم القانون باعتباره أداة لتعزيز الطاقة النظيفة، وخفض الانبعاثات، ودعم الابتكار، وتطوير قطاعات استراتيجية. لكن الحوافز الموجهة إلى السيارات الكهربائية والبطاريات والهيدروجين والطاقة المتجددة أثارت مخاوف أوروبية جدية من أن تتحول الولايات المتحدة إلى وجهة أكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية الجديدة. كان العرض الأمريكي واضحًا: استثمروا هنا، وأنتجوا هنا، واستفيدوا من الحوافز المتاحة في أكبر اقتصاد في العالم. ولم تكن واشنطن بحاجة إلى إقناع الشركات الأوروبية بخطاب سياسي مطول؛ فقد تركت حسابات الكلفة والعائد تعمل لمصلحتها.

في المقابل، كانت المصانع الأوروبية تواجه ارتفاع تكاليف الطاقة، وضغوط التحول الأخضر، والمنافسة الصينية، وتباين السياسات الصناعية داخل الاتحاد الأوروبي. وبينما تمتلك الولايات المتحدة قدرة مالية واسعة على دعم قطاعاتها الاستراتيجية، تجد الحكومات الأوروبية نفسها مقيدة بدرجات متفاوتة من القيود المالية والخلافات حول توزيع أعباء الدعم بين الدول الأعضاء. هذه ليست منافسة متكافئة تمامًا. فالولايات المتحدة تستخدم حجم سوقها ومواردها المالية لجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا والوظائف، بينما تحاول أوروبا التوفيق بين طموحاتها الصناعية والبيئية والقيود التي تفرضها بنيتها الاقتصادية والسياسية.

فهل كانت واشنطن تفكر في حماية الصناعة الألمانية أو الفرنسية عندما صممت حوافزها؟ ليس هذا ما تتطلبه منها مصالحها الوطنية. لكن السؤال الأهم هو: لماذا لم تكن أوروبا مستعدة لمواجهة هذا النوع من المنافسة بأدوات أكثر فاعلية؟

تقدم تجربة مجموعة «باسف» الألمانية مثالًا على حجم المأزق الذي تواجهه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. فالصناعات الكيميائية تعتمد على الغاز والكهرباء والمواد الأولية، وتتأثر قدرتها التنافسية مباشرة بتكاليفها. وقد دفعت الضغوط المتراكمة شركات كبرى إلى إعادة تقييم مواقع الإنتاج والاستثمار بين أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا. لكن الفارق في تكاليف الطاقة والحوافز الحكومية والقدرة على توفير بيئة استثمارية مستقرة أصبح عنصرًا مهمًا في المنافسة على المشاريع الجديدة. ورغم أن ظاهر القرارات الاستثمارية قد يبدو متعدداً، إلا أن الجوهر يصب في خانة المخطط الأمريكي؛ فعبر خلق فارق هائل في تكاليف الطاقة وطرح حوافز حكومية لجذب الرساميل، نجحت واشنطن في تحويل الولايات المتحدة إلى المغناطيس الوحيد للمشاريع الجديدة، مستنزفةً بذلك المقدرات الصناعية لحلفائها الأوروبيين بذكاء بارد.

هنا تتجلى المفارقة: أوروبا التي بنت جانبًا كبيرًا من قوتها على الصناعة والتكنولوجيا باتت مطالبة بإقناع شركاتها بالبقاء، بينما تستخدم الولايات المتحدة المال العام لإقناع الشركات بالقدوم إليها. والخسارة المحتملة لا تقتصر على مصنع ينتقل أو مشروع يُقام خارج القارة. إنها تشمل الوظائف المستقبلية، وشبكات الموردين، والخبرات الفنية، والابتكار، والإيرادات الضريبية، ومراكز اتخاذ القرار الاقتصادي. فالصناعة ليست مباني وآلات فحسب؛ إنها منظومة متكاملة تتراكم فيها المعرفة والمهارات والقدرات الإنتاجية عبر عقود. وعندما تضعف هذه المنظومة، يصبح تعويضها أكثر صعوبة من تعويض رأس المال المالي. فالمال قد ينتقل بسرعة بحثًا عن الربح، أما الخبرات الصناعية وسلاسل التوريد والتكنولوجيا المتراكمة فلا يمكن استعادتها بقرار حكومي سريع.

إن الولايات المتحدة لا تخفي رغبتها في تعزيز قاعدتها الصناعية. المشكلة أن أوروبا ظلت تتصرف، في مراحل حاسمة، وكأن مكانتها الصناعية التاريخية كافية لحمايتها من المنافسة. والتاريخ الاقتصادي لا يمنح ضمانات دائمة لأحد.

خاتمة الجزء الأول: من يدفع ثمن التحالف؟

تثبت الأحداث المتتالية أن السياسة الأمريكية لا تعرف عواطف أو تحالفات أبدية؛ فالولايات المتحدة تعمل بجهد دائم على إضعاف الخصوم والحلفاء معًا كلما اقتضت مصلحة الهيمنة ذلك. وحين تعجز أوروبا عن بناء بدائل حقيقية وتستمر في رهن قرارها لواشنطن، فإنها لا تلومن إلا نفسها على مسار تحولت فيه من قارة تقود العالم إلى تابع تُنهب مقدراته ببطء تحت شعار “الشراكة الاستراتيجية”.

تكشف أزمة الطاقة، وتعثر التقارب الأوروبي الروسي، والسياسة الصناعية الأمريكية عن حقيقة تتجاوز كل ملف على حدة: التحالف السياسي لا يلغي تضارب المصالح، والتقارب الأمني لا يضمن التكافؤ الاقتصادي. فالولايات المتحدة لا تحتاج إلى إضعاف أوروبا عمدًا كي تستفيد من اختلالاتها، بل يكفي أن تواصل توظيف أدواتها لحماية صناعتها وتوسيع نفوذها، بينما تعجز أوروبا عن بناء بدائل كافية.

لكن هذا الاستنتاج لا يكتمل عند حدود الطاقة والمصانع. فالمسألة الأكثر حساسية تظهر عندما تنتقل المنافسة من الأسواق والاستثمارات إلى الأمن العسكري نفسه. عندئذ لا يعود السؤال مقتصرًا على من يبيع الغاز أو يستقطب المصانع، بل يصبح: من ينتج أدوات القوة، ومن يتحكم في صيانتها وتطويرها، ومن يجني المكاسب الصناعية والاستراتيجية من الإنفاق الذي يفترض أن يحمي أوروبا؟

في الجزء الثاني، ننتقل من فاتورة الطاقة واستقطاب الاستثمارات إلى فاتورة الدفاع وأزمة النموذج الصناعي الألماني، لنبحث كيف يمكن لقارة تنفق أكثر على أمنها أن تجد نفسها، في الوقت نفسه، أكثر اعتمادًا على الصناعة العسكرية والتكنولوجية لحليفها الأمريكي.

شارك هذا الموضوع

عبد الواحد غيات

باحث في العلاقات الدولية والجيوسياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!